It looks like this message is in Arabic
أوروبا بين الحرب والسلم
هل تنتصر البندقية على الدبلوماسية؟
بقلم: د. مصطفى الغاشي
أستاذ التعليم العالي
جامعة عبد المالك السعدي بتطوان
تقديم، هل أوروبا التي بنت مشروعها السياسي على أن الحرب أصبحت من الماضي، بدأت اليوم في إعادة إنتاج الشروط النفسية والسياسية لعالم الحرب؟. لم تكن أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية مجرد قارة خرجت من حرب مدمرة؛ لقد كانت قارة قررت، نظرياً وسياسياً، أن تجعل الحرب مستحيلة داخل فضائها. فمن رماد الحرب خرج مشروع أوروبي يقوم على فكرة شديدة الجرأة وهي أن المصالح المشتركة يمكن أن تكون أقوى من النزاعات التاريخية، وأن الاقتصاد والمؤسسات والقانون والحوار يمكن أن تحل محل الجيوش في إدارة العلاقات بين الدول. فقد كان إنشاء الجماعة الأوروبية للفحم والصلب، ثم السوق الأوروبية المشتركة، وبعدها الاتحاد الأوروبي، جزءاً من هذا التحول التاريخي.
لكن أوروبا 2026 تبدو وكأنها تستيقظ على سؤال كانت تعتقد أنها دفنته مع القرن العشرين: ماذا لو عادت الحرب؟ والأخطر من السؤال نفسه أن أوروبا بدأت تتصرف على أساس أنه يجب أن تكون مستعدة لها.
فبحسب معطيات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، ارتفع الإنفاق العسكري في أوروبا بنسبة 14% خلال 2025، ليصل إلى نحو 864 مليار دولار، بينما ارتفع العبء العسكري الأوروبي إلى 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي، أي أكثر من ضعف مستواه في 2016.
وفي قمة لاهاي 2025، التزمت دول الناتو برفع الإنفاق الدفاعي والأمني إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035، منها 3.5% على المتطلبات الدفاعية الأساسية وما يصل إلى 1.5% على مجالات مرتبطة بالأمن والمرونة والبنية التحتية.
أما الاتحاد الأوروبي نفسه، فقد أعلن أن الجاهزية الدفاعية الأوروبية يجب أن تُرفع بصورة حاسمة بحلول 2030، في ظل ما وصفه المجلس الأوروبي بالتهديدات الأمنية الخطيرة والحرب الروسية على أوكرانيا بوصفها تحدياً وجودياً للاتحاد. إذن نحن لا نتحدث عن مجرد زيادة عابرة في ميزانيات الدفاع، بل نحن أمام تحول في العقل الاستراتيجي الأوروبي. فمن أوروبا التي تخشى الحرب إلى أوروبا التي تستعد لها، والمفارقة التاريخية أن المشروع الأوروبي نشأ من الخوف من الحرب، بينما يبدو أن أوروبا الحالية تعيد بناء أمنها أيضاً انطلاقاً من الخوف من الحرب.
لكن الفرق بين المرحلتين عميق. فأوروبا ما بعد 1945 سعت الى منع الحرب ببناء المؤسسات. أما أوروبا اليوم فتسعى من حيث تدري او لا تدري، وبصورة متزايدة الى منع الحرب ببناء القدرة على خوضها. وهذا ليس مجرد اختلاف في الوسائل؛ إنه تحول في فلسفة الأمن نفسها.
لقد كانت الدبلوماسية، والتكامل الاقتصادي، والاعتماد المتبادل، والقانون الدولي، والمؤسسات الأوروبية، هي أدوات صناعة السلام. أما اليوم فقد عادت إلى الواجهة مفردات كانت تبدو من مخلفات الحرب الباردة: الردع، الجاهزية، القوة النارية، الدفاع الجوي، الصواريخ بعيدة المدى، الصناعات العسكرية، أمن الحدود، المرونة الاستراتيجية، والقدرة على التعبئة. ومن هنا ليس السؤال: لماذا تتسلح أوروبا؟ فهذا أمر طبيعي، أن تبحث الدول عن أمنها في بيئة دولية مضطربة. لكن السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا يحدث عندما يصبح الاستعداد للحرب جزءاً من الثقافة السياسية، وليس مجرد إجراء استثنائي لمواجهة أزمة محددة؟
اولا، أوكرانيا: الحرب التي أعادت التاريخ إلى أوروبا، لم تكن حرب أوكرانيا مجرد حرب بين دولتين. انها بالنسبة إلى أوروبا، بمثابة صدمة استراتيجية. فبعد عقود من الاعتقاد بأن الحرب الكبرى أصبحت مستبعدة في القارة، عاد الصراع العسكري واسع النطاق إلى الجغرافيا الأوروبية، وعادت الحدود والقوة العسكرية والسيادة والتراب الوطني إلى قلب النقاش السياسي. ومنذ ذلك الحين، لم تعد أوروبا تنظر إلى الأمن بالطريقة نفسها.
