د. شُهب طاقة
في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي فضاءً واسعاً للتعبير عن هموم المجتمع ومشكلاته، برز (صاحب محتوى) مميز ومحايد والذي اختار أن يجعل من صوته المميز والمؤثر منبراً لتشخيص مواطن الخلل في الأداء الحكومي والخدمي، والتعبير عن تطلعات المواطنين واحتياجاتهم. وقد استطاع صديقنا أن يحظى بثقة الجمهور واحترامه، ليس فقط بسبب قدرته على عرض المشكلات، وإنما أيضاً لما يمتلكه من أسلوب مؤثر ولغة قريبة من الناس، جعلته يتحول تدريجياً إلى حلقة وصل بين المواطن والمسؤول، حيث وصل الحال أن يتوجه المواطن إلى مناشدة صديقنا (صاحب المحتوى) في مشكلة تواجهه سواءً أكانت لحظية أو كارثية أكثر مما يناشدون المسؤولين؛ وبتعليقاته الساخرة والجريئة تكمن حلقة الوصل.
ومن بين الظواهر اللافتة في هذا السياق ما يمكن تسميته بـ «ازدواجية الإحساس المرهف»؛ أي ذلك التفاوت في درجة الحساسية تجاه المواقف والأحداث، بحيث يصبح البعض شديد التأثر عندما يتعلق الأمر بشخصية فنية أو اجتماعية محبوبة، في حين يتراجع مستوى الحساسية ذاته أمام قضايا أكثر جوهرية تمس الحقوق والمصلحة العامة وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها من الخدمات المختلفة بجميع القطاعات، ناهيك عن كارثة انقطاع الكهرباء المستمرة “الكابوس الذي يأرق تفكير كل مواطن يمتلك ذرة من الاحساس”.
وقد تجلى ذلك بوضوح عندما ظهر صديقنا (صاحب المحتوى)، في مقطع مصور (فيديو) يمازح أحد الفنانين العراقيين الكبار المبدعين، وهو فنان يحظى بمكانة واحترام واسعين لدى الجمهور، ومن وجهة نظري أنه استحق بجدارة لقب سفير الأغنية العراقية.. وكانت الممازحة، في سياقها الظاهر، تدور حول مظهر رياضي يتعلق بجسم الفنان، ولم تكن – في جوهرها – هجوماً على شخصه أو فنه أو تاريخه.
ومع ذلك، سرعان ما تحول الموقف إلى موجة واسعة من الانتقادات والهجوم على صاحب المحتوى، وكأن العلاقة التي تأسست على مدى فترة طويلة بينه وبين جمهوره قد تعرضت للاهتزاز بسبب موقف عابر. وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: كيف يمكن لشخص أن يتحول في نظر الجمهور من صوت يحظى بالثقة والتأييد، إلى شخصية مرفوضة لمجرد مزحة أو تعليق لم يرق للبعض؟
إن المشكلة لا تكمن في الدفاع عن الفنان أو احترام الرموز الفنية، فهذا أمر مشروع ومفهوم، كما أن من حق أي شخص أن يعترض على أسلوب المزاح إذا رآه غير مناسب. لكن الإشكالية الحقيقية تظهر عندما تصبح الحساسية تجاه مزحة عابرة أكبر من الحساسية تجاه الحقوق العامة المهدورة، أو ضعف الخدمات، أو مظاهر الخلل التي يعيشها المواطن بصورة يومية.
فالوعي المجتمعي المتوازن لا ينبغي أن يقوم على الانتقائية في التعاطف، وإنما على ثبات المعايير. ومن الطبيعي أن نختلف في تقييم الأشخاص والمواقف، لكن من المهم ألا تتحول المحبة إلى كره، وألا يتحول الاختلاف في موقف جزئي إلى إلغاء كامل لتاريخ شخص أو جهده أو دوره المجتمعي.
والأكثر إثارة للتأمل أن الفنان نفسه (محبوب الجماهبر)، سبق أن مرّ بموقف مشابه لموقف صديقنا (صاحب المحتوى)، عندما رفض الغناء في افتتاح أحد المحافل الرياضية في الوطن، الأمر الذي أثار في حينه موجة من الانتقادات والهجوم من الجماهير نفسها. وهنا تتضح المفارقة بصورة أكبر؛ فالشخص ذاته قد ينتقل من موقع «المحبوب الذي يجب الدفاع عنه» إلى موقع «المتهم الذي يستحق الانتقاد»، تبعاً للموقف والظرف والانفعال الجماهيري.
وهذا يكشف أن المشكلة ليست في الحساسية بحد ذاتها، وإنما في عدم ثباتها على معيار واحد. فمن حق الجمهور أن يحب الفنان، ومن حقه كذلك أن ينتقده. ومن حقه أن يقدّر صاحب المحتوى، ومن حقه أيضاً أن يعترض على بعض ما يطرحه. لكن العدالة في الحكم تقتضي أن تكون المعايير واحدة، وأن يكون النقد متوازناً، وألا تتحول المشاعر إلى وسيلة لإصدار أحكام متطرفة وشتائم مشينة.. والأهم أن تبقى البوصلة متجهة نحو المصلحة العامة، لا نحو الأشخاص وحدهم.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو المعنى الراسخ للمقولة: «الاختلاف في الرأي لا يفسد للحب قضية»؛ فالحب الحقيقي لا يعني إلغاء العقل، والنقد الحقيقي لا يعني إلغاء الاحترام، والإحساس النبيل لا ينبغي أن يكون مرهفاً تجاه الأشخاص فقط، بل ثابتاً أيضاً تجاه الحقوق المهدورة والمصلحة العامة المسلوبة، ودون ازدواجية.
“ إحساسُنا المرهفُ إنْ كانَ للحقِّ… زانَ القلبَ والوجدانْ
فلا يرقُّ لشخصٍ دونَ حقٍّ… ولا يقسو على إنسانْ“..


















































