من المقاومة إلى امتصاص التحول: كيف يعيد المجتمع إنتاج نفسه؟

26 أبريل 2026
من المقاومة إلى امتصاص التحول: كيف يعيد المجتمع إنتاج نفسه؟


قراءات نقدية في قضايا المرأة والتحولات المجتمعية
 (3):

بقلم: د. إيمان غانمي

إن بلوغنا هذا المستوى من الفهم لا يضعنا أمام خاتمة التحليل، بل يضعنا، على العكس، عند عتبته الأكثر حساسية والأشد إرباكًا. ذلك أن القول بأن المجتمع لا يواجه التحول دائمًا بمنطق الرفض الصريح، ولا يعارضه بالضرورة عبر أشكال المقاومة الفجة والمعلنة، بل قد يستوعب بعض لغته، ويتبنى بعض شعاراته، ويُدرج بعض مفرداته في خطابه ومؤسساته وصوره عن ذاته، إنما يفتح، بالضرورة، سؤالًا أشد دقة وأبعد أثرًا: إذا كان امتصاص التحول هو الآلية التي تسمح للبنية بأن تستمر من داخل ما يفترض أنه تغيير بها، فما هي القنوات الملموسة التي تشتغل عبرها هذه الآلية؟ كيف تعمل داخل الأسرة، وفي المدرسة، وفي الإعلام، وفي مجال العمل، وفي اللغة اليومية، وفي تلك القواعد غير المعلنة للقبول والإقصاء؟ وكيف يُعاد، في كل فضاء من هذه الفضاءات، تمرير عناصر التغيير وإعادة توزيعها وتخفيف حدتها وتأويلها بما يحفظ للبنية القائمة منطقها العام، حتى وهي تبدو، على السطح، منخرطة في مسار معلن نحو التغيير؟

إن هذا السؤال لا يأتي هنا بوصفه تفريعًا جانبيًا على ما سبق، ولا باعتباره مجرد انتقال من مستوى نظري إلى مستوى “تطبيقي” بالمعنى البسيط، بل لأنه يمثل في الحقيقة لحظة الحسم داخل هذا المسار كله. فالمفاهيم لا تُختبر بقدرتها على الإيحاء فقط، بل بقدرتها على النزول إلى قلب الواقع، وتفكيك منطقه، والكشف عن آليات اشتغاله الفعلية. ومن ثم، فإن الحديث عن امتصاص التحول لا يكتسب معناه الكامل إلا حين يمكننا أن نرى كيف يعمل هذا الامتصاص لا كشعار نظري، بل كنظام اجتماعي متعدد المستويات، موزع على مؤسسات وفضاءات وتمثلات وعلاقات، بحيث لا يلغى التغيير تمامًا، ولا يُترك أيضًا ليبلغ مداه البنيوي الكامل، بل يُعاد إدماجه تدريجيًا ضمن شروط الاستمرار.

ولعل الأسرة تشكل، في هذا الباب، القناة الأولى والأكثر حساسية، ليس فقط لأنها فضاء التنشئة الأولى، بل لأنها المجال الذي تُعاد فيه صياغة العلاقة بين القيم الجديدة والبنية القديمة في صورة يومية ناعمة ومؤثرة. فالأسرة قد تستقبل خطابًا جديدًا حول تعليم الفتاة، أو استقلالها النسبي، أو حقها في الاختيار، أو مشروعيتها في العمل والحضور العام، غير أنها لا تستقبل هذه العناصر باعتبارها مبادئ خالصة تحمل في ذاتها لوازمها الكاملة، بل تعيد ترجمتها داخل نظامها الرمزي الداخلي. ومن هنا فإن القبول لا يكون مطلقًا، بل مشروطًا  مسقوفًا، والدعم لا يكون دائمًا تحريرًا، بل قد يكون، في كثير من الأحيان، إعادة ترتيب ذكية للمقبول.