فالمجلس الأوروبي نفسه يدعو في الوقت ذاته إلى دعم أوكرانيا، وتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، ومواصلة الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى السلام. والمفارقة المبرى لهذه المرحلة ان أوروبا تريد السلام، لكنها تستعد للحرب، وقد يبدو ذلك منطقياً من زاوية الردع، لكن التاريخ يعلمنا أن المشكلة تبدأ عندما يصبح الردع غاية في ذاته، لا وسيلة لحماية السلام. فهل أصبحت الدبلوماسية ضعيفة لأنها لم تعد كافية؟ ان الدبلوماسية الأوروبية لم تختفِ، لكنها فقدت شيئاً من احتكارها للمشهد. فقد كانت الدبلوماسية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة تقوم إلى حد كبير على الاعتقاد بأن النزاعات يمكن إدارتها عبر المؤسسات الدولية والاتفاقيات والتجارة والوساطة والعقوبات. أما اليوم، فالمعادلة تبدو مختلفة: فالدبلوماسية تحتاج إلى قوة خلفها. وهذه الفكرة ليست جديدة في العلاقات الدولية. بل الجديد هو حجم العودة الأوروبية إلى هذا المنطق.
فحين يقرر الناتو الوصول إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع والأمن بحلول 2035، وحين ترتفع النفقات العسكرية الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة، فإننا أمام إعادة تعريف فعلية للأمن. فهل تحتاج الدبلوماسية إلى القوة كي تنجح، أم أن القوة بدأت تحتاج إلى الدبلوماسية كي تبرر نفسها؟
ان الفرق بين السؤالين ليس لغوياً، إنه جوهر المأزق الأوروبي. فأوروبا تعيد اكتشاف «القوة»… ولكن أي قوة؟ ان أوروبا كانت لفترة طويلة قوة اقتصادية وقانونية ومؤسساتية هائلة، لكنها لم تكن قوة عسكرية موحدة بالمعنى نفسه، والآن تريد أن تجمع الاثنين.
فالاتحاد الأوروبي يتحدث عن تقليص التبعيات الاستراتيجية، سد فجوات القدرات، وتعزيز الصناعات الدفاعية. كما يدفع نحو جاهزية دفاعية أكبر بحلول 2030. لكن بناء القوة العسكرية ليس مجرد شراء السلاح، إنه يعني إعادة ترتيب الأولويات الوطنية. فكل مليار يُنفق على الدفاع يمكن أن يطرح سؤالاً آخر حول الاستثمار في التعليم، والصحة، والبحث العلمي، والبنية الاجتماعية، والتحول الأخضر. وهذا ليس اعتراضاً على الإنفاق الدفاعي بحد ذاته، وإنما سؤال حول تكلفة التحول الاستراتيجي على النموذج الاجتماعي الأوروبي.
وقد حذر معهد ستوكهولم الدولي لابحاث السلام، من أن الارتفاع الكبير في الإنفاق العسكري يفرض مفاضلات اقتصادية واجتماعية طويلة المدى.
