من التمييز الإيجابي إلى التمييز المضاعف- سؤال مجتمعي في قضية

30 مايو 2026
من التمييز الإيجابي إلى التمييز المضاعف- سؤال مجتمعي في قضية

من التمييز الإيجابي إلى التمييز المضاعف: الكوطا كتمظهرٍ مؤسسي لامتصاص التحولقراءات نقدية في قضايا المرأة والتحولات المجتمعية

(6) بقلم: د. إيمان غانمي

 باحثة مغربية في قضايا النوع الاجتماعي ينطلق هذا

المقال من السؤال الذي انتهى إليه المقال السابق بوصفه عتبةً للانتقال من تفكيك التمثيلية إلى مساءلة شروط إنتاجها: كيف نميز، سوسيولوجياً وإبستمولوجياً، بين حضور نسائي يوسّع إمكانات الاعتراف أمام نساء أخريات، وحضور آخر يُعاد إدراجه داخل آليات الانتقاء نفسها، فيمنح صورة التحول دون أن يغير شروط إنتاجها؟. 

وقد يجد هذا السؤال اختباره الأكثر دقة في آلية الكوطا، لا باعتبارها مجرد تقنية انتخابية أو إجراء عددي لرفع حضور النساء، بل بوصفها حالة تحليلية تكشف كيف يمكن للتحول أن يُستوعب داخل النسق، لا لكي يُلغى، بل لكي يُعاد توظيفه في إنتاج صورة الإنصاف، وتجديد الشرعية، وتخفيف كلفة المساءلة، مع استمرار المنطق العميق نفسه في إنتاج النخبة وتوزيع الاعتراف؛ وبتعبير أدق، باعتبارها تمظهراً كاشفاً لمفهوم امتصاص التحول حين تمر عبر الوساطة الحزبية. فالحزب لا يشكل مجرد قناة محايدة بين المبدأ والمؤسسة، بل يمثل المجال الذي تتحول فيه المناصفة من مطلب معياري إلى لوائح، وتزكيات، وترتيب مواقع، واختيار أسماء، وتحديد لمسارات الاعتراف والعبور.إن الإشكالية على هذا المستوى لا تكمن في غياب خطاب الإنصاف، ولا في انعدام الآليات القانونية أو الانتخابية التي تسمح بحضور النساء، ولا حتى في بقاء التمثيلية النسائية خارج المؤسسة السياسية؛ بل تتخذ شكلا أكثر تعقيدا والتباسا، حين يتحول مطلب وُلد باسم العدالة إلى قناة لإنتاج حيف جديد، وأن تصبح الآلية التي أُحدثت لتصحيح اختلال تاريخي أداة لإعادة توزيع الامتياز بشكل أكثر نعومة وأشد قابلية للتبرير.بهذا المعنى، لا تُقرأ الكوطا السياسية بوصفها مجرد تقنية انتخابية، ولا بوصفها حصة عددية مخصصة للنساء، بل بوصفها مختبراً سوسيولوجياً يكشف الطريقة التي يشتغل بها امتصاص التحول كما عرفته في مستهل هده السلسلة، فالنسق في هذه الحالة لا يواجه ولا يعاكس حضور النساء، بل في أحيان كثيرة يعيد تحديد نوعية النساء اللواتي يسمح لهن بتجسيد هذا الحضور. لا يعارض التمييز الإيجابي في صورته المعلنة، بل يحوله، عبر وسائط حزبية وتنظيمية، إلى تمييز سلبي مضاعف. وهنا لا نكون أمام تعثر أو بطء في التفعيل، بل أمام اشتغال داخلي للامتصاص: التحول يحدث، لكنه يحدث في حدود تجعله قابلاً لخدمة البنية التي كان يفترض أن يغيرها.