الانتماء الثقافي للشعوب
(أنموذج أبناء مدينة كركوك)
د. توفيق رفيق آلتونچي

الانتماء الثقافي يكوّن شخصية الفرد وسلوك حياته ناهيك عن لغته، عاداته، تقاليده، أعرافه ورموزه الثقافية. أبناء مدينة كركوك ومنذ الآلاف السنين عاشوا معا في حوار حضاري سلمي وتزاوجوا وتصاهروا وتغير اتجاهاتهم الثقافية والفكرية وحتى الدينية والعقائدية. أكاد اجزم ان معظم عائلات اللواء ( اليوم محافظة) المدينة و ضواحيها كانت مختلطة قوميا خاصة عن طريق التزاوج حتى نهايات الحرب العالمية الأولى ومادتي تدور حول تلك المرحلة ولا يجب قراءتها على أساس التركيب السكاني الحالي للمدينة لعدده أسباب أهمها التغيرات الديمغرافية (السكانية) التي جرت على تركيبة المجتمع من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة وتغر بذلك الانتماء الثقافي لأبناء المجتمع.
شيء من التاريخ الحديث:
جاء التغيير بعد انهيار الدولة العثمانية وتفتت ولاياتها وتكوين دول على أسس قومية في المنطقة. وبدا صراع القوميات من اجل حقوقها وهيمنة العنصر العربي على تلك الدول دونً مراعاة التكوين الثقافي والعقائدي لشعوب المنطقة وبفكر استعماري بريطاني وفرنسي وفكرة الانتداب إلى درجة رسم خطوط مستقيمة للحدود ولإنشاء دول المنطقة لإرضاء العرب اللذين شاركوا في محاربة الدولة العثمانية وما يسمى في التاريخ بالثورة العربية بقيادة حجازية وبريطانية من قبل الشريف حسين شريف مكة وأعوانه. النتيجة دول حديثة في المنطقة كلها عربية الأردن، العراق، كويت، العراق، سوريا، لبنان، فلسطين. هيمنة القومية العربية في المنطقة كانت من نتائجها المباشرة الصراع القومي لما كانت تلك الشعوب تعددية القوميات والثقافات.
اما في إيران فقد تمكنت القومية الفارسية من الاستحواذ بالسلطة بعد سنوات من حكم الترك وكذلك استحوذت القومية التركية على ما تبقى من أراضي الدولة العثمانية في الأناضول وإنشاء دولة الجمهورية التركية والمناشدات بأحادية الدولة القومية التركية.
هذا العرض التاريخي مهم لفهم ما حصل في المنطقة من انفجار في العواطف القومية وما نتج منها من ماسي ونزاعات لحد يومنا هذا.

اللغة والانتماء الثقافي:
اللغة ستبقى مقتبسة ولا تمثل اي عنصر من عناصر القومية ونادرا ما نجد قومية تتحدث بلهجة واحدة وكذلك نجد مليارات من البشر يتحدثون بلغة المحتل من إنكليزية، فرنسية، أسبانية، ألمانية، برتغالية، تركية، فارسية وعربية عربية. كذلك يجب عدم الخلط بين الانتماء إلى عائلة لغوية معينة والانتماء القومي العائلة المسماة الهندوأوروبية تشمل معظم اللغات في أوربا واللغة الفارسية والكردية من نفس العائلة كما إننا نتحدث بلغات ذو جذور مشتركة وما تسمى باللغات السامية ولكنها لغات أقوام وشعوب منها الأفريقية وأخرى آسيوية ومنها العبرية، الآرامية الكنعانية، السريانية بجميع لهجاته والعربية بجميع لهجاتها. علينا كذلك عدم الخلط بين المفردات المشتركة المتواجدة في تلك اللغات فهي نتيجة مباشرة لاختلاط الشعوب وتجاورها والتجارة بينها.
أما ان اللغة رابط ثقافي يوحد الشعوب فهذا صحيح لكن اصحاب الفكر القومي يجهلون هذه الحقائق فيرفعون شعار إذا تحدث قوم حتى على القمر بلغتهم فتلك هي ديارهم وهذا من اهم عناصر الفكر الطوراني في تركيا فهم يقولون بان حدود دولتهم ينتهي عند مكان تواجد آخر تركي حتى اذا كان في فنلندا. عودة إلى المجتمع والكركوكي الذي نحن يصدده لنرى هيمنة لغة الحاكم العثماني التركي إلى نهايات الحرب العالمية الأولى على غرار المقولة الشهيرة؛ الناس على دين ملوكهم. يجب عدم نسيان ان التواجد العربي غرب نهر الفرات كان عربيا ولم يعبروا النهر إلا بعد انتشار الدين الإسلامي كما ان انتشار الأتراك جاء مع جيوش العباسيون ومن ثم شمالا عن طريق السلاجقة ومن الشرق عن طريق الصفويون الترك وهذا ما يقارب الدهر فقط. شعوب المدينة قبل دهرين كانوا ذو عقائد مختلطة من اليهود والمسيحيين والزرادشتين وطوائف صغيرة اخرى.