ومن هنا، هل تستطيع أوروبا أن تعيد التسلح من دون أن تعيد تشكيل نفسها اجتماعياً وسياسياً كمجتمع أمني؟ ان الخطر الأكبر ليس أن تتسلح أوروبا، ان الخطر الحقيقي ليس في أن تمتلك أوروبا جيشاً أقوى، بل في أن يتحول منطق الأمن إلى منطق يحكم السياسة كلها. فعندما يصبح الأمن هو المعيار الأعلى، تصبح الحدود أكثر صلابة، والهجرة أكثر ارتباطاً بالتهديد، والاقتصاد أكثر ارتباطاً بالاستقلال الاستراتيجي، والتكنولوجيا أكثر ارتباطاً بالأمن، والطاقة أكثر ارتباطاً بالجغرافيا السياسية. وهكذا يمكن أن تنتقل أوروبا تدريجياً من:
مجتمع اقتصادي وسياسي يحمي أمني إلى مجتمع أمني يعيد تنظيم اقتصاده وسياساته حول مفهوم الحماية.
ويمكن اعتبار ذلك تحولا تاريخيا بالغ الأهمية.
ثانيا، من «القوة الناعمة» إلى «القوة المركبة»، لقد كان الحديث عن أوروبا خلال العقود الماضية مرتبطاً بمفهوم القوة الناعمة: الاقتصاد، الثقافة، القانون، المؤسسات، التجارة، المساعدات، الجاذبية السياسية، أما أوروبا اليوم فتريد شيئاً آخر انه، القوة الناعمة، القوة الاقتصادية، القوة العسكرية، القوة التكنولوجية… وهذا منطق مفهوم من زاوية التنافس الدولي. لكن ما هو اهم هو: هل تستطيع أوروبا أن تستخدم القوة العسكرية دون أن تفقد الصورة التي بنتها عن نفسها باعتبارها مشروعاً سياسياً لتجاوز الحربب؟ انها ليست مسألة دعائية، بل هي أزمة هوية. لأن أوروبا لا تستطيع أن تكون في الوقت نفسه، من دون توتر، مشروعاً تاريخياً لتجاوز الحرب، ومشروعاً استراتيجياً لإعادة التسلح واسع النطاق. ويمكنها الجمع بينهما، على اساس واحد: أن تبقى القوة العسكرية أداة للسياسة، لا أن تصبح السياسة أداة للقوة العسكرية.
وفي عذا السياق، هل انتهى زمن السلام الأوروبي؟ ربما الخطأ اعتبار أن أوروبا اختارت الحرب. فالمؤسسات الأوروبية ما زالت تتحدث عن وقف إطلاق النار والمفاوضات والسلام، بالتوازي مع تعزيز الدفاع.
لكن الخطر المبير يكمن في أن يصبح السلام نفسه بحاجة إلى قوة عسكرية متزايدة حتى يظل ممكناً.
فإذا أصبحت كل أزمة تستدعي مزيداً من السلاح، وكل تهديد يستدعي زيادة الإنفاق، وكل توتر يستدعي توسيع الجاهزية، فإن الامر يصبح: أين تنتهي الجاهزية ويبدأ سباق التسلح؟ وهنا لا تقدم السياسة الدولية إجابة واضحة، لأن منطق الردع يقوم على معادلة شديدة الحساسية: كل دولة تخاف من الاخرى وهو نا يزيد في طلبات التسلح. وفي النهاية قد يجد الطرفان نفسيهما أكثر تسلحاً وأقل ثقة. وهذا تحديداً هو أحد أخطر دروس الحرب الباردة.
ثالثا، أوروبا بين واشنطن وموسكو وبكين،
ان العامل الذي لا يمكن تجاهله في هذا السياق، هو ان
إعادة التسلح الأوروبية ليست نتيجة الحرب في أوكرانيا وحدها، بل إنها أيضاً جزء من إعادة توزيع أوسع للقوة الدولية. فأوروبا تواجه في الوقت نفسه روسيا، وتعيد تعريف علاقتها بالولايات المتحدة، وتنظر إلى صعود الصين، وتبحث عن استقلال استراتيجي أكبر.
وهكذا أصبحت أوروبا أمام سؤال ليس ببعد عسكري فقط وهو، هل تستطيع أن تكون قوة مستقلة في عالم لم يعد فيه الغرب كتلة سياسية متجانسة كما كان؟ وهنا يصبح الدفاع جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تعريف مكانة أوروبا في النظام الدولي. لكن الاستقلال الاستراتيجي له ثمن، والثمن ليس المال وحده. إنه القدرة على اتخاذ القرار.