لقد جاءت الكوطا، في أصلها، بوصفها آلية من آليات التمييز الإيجابي. ولم يكن هذا التمييز خارج إطار العدالة، بل محاولة لإنقاذ العدالة من حيادها الشكلي. ذلك أن المساواة، حين تُفهم بوصفها معاملة متماثلة بين فاعلات وفاعلين في ظروف اشتغال وانطلاق غير متكافئة، قد تتحول إلى “قناع خفي” لاستمرار التمييز. فإذا كان المجال السياسي قد تشكل تاريخياً وفق شروط جعلت الرجال أقرب إلى شبكات النفوذ، وإلى التمويل الانتخابي، وإلى الزعامة المحلية، وإلى سلطة التزكية، وإلى الأرصدة العائلية والرمزية، فإن مجرد فتح الباب القانوني أمام النساء لا يكفي لإنتاج مساواة فعلية. لذلك وُجد التمييز الإيجابي ليعترف بأن اللامساواة ليست بسبب قصور لدى النساء، بل نتيجة بنيوية لسبل توزيع الموارد والاعتراف والعبور داخل المجال السياسي.غير أن الآلية التصحيحية لا تحتفظ تلقائياً بروحها الاٍيجابية حين تدخل إلى الحقل الحزبي. فهي لا تعبر من النص إلى الواقع في فضاء محايد، بل تمر عبر وساطة لها مصالحها وقواعدها وأعرافها غير المعلنة. فغالبا لا يعمد الحزب لتفعيل آلية الكوطا وفق معايير شفافة وموضوعية ومؤسسة وعادلة، بل يعمل في كثير من الأحيان على تشكيلها من خلال سلطته في الترشيح، وترتيب اللوائح، ومنح التزكية، وتحديد من تصلح لتجسيد “صورة المناصفة”. ومن هنا لاتظل الوساطة الحزبية مجرد قناة عبور، بل جهاز تحويل. فإذا كانت هذه الوساطة في بعض الأحيان ديمقراطية، شفافة، مفتوحة على الكفاءة والمسار والاستحقاق، فإنها تجعل التمييز الإيجابي أداة لتوسيع العدالة. أما إذا كانت محكومة بمنطق القرب والولاء والقرابة على حساب كل ما ذكر آنفا، فإنها في هده الحالة الثانية لا تلغي الآلية، بل تمتص معناها. تبقي على الشكل، وتغير الوظيفة. تحفظ الحصة والعدد، وتعيد إنتاج القاعدة. ترفع نسبة حضور النساء، لكنها لا تضمن أن تكون النساء اللواتي يعبرن هنّ الأكثر التصاقاً بروح الإنصاف أو الأكثر قدرة على تحويل الحضور إلى أثر.هنا يبرز مفهوم 