فالأسرة قد تشجع التعليم، لكنها قد تظل، في العمق، تنظر إليه لا بوصفه إعادة تأسيس جذرية لموقع المرأة داخل المجتمع، بل بوصفه قيمة مضافة داخل منطق أقدم لم يتغير كليًا. وقد تقبل بالعمل، لكنها قد تعيد تأويله بوصفه مكسبًا محمودًا ما دام لا يعيد صياغة تراتبية الأدوار بصورة جذرية. وقد تتبنى لغة الثقة والاحترام والمساندة، لكنها تُبقي في العمق على خطوط خفية تضبط مقدار الاستقلال المقبول، وحدود الاختيار المشروع، وصيغة النجاح التي لا تخلخل كثيرًا التوازن الرمزي للأسرة. وهكذا لا تعارض الأسرة التغيير دائمًا عبر المنع، بل عبر إعادة التكييف: تسمح له بالدخول، لكنها تنزع منه، تدريجيًا، بعض قوته التحويلية، وتُعيد إدراجه ضمن نسق يجعل التقدم ممكنًا ما دام لا يتحول إلى مراجعة عميقة لقواعد توزيع السلطة والمعنى داخلها.

وهنا تكمن دقة الاشتغال الأسري: إنه لا يعمل ضد التحول من الخارج، بل من داخله. فهو لا يقول بالضرورة “لا”، بل يقول “نعم، ولكن…”. وهذه الـ”لكن” ليست تفصيلًا عرضيًا، بل هي الصيغة الدقيقة التي تشتغل بها البنية وهي تستقبل ما يهدد أسسها وقواعدها العميقة. فبداخلها يُعاد تعريف الحرية بحيث لا تصير انفلاتًا من الحدود الراسخة، ويُعاد تعريف النجاح بحيث يظل منسجمًا مع صورة اجتماعية مقبولة، ويُعاد تعريف الاستقلال بحيث لا يبلغ حد مساءلة القاعدة ذاتها. وهكذا تتحول الأسرة إلى مختبر هادئ لامتصاص التحول، لأنها تملك قدرة نادرة على الجمع بين لغة العصر ومنطق الاستمرارية داخل النسق نفسه.

وإذا كانت الأسرة تصوغ هذا الامتصاص عند مستوى التنشئة والوجدان والشرعية الأولية، فإن المدرسة تتولى إعادة إنتاجه في صيغة أكثر مؤسساتية وحداثة، بما يمنحه مشروعية أوسع وأعمق أثرًا. فالمدرسة لا تُقدِّم نفسها بوصفها حارسًا للبنية القائمة، بل بوصفها فضاء للترقي والمعرفة والاستحقاق والمساواة. غير أن هذه الصورة المعلنة لا تكفي لفهم ما يشتغل داخلها فعلًا. فالمدرسة، حتى حين تتبنى لغة الحقوق والمواطنة وتكافؤ الفرص، تظل، في كثير من الأحيان، موضعًا يُعاد فيه توزيع الممكن على نحو غير بريء، من خلال التوقعات الضمنية، وصناعة النماذج، وتوجيه الطموحات، وتحديد ما يبدو “معقولًا” و”ملائمًا” و”طبيعيًا” لكل نوع اجتماعي.

إن الامتصاص داخل المدرسة لا يعمل فقط عبر المقررات أو الدروس أو الخطاب الرسمي، بل عبر طبقة أعمق من الرسائل غير المصرح بها: من الذي يُقدَّم بوصفه مثالًا للنجاح؟ وما نوع الطموح الذي يُشجَّع عليه بصمت؟ وكيف تتوزع الثقة؟ وما الصورة التي تُصنع عن القيادة والجرأة والمبادرة والاختصاصات “المناسبة”؟ فالمدرسة قد لا تمنع الفتاة من الحلم، لكنها قد تصوغ مناخًا عامًا يجعل بعض الأحلام أكثر شرعية وأمانا من غيرها، وبعض المسارات أكثر انسجامًا مع ما ينتظره منها المجتمع. وقد تُظهر انفتاحًا على المساواة، لكنها تُبقي، في عمق آلياتها التربوية والرمزية، على ضرب من الاقتصاد الخفي في توزيع الجرأة والمشروعية والطموح.