سياسة التغير الديموغرافي:
الديموغرافية علم دراسة السكان. التغيرات الثقافية جرت ببطء مع تأسيس المملكة العراقية عام ١٩٢٢ وبقيادة حجازية عربية اكتشفت لاحقا بأنهم لا يفهمون لغة نصف المملكة بعد عبورهم مرتفعات حمرين في دولة شعبها ذو ثقافات وعقائد مختلفة ومجهولة لهم. حتى لم يكن هناك قاسم مشترك يوحد امالهم ومستقبلهم. لكن انتشار اللغات غير العربية في المنطقة كان بين بعض القرى التي يتحدث ابناؤها التركمانية والكردية بلهجات مختلفة كذلك، وأخرى اختلط العرب فيهم في منطقة سهل گرميان وشمالا في المناطق المحاذية للحدود مع تركيا. وسهل الموصل ،لكن هذا لا يعني توزيعا قوميا بل ثقافيا لغويا فقط على الأقل آنذاك، و إذا حللنا لغويا وقوميا الاتجاهات الفكرية لسكان المدينة حسب الاتجاهات الأربعة لتطور المدينة نرى ما يلي؛

الطريق المتجه إلى مدينة السليمانية ووصولا الى المدينة شمالا نجد فقط تواجد كثيف من القرى الكردية منحصرا.الطريق المتجه إلى أربيل غربا قرى كورديه ولم تكن هناك تواجد عربي في المنطقة من دارمان وصولا إلى مدينة إلتون كوپرى حيث فيها تواجد تركماني. الغرب وبعد اكتشاف النفط بدأت بتجمعات عربية للعمل في مشروع كركوك الاروائي الذي تغير اسمه عدد من المرات والمشروع بدا به ابان الحكم الملكي. وكذلك العاملين في شركة نفط الشمال استقدموا من الجنوب من عرب ومسيحيين وتكون بذلك تواجد عربي في دبس، رشاد، الرياض وحويجه.
الطريق المتجه إلى الجنوب نحو تازه باتجاه العاصمة بغداد كان تركماني كوردي والتواجد العربي حديث. ابتداء من تازه والقرية العصرية العربية التي تم إنشاؤها في الستينيات باستقدام بعض العشائر العربية. اما طريق المتجه الى مدينة تكريت فحديث فقد كان خليط من قرى العرب وبعض القرى الكوردية.
هذا التحليل لانتشار اللغوي للأقوام أي الحديث اليومي الدارج ولغة البيت ليس له علاقة بالانتماء القومي، بل فقط انتشار ثقافي وتغير جذريا عبر الزمن وخاصة بعد عام 1970 ومن ثم بعد سياسة التعريب والتهجير وعمليات الأنفال التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة منذ تأسيس المملكة العراقية كانت قد وصلت ذروتها ابان حكم حزب البعث القومي. لذا نرى بان الناس كانوا متأثرين بالبيئة الثقافية لتواجدهم وسكنهم ويتحدثون بلغة السائدة في تلك البيئة هذا الاختلاط اللغوي الثقافي أدى إلى تكون مجتمعات قروية ذو صبغة لغوية ولكن غير قومية واضحة ولم تكن هناك اي صراع قومي في المنطقة بين القوميات المختلفة وكان من الطبيعي ان نجد من ابناء العرب او الكرد يتحدثون التركمانية مثلا حتى إلى بدايات العهد الجمهوري ولا نرى اي صراع عقائدي ولا صراعا دينيا او طائفيا مع وجود بعض العائلات المسيحية في مركز مدينة كركوك وبعض الأرمن في محلة القلعة استغل البعض منهم في قوات الليفي وكلهم من المسيحيين إنشائها البريطانيون وكانوا في بداية الأمر في الحبانية، ثم نقل بعضا منهم إلى كركوك بعد حوادث مأساوية في مدينة الموصل و كقوات حماية لحقول النفط ويذكر التاريخ لنا بان كان هناك حادثة في السوق الكبير بينهم وبين التجار التركمان أدى إلى سقوط بعض الضحايا. التواجد المسيحي قديم في المدينة وهناك منهم من هاجروا من تركيا ومن إيران. يذكر الاستاذ عبد الرزاق الحسني في سلسلة كتبه عن تاريخ الوزارات العراقية وفي الجزء الثالث ما يلي حول الحادثة؛
“في يوم 4 آذار ، 1924 كان أفراد هؤلاء (الآثوريين) يبتاعون حاجة أخرى من أسواق كركوك فاختصموا مع أحد الباعة على السعر وجرح أحدهم، ولما شعر الباقون بقلة عددهم انسحبوا إلى الثكنة العسكرية فاستلوا سلاحهم وخرجوا مع أصحابهم فأخذوا يقتلون كل من يصادفونه في الطريق طفلاً كان أم رجلاً، ولما وصلوا إلى السوق أحرقوا حوانيت من اختصموا معهم ونهبوا الحوانيت الأخرى، وهمّ شرطيان عراقيان لمنعهم عن قتل الأبرياء فقتلوا الشرطيين فاضطر مدير الشرطة (مراد رحمة الله مبارك) أن يسحب أفراد شرطته تلبية لأمر ضابط التفتيش. فاتسعت المجزرة حتى أسفرت عن نحو مئتي اصابة بين قتيل وجريح ولكن البيانات الحكومية اعتبرتها 56 قتيلاً و44 جريحاً.