اقتصاد التحول 

بوصفه مفتاحاً لتحليل الكوطا. فالمسألة لا تتعلق فقط بوجود وصدق الاإرادة السياسية، أو بعدد المقاعد التي يتيحها التمييز الايجابي في رو حه الأصلية، بل بالأثر المترتب عن آلية الكوطا: من تستفيد من التحول؟ من تملك سلطة تحويل المبدأ إلى موقع؟ من تستطيع أن تحول الإنصاف إلى تزكية؟ من تدفع كلفة المطلب دون أن تجني ثماره؟ ومن تتحول إلى واجهة لهذا المطلب رغم أنها لم تنتج شيئا من شرعيته التاريخية؟ إن اقتصاد التحول هو الذي يدبر انتقال مطلب المساواة من مستوى الخطاب إلى مستوى المواقع والاعتراف والتمثيل. إنه يوزع مكاسب العدالة لا وفق المبدأ الذي أعلنت باسمه، بل وفق قواعد البنية التي تستقبلها.وداخل هذا الاقتصاد، لا تصبح النساء أنفسهن متساويات أمام الكوطا، رغم أن الكوطا وُضعت باسم هؤلاء النساء. فهناك نساء راكمن رصيداً نضالياً أو مهنياً أو جمعوياً أو نقابياً، لكن هذا الرصيد لا يتحول بالضرورة إلى تزكية. وهناك نساء أخريات قد يدخلن المجال موفودات ومحمولات بما يمكن تسميته رأسمال القرب، بوصفه معيارا فعليا أو ربما أحد أهم المعايير: القرب من العائلة السياسية، من مركز القرار الحزبي، من الزعامة، من النفوذ المحلي، من شبكات المصالح… إنه يحول،  بشكل غير معلن، مبدأ الإنصاف، الذي يفترض أن يكون عاماً، إلى فرصة خاصة تمر عبر قنوات محددة. وهكذا يصبح العبور السياسي غير مرتبط فقط بالكفاءة أو الالتزام، بل بمدى قابلية المرأة لأن تُدرج داخل هندسة النفوذ.وبناء عليه، تتضح أهمية مفهوم قابلية التزكية. فالمرأة في أحيان كثيرة، لا تصبح مرشحة فقط لأنها تمتلك الحق في الترشح، ولا لأنها مشمولة بمبدأ المناصفة، بل لأنها تصبح، داخل بنية معينة، قابلة للتزكية. وهذه القابلية لا تُنتج دائماً من الكفاءة والالتزام، ولا من التجربة والمراس، ولا من شرعية النضال، بل قد تنتج من الاطمئنان الذي تمنحه للنسق. أما المرأة المستقلة فكريا، صاحبة المسار الميداني، أو الصوت النقدي، أو الرصيد النضالي، قد تكون أقل قابلية للتزكية من امرأة أخرى أقل إرباكاً للتوازنات، وأكثر قابلية للاندراج، وأقرب إلى مركز القرار. وهكذا لا تُقصى المرأة من حيث هي امرأة، بل يُعاد فرز النساء أنفسهن: نساء قابلات للعبور لأنهن منسجمات مع اقتصاد القرب، ونساء مؤجلات أو مستبعدات لأنهن يحملن معنى التحول أكثر من غيرهن.وهذا الأمرهو الذي يجعل آلية الكوطا، في هذه الحالة، تنتقل من تمييز إيجابي إلى تمييز سلبي. فالتمييز الإيجابي كان يروم تصحيح حيف تاريخي بين النساء والرجال. أما التمييز السلبي فينشأ حين تستعمل الآلية نفسها لإنتاج حيف جديد بين النساء أنفسهن. ففي هده الحالة لا يقول الإقصاء “إن المرأة لا تصلح للسياسة”، بل يقول، بصورة غير معلنة، “إن المرأة التي تصلح للسياسة هي تلك التي تمر عبر قنوات القبول المعتمدة”. ولا يصبح الحيف قائماً من خلال عدم وصول النساء، بل في الانتقائية التي تمنع نوعا معينا من النساء من التمكن من العبور: النساء اللواتي لا يملكن سنداً عائلياً أو حزبياً، النساء اللواتي راكمن تجربة دون حماية، النساء اللواتي دفعن كلفة النضال دون أن يمتلكن رأسمال القرب، النساء اللواتي صنعن شرعية المطلب ولم يسمح لهن بتحويلها إلى موقع.في هذه النقطة تحديداً تظهر القسوة البنيوية لهده المفارقة. فالمناضلات اللواتي دافعن عن المناصفة والإنصاف والعدالة لم يكنّ مجرد مستفيدات محتملات من تفعيل مبدأ عادل؛ لقد كنّ منتِجات للشرعية التي جعلت تحقيقه ممكناً. حملن المطلب حين كان مكلفاً، ووسعن لغته حين كان محاصراً، ورافعن من أجله حين كان قابلاً للاستهزاء أو التهميش، ودفعن من زمنهن الاجتماعي والمهني والعائلي والشخصي ما لا يظهر في المؤشرات. لذلك فإن إقصاءهن من الاعتراف ومن المواقع لا يكون إقصاءً عادياً، بل يكون شكلاً من أشكال مصادرة الرصيد النضالي

