المغرب وشبابه: رهان الثقة

21 أغسطس 2026
المغرب وشبابه: رهان الثقة


بقلم عبد السلام الصديقي 

عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير سابق

الشباب ليس فقط مستقبل المغرب، بل هو حاضره الأكثر حيوية، ورأسماله الأثمن، وأحد أهم روافع تنميته الاستراتيجية. ومع كونما يقارب 30 في المائة من سكان المملكة تتراوح أعمارهم بين 15 و34 سنة، يتوفر المغرب على رصيد ديموغرافي كبير. غير أنالعائد الديموغرافي لا يتحول تلقائيا إلى عائد اقتصاديواجتماعي. فهو يفترض تمكين الشباب من الولوج إلى تعليم جيد، واكتساب المهارات اللازمة، والعثور على عمل لائق، والمبادرةوالمقاولة، والاستفادة من الثقافة، والمشاركة الكاملة في حياةالمجتمع.

وهنا تكمن المفارقة المغربية اليوم. فالمغرب يتوفر على شباب كثيرالعدد، متصل بالعالم الرقمي، منفتح على العالم ومتطلع إلىالتغيير، غير أن جزءا مهما من هذا الشباب لا يزال يواجه عراقيلتحول دون تحويل تطلعاته إلى مشاريع. وتتجاوز نسبة البطالة 35 في المائة في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، فيما يصنف أكثر من 1,5 مليون شاب ضمن فئة«NEET»، أي الذين لا يوجدون في حالة تشغيل، ولا يتابعونالدراسة، ولا يستفيدون من التكوين. وتضاف إلى ذلك صعوباتالولوج إلى بعض الأنشطة الثقافية والرياضية، فضلا عن مشاركةسياسية لا تزال دون مستوى تطلعات مجتمع يسعى إلى ترسيخديمقراطيته.

غير أن هذه الأرقام لا ينبغي أن تقود إلى نظرة تشاؤمية تجاهالشباب. بل ينبغي أن تدفعنا إلى التساؤل حول قدرتنا الجماعيةعلى تحرير طاقاته وإمكاناته.

شباب يطلب مكانه

لا يمكن اختزال قضية الشباب في مسألة التشغيل، رغم أن هذاالأخير يشكل أحد أبعادها المركزية. فبالنسبة إلى الشاب، يمثلالولوج إلى الحياة المهنية غالبا الخطوة الأولى نحو الاستقلالية، والثقة بالنفس، والقدرة على بناء مشروع حياة. وعلى العكس منذلك، يمكن أن يؤدي غياب العمل لفترة طويلة إلى خلق شعوربالتهميش والإحباط وانعدام الجدوى، في الوقت الذي يتوفر فيهالشباب على رأسمال بشري وطاقة يمكن أن تسهما في خلقالثروة.

وترتبط المشكلة أيضا بضعف التنسيق بين التعليم والتكوينوحاجيات الاقتصاد. وقد مكنت البرامج والآليات التي تم وضعهاخلال السنوات الأخيرة من تحقيق بعض التقدم، غير أن نتائجهالا تزال دون مستوى الانتظارات. كما أن تعدد التدخلات، وضعفالتنسيق بين مختلف الفاعلين، وغياب آليات فعالة بما يكفي لفائدةالولوج الأول إلى سوق الشغل، كلها عوامل تحد من أثر هذهالجهود.

ولذلك، لا يتعلق الأمر بمجرد تكثير البرامج الموجهة إلى الشباب، وإنما ببناء مسار متكامل يتيح الانتقال من التعليم إلى اكتسابالمهارات، ومن المهارات إلى العمل أو المبادرة الاقتصادية، ثم منالعمل إلى الاستقلالية.

وهذه الاستقلالية لا تختزل في الدخل وحده. فهي تفترض أيضاالولوج إلى الثقافة والرياضة والصحة والترفيه، وإلى فضاءاتتمكن الشباب من تنمية مواهبهم، وبناء علاقاتهم الاجتماعيةوالتعبير عن إبداعهم. فالشباب في حاجة إلى آفاق مهنية، لكنهفي حاجة أيضا إلى فرص للعيش المتوازن وتحقيق الذات.

والأهم من ذلك، علينا أن نعترف بحقيقة أساسية: الشباب المغربياليوم ليس هو شباب الأجيال السابقة. فهو يعيش في بيئة رقمية، ويقارن حياته اليومية بما يجري في مختلف أنحاء العالم، ويتوفرعلى أشكال جديدة للتعبير، ويطور طرائق جديدة للمشاركةوالانخراط. ولذلك سيكون من العبث محاولة إدخاله في أطرصممت لأجيال سابقة.

إنه يطلب أن يتم الاعتراف به كما هو، بتطلعاته وانتظاراته، وأحيانا بنفاد صبره. فهو لا يطلب أن يوضع تحت الوصاية، بليطلب أن يعامل باعتباره مكونا كاملا من مكونات المجتمع.

الثقة شرط للتعبئة

وهنا تصبح مسألة الثقة مركزية. فالمعطيات الحديثة تقدم، في هذاالصدد، مؤشرات تستحق الاهتمام. فقد أظهر استطلاع أنجزته«أفروباروميتر» سنة 2024 لدى الفئة العمرية من 18 إلى 35 سنة أن نحو ثلث الشباب فقط يصرحون بأنهم يثقون «جزئيا» أو«كثيرا» في المؤسسات السياسية الرئيسية: 37 في المائة فيالبرلمان، و34 في المائة في المجلس الجماعي، و33 في المائة فيرئيس الحكومة، و33 في المائة في أحزاب

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com