وهنا تشتغل المدرسة بوصفها جهازًا بالغ الأهمية في تهذيب أثر التحول: فهي تسمح له بالمرور، لكنها تدرّبه، في الوقت نفسه، على احترام الحدود. قد تجعل الجديد قابلًا للتعلم، لكنها تجعله أيضًا قابلًا للتكيّف مع النسق الذي يستقبله. وهكذا، بدل أن تكون المدرسة دائمًا أداة لتفكيك البنية، قد تصبح، من حيث لا تعلن، إحدى الوسائط التي تعيد عبرها البنية إنتاج نفسها بلغة تربوية متقدمة، أكثر تهذيبًا وأقل فجاجة، لكنها ليست أقل فعالية.

أما الإعلام، فإنه يمنح هذا الامتصاص بعدًا آخر أكثر بريقًا وأشد التباسًا، لأنه الفضاء الذي تتحول فيه الوقائع إلى صور، والتحولات إلى سرديات، والمطالب إلى رموز قابلة للتداول العام. وفي المجتمعات المعاصرة، لا يمكن التقليل من هذه الوظيفة، لأن الإعلام لا يكتفي بعكس الواقع، بل يشارك في تحديد ما يُرى منه، وفي أي ترتيب يُرى، وبأي معنى يُقرأ. ولهذا فإن قدرته على امتصاص التحول لا تمر عبر الإنكار، بل عبر إعادة تمثيله في صورة تتيح للبنية أن تتزين به قبل أن تدفع ثمنه الكامل.

فالإعلام يحتفي بنجاح النساء، ويبرز حضورهن في مواقع كانت موصدة، ويعيد تدوير مفردات التمكين والريادة والكفاءة وكسر الصور النمطية. غير أن السؤال النقدي هنا لا ينبغي أن يقف عند حدود ما يقال، بل عند كيفية إنتاجه وما يُسحب منه أثناء إنتاجه. فما نوع المرأة التي تُقدَّم بوصفها صورة نجاح؟ وهل يُقدَّم هذا النجاح بوصفه تحولًا بنيويًا في المجتمع، أم بوصفه قصة فردية استثنائية قابلة للاستهلاك العاطفي؟ وهل يُفتح النقاش حول الشروط التي جعلت الوصول إلى هذا النجاح صعبًا وانتقائيًا ومكلفًا، أم تُنتزع النتيجة من سياقها وتُعرض كأنها الدليل الكافي على أن الباب قد فُتح وأن المجتمع قد أنجز تحوله؟

في كثير من الأحيان، يشتغل الإعلام على تحويل السؤال البنيوي إلى مشهد رمزي، وعلى تحويل التعقيد إلى صورة لامعة، وعلى اختزال مسار شاق ومشروط في خطاب احتفائي يوهم بالاكتمال. وهنا لا يُلغى التحول، لكنه يُعاد تدويره في صيغة تمنح المجتمع شعورًا مريحًا بحداثته، وتُنتج لديه صورة عن نفسه أكثر تقدمًا من بنيته الفعلية. إن الإعلام، بهذا المعنى، لا يكذب بالضرورة، لكنه قد يُنجز شكلًا بالغ النجاعة من الامتصاص: يأخذ من التغيير علاماته الأكثر بروزًا، ويعيد تقديمها على نحو يُهدئ السؤال حول عمق هذا التغيير وحدوده وتكلفته وتفاوت شروطه.

وفي مجال العمل، تتكثف المسألة في مستوى آخر، لأن الأمر لا يتعلق هنا بالتمثيل فقط، بل ببنية الاعتراف، وشبكات الثقة، وتوزيع التأثير، وصناعة الشرعية المهنية. فحتى عندما يصبح حضور النساء في بعض مجالات العمل أكثر اتساعًا، ويصبح بالإمكان تسجيل تحولات فعلية في الولوج والمشاركة والظهور، فإن هذا التوسع لا ينبغي أن يُقرأ، على نحو تلقائي، بوصفه تعديلًا في منطق الحقل نفسه. فمجال العمل قادر، هو أيضًا، على أن يُدمج دون أن يُعيد تأسيس قواعده، وأن يفتح الباب دون أن يغير بالكامل المعايير التي تحدد من يبدو “طبيعيا” و”مقبولا” في موقع السلطة ومن يبدو وكأنه مطالب دائمًا بإثبات استحقاقه من جديد.