ح الثمرة لنساء موفودات عبر شبكات القرب والقرابة والولاء.وهنا لا يكون الحيف فقط في أن بعض المناضلات قد لا يتم تثمين مساراتهن فحسب، بل في أن نضالها استُعمل لتزيين الواجهة. هذه هي المفارقة الأكثر إيلاماً: أن تفتح المناضلات الطريق، ثم يعبره من لم يدفعن كلفة فتحه؛ أن تنتج النساء المناضلات معنى العدالة، ثم يعاد توزيع هذا المعنى على من هنّ أكثر ملاءمة للمنطق العميق للبنية؛ أن تتحول تضحياتهن إلى رصيد رمزي تستعمله الأحزاب والمؤسسات لإثبات انفتاحها، بينما يبقى الاعتراف الفعلي محجوباً عن صاحبات الكلفة التاريخية. هنا لا نكون أمام خلل في العدالة فقط، بل أمام استلاب سياسي للمنجز النضالي: المنجز يُفصل عن حاملاته، ويُعاد توظيفه داخل بنية قد تكون هي نفسها التي قاومن اختلالاتها.إن هذا الغبن لا ينبغي فهمه كإحساس ذاتي بالمرارة، بل كبنية من بنيات اللامساواة الجديدة. فالمناضلة لا تدفع ثمناً رمزياً فحسب، بل تدفع ما يمكن أنواع شتى من كلف الالتزام: كلفة الوقت المستنزف في الدفاع عن قضية عامة، كلفة المواجهة، كلفة التصنيف، كلفة سوء الفهم، كلفة التضحية بمسارات مهنية كان يمكن أن تتقدم، أو علاقات عائلية كان يمكن أن تستقر، أو حياة اجتماعية كان يمكن أن تتخذ مساراً أقل استنزافاً. وحين تأتي لحظة الاعتراف المؤسسي، تُمنح المواقع لنساء أوفدتهن البنية الذكوربة السائدة. وفي هذا الموضع بالذات يصبح الحيف مركباً: حيف في توزيع المواقع، وحيف في الاعتراف بالكلفة، وحيف في تحويل النضال إلى أثر، وحيف في مبدأ العدالة ذاته.وتأسيساً على ما سلف، يمكن القول إن أخطر ما يحدث حين تُمتص آلية الكوطا لا يتمثل في اختزالها إلى تمثيلية شكلية فحسب، بل في كونها قد تنقلب، بصورة غير معلنة، إلى آلية “تعاقب” النساء الأكثر وفاءً لمطلبها الأصيل. فالمرأة المناضلة، في هذا السياق، تكون مطلوبة حين يتعلق الأمر بإنتاج الخطاب المؤسس، وبناء الشرعية، وتوسيع الحساسية الاجتماعية تجاه الإنصاف، لكنها قد تصبح أقل قبولاً حين ينتقل الأمر من صناعة المعنى إلى توزيع الاعتراف، ومن شرعنة المطلب إلى اقتسام المواقع. ذلك أنها ليست قابلة بسهولة للضبط أو الاحتواء، ولا تستجيب دائماً لمنطق التمثيل المطمئن الذي لا يربك البنية، لأنها تحمل معها ذاكرة النضال وكلفة السؤال والقدرة على المساءلة. وهنا بالضبط يقودنا التحليل إلى طرح السؤال: هل يحتاج المجتمع إلى المناضلات كي يجعل مطلب العدالة مشروعاً، لكنه لا يحتاج إليهن دائماً حين تصبح العدالة قابلة للتوزيع في شكل مقاعد ومواقع؟ وهل يُطلب منهن إنتاج المعنى، في حين تُحجب عنهن ثمرة هذا المعنى؟تتجلى خطورة هذه المفارقة في أن آلية الكوطا، حين يتم استيعابها داخل منطق