اما اليهود فكانوا يتواجدون في القرى والأرياف وتمركزوا في قلعة كركوك إلى نهايات ١٩٤٨ حيث هاجروا جميعا.
الجدير بالذكر ان الصراع القومي الوحيد الدموي بين الكرد والتركمان منحصر فقط بحادثة ما يسمى بمجزرة كركوك 1959 وفي العهد الجمهوري مع الاحتفالات بمرور عام على الثورة. هناك أسباب ومسببات عدة لتلك الحادثة عالجته في مادة سابقة.
هذه التجمعات البشرية اختلطت بشكل كبير لكن انتشار الفكر القومي فرقتها إلى فرق كل يدعوا أحقية تملكه للأراضي وللواء الذي تحول إلى محافظة وتم تجزئتها إداريا بنفس قومي وتعريبها إلى يومنا هذا.
التركيب العقائدي والطائفي لأبناء المدينة يتجاوز الحدود اللغوية والقومية. تجد ابناء الطائفة الشيعية بين التوركمان بدرجة الاولى وهم الأكثرية يسموهم العامة ب “الرافضة ” وينتشرون في جنوب المدينة ابتداء من محلة تسعين وحمزلي ثم قرى بشير، تازه، داقوق ، طوز، سليمان بك، امرلي وصولا الىً مندلي ومدن وقرى اخرى. اما الكرد من الشيعة فينتشرون في مركز المدينة في منقطة عرصة وتعليم تبه ولم أجد لهم تواجد بين العرب. العشائر العربية في المنطقة كانوا معظمهم من السنة إلى بداية عملية الاستيطان العربي فاستقدمت الدولة عشائر من الجنوب ومعظمهم كانوا من الطائفة الشيعة.
الخاتمة:
الانتماء الثقافي ومنه اللغوي ليس له أي علاقة بلغة الأفراد القومية الأصلية، لأنّ انتشار اللغة جاء نتيجة لعوامل عده منها الاحتلال، الحروب، الهجرات البشرية، سياسة الدول. الناس يتأثرون بالبيئة الثقافية التي يتواجدون فيها ويعكسون لغة المتداولة في تلك البيئة. هذا الاختلاط اللغوي ما نجده فيما تسمى بلغة الأم، اللغة المتداولة في البيت، بين أبناء جميع قوميات مدينة كركوك وضواحيها.
أكثر من مليار من سكان الأرض يتحدثون الانكليزية ولغات اخرى وحتى العربية وهم من اقوام وشعوب مختلفة قوميا لا صلة لها اثنيا بالقوم الأصلي لتلك اللغة، أي انه انتماءهم فقط ثقافي لتلك اللغات.
السويد
2026
الإشارات؛
مسعود البارزاني، البارزاني والحركة التحررية الكوردية، الجزء الاول والثاني ، مطبعة خبات.
اوشانا نيسان، الواقعية في الفكر الاشوري المعاصر، دار سركون للنشر، السويد، 1996.
التركيب السكاني الاثني لسكان كركوك خلال قرن )1850 – 1958( مجلة كولان العربي) العدد 71 لسنة 2002
صحيفة قريش اللندنية:
https://newsabah.com/newspaper/141181


















































