قصة قصيرة
نجمة
ماجدة الظاهري

تونس
أفاقت نجمة في الصباح الباكر، والشتاء جاثم على المدينة بثقله.
الهواء بارد، والسماء رمادية كأنها لم تحسم أمرها بعد.
ارتدت معطفها على عجل، وغادرت البيت وفي صدرها قلق لا اسم له.
ركبت الحافلة رقم 410.
كانت المقاعد شبه فارغة، والوجوه شاحبة، كأن الجميع ذاهبون إلى امتحان لا يرغبون فيه.
تذكّرت والدتها حين كانت تنهار من التعب؛ جسدٌ أنهكته أشغال البيت التي لا تنتهي، ويدان أضناهما الغسيل والطبخ والتنظيف، ووجهٌ أطفأ السهر بريقه. كانت تركض من المطبخ إلى الغرف، تجمع ما بعثره الصغار، تطهو، تغسل، تنظّف، ثم تبدأ من جديد، بينما شغب إخوتها يلتهم ما تبقّى من صبرها.
وحين يبلغ بها الإنهاك مداه، كانت تضع يدها على رأسها، وتغمض عينيها لحظة، وتقول بنبرة اختلط فيها الضجر باليأس:
” سأكمل ما تبقّى من العمر في منوبة… ”
نزلت أمام مستشفى الرازي بمنوبة، والشمس لم تشرق بعد، وكأن النهار نفسه يتردد في الدخول إلى هذا المكان.
تقدمت نحو الباب الرئيسي، وسألت البواب عن قسم فرويد.
أشار بيده دون أن يرفع رأسه.
دخلت المشفى، وكان أشبه بمدينة داخل مدينة؛ طريق واسع، طويل، وبنايات متباعدة كأنها تراقب بعضها بعضًا.
كانت تمشي… والخوف يمشي معها، يلتصق بخطواتها، يسبقها أحيانًا، ثم يعود ليختبئ خلفها.
مشت طويلًا، ولم تهتدِ إلى القسم.
في هذا المكان سيكون موعدها مع الطبيب النفسي، ذلك الذي سيقرر إن كانت تستحق فعلًا عطلة مرضية؛ قرارًا إداريًّا بسيطًا، لكنه بالنسبة إليها حكمٌ على ما تبقّى من قدرتها على الاحتمال.
وأثناء محاولتها ترويض خوفها، اعترضها رجل.
سألته عن قسم فرويد.
قال لها:
– اتبعيني، أنا أيضا متوجه إلى هناك.
سارا معا.
تحدثا قليلا.
سألها عن سبب زيارتها.
أخبرته أن لها موعدًا حدّدته الوزارة للنظر في عطلتها المرضية.
ابتسم بحزن وقال إنه زميلها في المهنة، وإن التعليم مهنة شاقة، وإنه جاء لزيارة أخيه المقيم في هذا القسم.
وصلا أمام الباب.
قال لها:
– ادخلي قاعة الانتظار، سينادونك.
ثم غادر، وتركها مع صمت المكان.
جلست على مقعد في وسط قاعة فسيحة.
في أحد الأركان، تكوّم جسد على نفسه من شدة البرد. ثيابه خفيفة، لا تناسب هذا الشتاء القاسي، ولا هذا المكان. لا يمكن لأحد أن يتبيّن إن كان رجلًا أو امرأة، شابًّا أو شابّة، عجوزًا أو شيخًا.
فجأة، فُتح باب، وخرجت منه ممرضة تجرّ عربة صُفّت عليها الأدوية.
ومن باب آخر، خرج المرضى واحدًا تلو الآخر.
اصطفوا أمامها كأنهم لم ينهضوا بعد من نومهم:
واحد يقف على رجل واحدة،
آخر يحرك ساقيه بسرعة كأنه يرقص،
ثالث يقف بصرامة جندي ينتظر الأوامر،
ورابع يرفع يديه إلى السماء.
كان كل واحد يأخذ جرعته، ثم يعود من حيث جاء، صامتًا، مكسور الإيقاع.
بعد أن غادر الجميع، صرخت الممرضة:
– هاتوه!
دخل ممرضان يجرّان رجلًا بقوة.
كان يعاند، يقاوم، كأن جسده آخر ما يملكه.
أوصلاه أمام العربة بصعوبة.
صرخت فيه الممرضة:
-ألم تتعب من هذا السيرك اليومي؟
لم يجب.
لم يتركا له الفرصة.
فتحا فمه بالقوة، وأمسك أحدهما بفكّه السفلي، فانحنى رأسه أمام الممرضة وهي تضع الحبات وتعدّ:
واحد…
اثنان…
ثلاثة…
بيدٍ تمسك فكّه، وبالأخرى صبّ الممرض قارورة الماء في حنجرته. لم يتركه إلا حين تأكد أن الحبات جرفها السيل واستقرت في معدته.
حينها أُخلي سبيله.
وقف فجأة، وصاح بأعلى صوته:
أنا لم أثقب السماء،
أنا فقط مددت يدي وقطفت نجمة،
والله بريء من ذلك الثقب!
تجمّدت في مكانها.
وقبل أن يفتح الباب الذي خرج منه، التفت إليها، ونظر في عينيها كأنه يعرفها منذ زمن، وقال بصوت خافت هذه المرة:
– لا تأتمِني أحدًا لا تعرفينه.
– لا تخرجي في الظلام.
– أخبريهم… أن السماء بها ثقوب كثيرة.
– أخبريهم أن الذي لا يقطف منها نجمة يموت وقلبه مظلم.
اختفى خلف الباب.
بقيت جالسة.
لم تعد تشعر بالبرد.
لم تعد تشعر بالخوف.
وحين نادوا اسمها، نهضت وهي تدرك أن سؤال الطبيب لم يعد مهمًا.
فبعض الجنون…
كان أوضح أشكال الحقيقة.–
نادي القلم المغربي – الدار البيضاء
penmaroc@gmail.com


















