 امتصاص التحول، لا تُلغى من الحقل المؤسسي، بل يتم اختزالها على المستوى الإجرائي، وتفقد قدرتها على مساءلة القواعد العميقة لتوزيع المواقع والاعتراف. فهي، بدل أن تفكك شروط الحيف، قد تسهم في تغذيتها حين تمنح البنية القائمة إمكانية تجديد نفسها بلغة الإنصاف ذاتها؛ إذ تسمح بإنتاج مؤشرات تمثيلية تُظهر الانفتاح، دون أن تتمكن بالضرورة من إحداث التحول المفترض في المنطق السائد. وبذلك لا تصبح الكوطا مجرد أداة لتصحيح الاختلال، بل تتحول، عبر إعادة ترميزها اجتماعياً ومؤسسياً، إلى صيغة من صيغ العدالة الأداتية: عدالة تُدار بوصفها إجراءً ومؤشراً وخطاباً، لكنها قد تنفصل عن الاستحقاق والكلفة النضالية والمسار الفعلي لإنتاج المعنى. إنها تعلن تصحيح الحيف، لكنها قد تغذّي حيفاً جديداً داخل الفئة التي يُفترض أن تنصفها، حين تجعل الاعتراف قابلاً للتوزيع وفق منطق القرب لا وفق منطق الاستحقاق. وهنا بالضبط يظهر مفعول امتصاص التحول: فالمطلب لا يُقاوم، بل يُعاد توجيهه؛ والآلية لا تُعطَّل، بل تُشغَّل داخل حدود لا تربك البنية؛ والعدالة لا تُنفى، بل تُدار بطريقة تجعلها أكثر قدرة على إنتاج صورة الإنصاف، وأقل قدرة على فرض شروطه العميقة.وعلى هذا المستوى تشتغل الشرعنة العددية بوصفها إحدى أهم آليات امتصاص التحول في هذا السياق. فالنسبة العددية تقدم كدليل على التطور عندما يصبح المشهد أكثر توازناً في الواجهة. غير أن العدد، على الرغم من أهميته كأحد المؤشرات، لا يقول الحقيقة كلها. إنه يثبت الحضور، لكنه لا يثبت الأثر. يثبت العبور، لكنه لا يثبت إعادة منطق توزيع السلطة و القرار. يثبت السعي نحو المناصفة في الشكل، لكنه لا يثبت عدالة المسار اليها. ولذلك قد يتحول االعدد من مؤشر للتقدم إلى حجب للسؤال البنيوي: من هن النساء اللواتي وصلن؟ كيف وصلن؟ كيف تمت تزكيتهن ووفق أي معايير؟ ما علاقتهن بالمسار النضالي؟ هل يمثلن امتداداً لكفاءات مستقلة، أم امتداداً لعائلات سياسية وشبكات مصالح؟ هل فتح حضورهن الطريق أمام نساء أخريات، أم جعل الطريق يبدو مفتوحاً بينما بقي رهينا بشروط ومعايير غير معلنة؟إن الشرعنة العددية تمنح النسق قدرة على 

إنتاج سردية التغير دون أن تفرض عليه، بالضرورة، تجديد قواعده العميقة. وهنا تتضح آلية 

التغذية البنيوية للامتصاص؛

إذ لا يصبح التحول خارج البنية أو في مواجهتها، بل يتحول إلى مورد من موارد اشتغالها وتجديد مشروعيتها. فالكوطا تمنح أعداداً متقدمة، والأعداد تنتج صورة حداثية، والصورة الحداثية تمنح شرعية سياسية، وهذه الشرعية تُخفّض