رابعا، الدبلوماسية أمام امتحانها الأصعب، لربما تكون المفارقة هنا أن عصر التسلح الجديد يحتاج إلى دبلوماسية أقوى، لا أضعف. فكلما زادت الأسلحة، ازدادت الحاجة إلى قنوات الاتصال. وكلما ارتفعت المخاطر، أصبحت إدارة الأزمات أكثر أهمية. وكلما اقتربت الجيوش من بعضها، أصبحت آليات منع الاشتباك وسوء الفهم أكثر ضرورة. وكلما تطورت الأسلحة السيبرانية والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، أصبح الخطأ البشري أكثر خطورة. لذلك فإن أوروبا التي تنفق أكثر على الدفاع تحتاج، في الوقت نفسه، إلى الاستثمار أكثر في: الدبلوماسية الوقائية، والوساطة، وآليات فض النزاعات، والحد من التسلح، وضبط الأسلحة الجديدة، والحوار الاستراتيجي.
ان المشكلة اليوم ليست في أن تمتلك أوروبا القوة. بل المشكلة في أن تنسى لماذا تمتلكها.
خامسا، من أوروبا السلام إلى أوروبا الردع؟ اننا ربما لا نعيش نهاية «أوروبا السلام»، لكننا نعيش بالتأكيد نهاية مرحلة كان فيها السلام الأوروبي يبدو وكأنه حالة طبيعية لا تحتاج إلى استعداد عسكري واسع لحمايتها.
فأوروبا اليوم تقول، عملياً: السلام لم يعد مضموناً.
ولهذا تعيد بناء قدرتها على الردع. وهذه مسألة استراتيجية، لكن سياسياً وفلسفياً، يبقى السؤال الأكثر خطورة: هل ستظل أوروبا قادرة على حماية السلام من دون أن تصبح أسيرة للخوف من الحرب؟ فإذا كان الجواب بالايجاب، فإن أوروبا قد تنجح في بناء نموذج جديد يمكن تسميته: «السلام بالقوة، ولكن تحت قيادة السياسة والدبلوماسية». أما إذا أصبح الردع هو اللغة الأولى، والتسلح هو السياسة الثانية، والحوار مجرد مرحلة مؤقتة بين جولات التصعيد، فإن المشروع الأوروبي سيكون أمام مفارقة تاريخية قاسية:
قارة أسست وحدتها لكي تتجاوز الحرب، ثم وجدت نفسها تعيد بناء قوتها استعداداً للحرب.
ان الخطر الحقيقي: ليس أن تندلع الحرب غداً، والخطر الأكبر ربما ليس اندلاع حرب أوروبية شاملة. ان الخطر هو أن يتغير تعريف السلام نفسه، مثل أن يصبح السلام يعني فقط غياب الحرب المفتوحة، بينما تستمر الحرب الاقتصادية، والحرب السيبرانية، والحرب المعلوماتية، والحرب التكنولوجية، والحرب بالوكالة، وسباقات التسلح. عندها لن تكون أوروبا قد عادت إلى حرب القرن العشرين، بل ستكون قد دخلت نوعاً جديداً من الحرب الدائمة منخفضة العتبة. فهل أوروبا بصدد بناء قوة تمنع الحرب، أم أنها بصدد التكيف مع عالم أصبحت فيه الحرب جزءاً دائماً من السياسة الدولية؟
في الختام، ان المؤكد أن أوروبا التي عرفناها بعد 1945 لم تعد هي أوروبا التي تدخل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، فقد انتهى، على الأقل، زمن الاطمئنان إلى أن التكامل الأوروبي وحده كافٍ لصناعة السلام. والتحدي الآن ليس أن تختار أوروبا بين الحرب والسلام. بل أن تثبت أن بإمكانها امتلاك القوة من دون أن تفقد ثقافة السلام، وأن تستخدم الردع من دون أن تجعل الحرب قدراً، وأن تعيد للدبلوماسية مكانتها قبل أن تصبح البندقية هي اللغة الأولى في القارة. وهنا تحديداً سيكون الامتحان الحقيقي للمشروع الأوروبي في القرن الحادي والعشرين.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن

















