إن الامتصاص هنا يشتغل عبر ما هو غير معلن أكثر مما يشتغل عبر النصوص. يشتغل في تعريف الكفاءة، وفي صورة القيادة، وفي المعايير الضمنية للأهلية والاستحقاق، وفي شبكات التزكية غير الرسمية، وفي منطق الثقة الذي يُمنح للبعض كما لو كان طبيعيًا ويُطلب من البعض الآخر أن ينتزعه انتزاعًا. وقد يُسمح للمرأة بالحضور، ولكن لا يُسمح لها، بالقدر نفسه، بإعادة تعريف شروط الحضور ذاته. وقد تُمنح فرصة الاندماج، لكن داخل حقل ما تزال معاييره المؤسسة مبنية على تاريخ سابق عليها، وعلى تصورات ضمنية لا تراجع نفسها بالسرعة نفسها التي تطالب بها الملتحقين (ات)الجدد(ات) إلى التكيف معها.

هكذا يتحول الإدماج نفسه إلى أداة من أدوات امتصاص التحول. فالجديد يدخل، نعم، لكنه يدخل بوصفه عنصرًا مطالبًا بالتماهي مع قواعد قديمة، لا بوصفه قوة تُجبر الحقل على إعادة مساءلة معاييره. ومن ثم، فإن المجتمع يبدو وكأنه يتقدم في مجال العمل، بينما يظل، في العمق، أكثر تحفظًا حين يتعلق الأمر بإعادة توزيع التعريف ذاته لماهية السلطة، ولمن يُنظر إليه كصاحب أهلية طبيعية لممارستها.

غير أن أخطر مستويات الامتصاص قد لا يكون دائمًا هو الأكثر رسمية، بل ذاك الذي يشتغل في اللغة اليومية وفي القواعد غير المعلنة للقبول والإقصاء. هنا يتخفف المجتمع من وضوح القانون، ومن ثقل المؤسسة، ويشتغل عبر الحس المشترك، وعبر النبرة، والمزاح، والتلميح، والتعليق العابر، ونوع الاستقبال الذي يحف ببعض الحضور ويثقل بعضه الآخر. في هذا المستوى بالتحديد، لا يحتاج المجتمع إلى أن يعلن صراحة ما يريد الحفاظ عليه؛ يكفيه أن يوزع الإحراج، وأن يعيد تعريف “المبالغة” و”الاعتدال” و”اللياقة” و”الطبيعي” و”المقبول” و”المستفز”، حتى يفرض على التحول أن يمر عبر “غربال” الذوق الاجتماعي.

إن اللغة اليومية ليست مجرد سطح لغوي، بل هي االخزان الحي للحدود الاجتماعية حين تصير بديهية. من خلالها يُعاد، كل يوم، تطبيع بعض الأدوار، وتخفيف مشروعية بعض المطالب، وإحاطة بعض أشكال الاستقلال “بشبهة” خفية، وتقديم بعض أنماط الحضور النسائي بوصفها مقبولة لأنها لا تربك كثيرًا التوقعات السائدة، وبعضها الآخر بوصفه زائدًا عن الحد أو مثيرًا للريبة أو محتاجًا إلى التبرير. وهكذا لا يُقمع التحول فقط عبر النصوص والسياسات، بل أيضًا عبر الانتقاء الرمزي الدقيق الذي يحدد ما الذي يمر بسلاسة وما الذي يمر بكلفة، ما الذي يُحتفى به وما الذي يُحتمل على مضض، ما الذي يدخل إلى الحس العام وما الذي يظل، رغم مشروعيته، غريبًا عليه.