 كلفة المساءلة 

عن الأحزاب والمؤسسات، لأنها تتيح لها أن تقدم ذاتها بوصفها منخرطة في الإنصاف، دون أن تكون مضطرة بالقدر نفسه إلى تغيير منطق الانتقاء والعبور إلى الموقع. وبهذا المعنى، يصبح ما كان يفترض أن يحرج النسق مادةً لإعادة تثبيته؛ فالآلية التي جاءت لتصحيح الإقصاء تتيح للبنية أن تعلن الإنصاف، بينما قد تستمر في تنظيم العبور عبرشبكات النفوذ، والولاء، ورأسمال القرب. هذا هو المعنى الدقيق للتغذية البنيوية: أن يتغذى النسق من التحول نفسه، لا أن يلغيه؛ وأن يستعمل الإصلاح لتجديد صورته، لا لتغيير منطقه.وتأسيسا على ما ذكر، يتضح أن التحليل لا ينبغي أن يظل أسير الثنائية الاختزالية بين المرأة والرجل، لأن ما تكشفه آلية الكوطا، حين تُقرأ في ضوء مفهوم امتصاص التحول، هو أن اللامساواة لا تُنتج دائماً عبر خط فاصل واحد بين ذكورة مالكة للموقع وأنوثة مقصاة منه، بل قد تُعاد صياغتها داخل المجال النسائي نفسه. وهذا بالضبط أحد الأدلة على محدودية المقاربة التي تحصر الإشكالية في مواجهة مباشرة بين رجل وامرأة، إذ أن النسق، حين يصبح مضطراً إلى تقليص بعض أشكال الفارق العمودي بين النساء والرجال، قد يعيد إنتاج الفارق أفقياً بين النساء أنفسهن: بين امرأة محمولة بقربها من نفوذ ذكوري يمنحها العبور والحماية والاعتراف، وامرأة مثقلة بكلفة الالتزام والمساءلة؛ بين امرأة يسمح النسق بعبورها لأنها لا تربك توازنه الداخلي، وامرأة مناضلة راكمت شرعية المطلب لكنها بقيت أقل قابلية للاحتواء؛ بين من تستفيد من ثمار الإنصاف المؤسسي، ومن ساهمت في بناء معناه ودفعت كلفته دون أن تنال بالضرورة موقعها داخله. وهنا يظهر الامتصاص في صورته الأكثر تركيباً:

لا يُلغى حضور النساء، بل يُعاد ترتيب هذا الحضور وفق منطق انتقائي يجعل الإنصاف نفسه مجالاً جديداً لإنتاج التفاوت، لا مجرد أداة لتجاوزه...وبناء عليه، يتضح أن التمييز الجديد قد يكون في بعض الأحيان أشدّ خطورة من التمييز المباشر، لا لأنه أكثر حدّة بالضرورة، بل لأنه أقلّ قابلية للانكشاف والمساءلة. فالتمييز القديم كان يعلن نفسه في صورة إقصاء صريح: مجال سياسي مغلق أمام النساء، أو مفتوح لهنّ ضمن هوامش ضيقة وشروط معلنة أو شبه معلنة. أما التمييز الجديد، فيشتغل من داخل لغة الإنصاف ذاتها؛ لا يرفض المساواة خطابياً، بل يعيد ترتيب آثارها اجتماعياً ومؤسسياً على نحو يجعلها قابلة للاحتواء. ومن هنا يصبح تمييزاً مضاعفاً: لأنه لا يكتفي بإزاحة النساء المناضلات عن مواقع الاعتراف والتمثيل، بل يستثمر الشرعية التي راكمنها، والخطاب الذي أسسن له، والكلفة التي تحملنها، من أجل إضفاء المشروعية على ترتيبات قد تعيد إنتاج إقصائهن باسم الإنصاف نفسه. وهنا تكمن مفارقة امتصاص التحول: أن يتحول النضال من قوة مساءلة إلى مورد رمزي تستعمله البنية لتجديد صورتها، دون أن تغيّر بالضرورة منطقها العميق في توزيع الموقع والاعتراف.وهنا نخلص إلى ضرورة التمييز بين 

تأنيث الحضور السياسي ودمقرطة إنتاج هذا الحضور

فقد يتم تأنيث بعض الواجهات دون أن تتغير القواعد التي تنتجها، وقد تلج النساء إلى البرلمان دون أن تتأثر آليات الدوران العميق للنخب، كما قد تتعدد الأسماء النسائية دون أن يتسع المجال فعلياً للنساء المستقلات، أو المناضلات، أو الكفاءات الصاعدة من القاعدة الاجتماعية والتنظيمية. فالتأنيث، بهذا المعنى، لا يعني بالضرورة تحولاً في بنية الولوج إلى الموقع، بل قد يتحول إلى صيغة جديدة من تحديث الوراثة السياسية، حيث تصبح العائلة السياسية أو شبكة النفوذ لا تنتج الرجال وحدهم، بل تنتج أيضاً نساء يحملن امتدادها الرمزي والاجتماعي. وحين يحدث ذلك، لا تكون المناصفة قد فتحت المجال أمام إعادة توزيع حقيقية للشرعية والاعتراف، بل تكون قد منحت البنية القديمة قدرة أكبر على التكيّف مع لغة العصر، من خلال تجديد صورتها دون مراجعة منطقها العميق في إنتاج النخب وتمرير المواقع.غير أن هذا النقد لا ينبغي أن ينزلق إلى مساءلة الكوطا في ذاتها، أو إلى نزع المشروعية عن التمييز الإيجابي بوصفه آلية تصحيحية لازمة مرحليا؛ فإلغاء هذه الآلية بدعوى سوء توظيفها قد يعيدنا إلى نقطة البداية؛ لذلك فالمطلوب ليس التخلي عن الكوطا، بل تحريرها من 

اقتصاد الامتصاص؛ أي نقلها من حصة تُملأ إلى مسار يُؤهِّل، ومن نسبة عددية يحتفى بها إلى سلطة يُعاد توزيعها، ومن تزكية فوقية إلى اختيار شفاف، ومن تمثيلية كمية إلى تمثيلية نوعية، ومن استعمال الرصيد النضالي إلى الاعتراف بحاملاته الفعليات، ومن تأنيث الامتداد السياسي للعائلات وشبكات النفوذ إلى دمقرطة إنتاج النخب. في ضوء ذلك، يصبح السؤال الجوهري ليس: هل نحتاج إلى الكوطا؟ بل: أي كوطا؟ وبأية وساطة؟ ولصالح أي اقتصاد للتحول؟ هل هي كوطا تخفض كلفة العبور أمام النساء المقصيات فعلاً، أم كوطا تفتح مساراً جديداً لمن يملكن أصلاً رأسمال القرب؟ هل هي كوطا تعترف بكلفة الالتزام والمنجز النضالي، أم كوطا تستعمل هذا المنجز وتمنحه لغير حاملاته؟ هل هي كوطا تفكك الوراثة السياسية، أم تؤنثها؟ هل هي كوطا تنتج نساء قادرات على تحويل الحضور إلى أثر، أم نساء يملأن الواجهة دون أن يغيرن مركز القرار؟ومن هنا ينفتح المقال المقبل على مستوى آخر من الاختبار. فإذا كانت الكوطا تكشف كيف يمكن للوساطة الحزبية في كثير من الحالات، أن تحول التمييز الإيجابي إلى تمييز سلبي، وأن تجعل مطلب العدالة مصدراً لحيف جديد ومصادرة للرصيد النضالي، فكيف يشتغل امتصاص التحول حين ننتقل إلى المستوى القانوني والمؤسساتي؟ كيف يمكن للنص القانوني أن يعلن تحديثاً في الشكل، بينما تظل شروط التأويل والتطبيق والقيم الاجتماعية قادرة على إعادة تثبيت المضمون القديم؟ وكيف يمكن، في حالة مدونة الأسرة على سبيل المثال، أن نقرأ شكلاً آخر من العدالة الأداتية، حيث لا يُرفض الإصلاح كليا، بل يُعاد إدخاله في اقتصاد اجتماعي وقانوني يجعل التحديث قابلاً للتعايش مع استمرار البنية؟ ( يتبع)

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com