وفي هذا المستوى نفسه تشتغل القواعد غير المعلنة للقبول والإقصاء بوصفها أحد أكثر آليات الامتصاص تعقيدًا ونجاعة. فهي لا تحتاج إلى تصريح ولا إلى تقنين، لأنها تسكن في عمق الأحكام المشتركة عن “المرأة المناسبة”، و”النجاح المقبول”، و”الاستقلال الذي لا يربك”، و”الحضور الذي لا يتجاوز نفسه”. ومن خلالها لا يُمنع التغيير، بل يُضبط شكله. يمكن للمرأة أن تتقدم، لكن ضمن الصورة التي لا تصدم كثيرًا. ويمكن أن تنجح، لكن من الأفضل أن يكون نجاحها مؤطرًا بخطاب يخفف أثره الرمزي المزعج. ويمكن أن تستقل، لكن ليس إلى الحد الذي يجعل استقلالها سؤالًا عن بنية العلاقة ذاتها. ومن هنا فإن القبول الاجتماعي لا يعمل كفضاء مفتوح، بل كنسق تصفية مستمر، يرحب ببعض وجوه التحول بقدر ما يضمن أنها لن تتحول إلى مراجعة شاملة للقواعد القديمة.

وإذا بدت هذه الفضاءات متمايزة في ظاهرها، فإن قوتها الحقيقية كامنة في أنها لا تشتغل منفصلة، بل في صورة شبكة متساندة. فالأسرة تهيئ الحس الأول، والمدرسة تمنحه لغة تربوية، والإعلام يضفي عليه صورة رمزية جماعية، ومجال العمل يحوله إلى معايير انتقاء واعتراف، واللغة اليومية تُرسخه في الحس المشترك، والقواعد غير المعلنة توزع كلفة الخروج عنه. ومن هنا فإن امتصاص التحول لا يقع في نقطة واحدة، بل في تعدد المستويات؛ لا يتم عبر مؤسسة معزولة، بل عبر نسق كامل من الفضاءات التي تتقاسم مهمة واحدة وإن لم تنطق بها بصيغة واحدة: استيعاب ما يكفي من التغيير لضمان المرونة، ومنع ما يكفي منه للحفاظ على المنطق العميق للبنية.

ولذلك فإن الخطأ النظري الأكبر هو أن نتصور التحول كتلة صافية تدخل المجتمع كما هي. فكل تحول، بمجرد دخوله، يمر عبر هذه القنوات، ويتعرض داخلها لإعادة التأويل والتخفيف والتوجيه وإعادة التوزيع. وهنا يصبح السؤال الحاسم ليس: هل حدث التغيير أم لم يحدث؟ بل: ما الذي حدث لهذا التغيير وهو يمر عبر الفضاءات الاجتماعية؟ ما الذي احتُفظ به منه؟ وما الذي فُرِّغ من بعض مفعوله؟ وما الذي أعيدت صياغته حتى صار منسجمًا مع منطق أسبق عليه؟ هذه هي الأسئلة التي ترفع التحليل من مستوى الانطباع إلى مستوى الفهم.

ومن ثم، فإن مفهوم امتصاص التحول لا يعود مجرد تعبير تفسيري ملائم، بل يصبح أداة نظرية دقيقة لفهم كيف يستطيع المجتمع أن يبدو متقدمًا من الخارج، بينما يظل، في العمق، أكثر اقتصادًا في السماح للتغيير بأن يبلغ أقصاه البنيوي. إنه المفهوم الذي يفسر كيف يمكن للبنية أن تتغير بما يكفي لتظل قابلة للاستمرار، وأن تستقبل من الجديد ما يحسن صورتها ومرونتها، دون أن تتخلى، بالقدر نفسه، عن قواعدها المنظمة لموازين القوة والمعنى والشرعية. وهنا بالذات تستعيد المرأة، مرة أخرى، موقعها الكاشف: ليس لأنها وحدها موضوع هذا التحول، بل لأن ما يقع في موقعها يكشف بأكبر قدر من الوضوح مقدار استعداد المجتمع لأن يذهب بتغييراته إلى مداها الحقيقي، أو أن يوقفها عند الحد الذي لا يهدد كثيرًا منطقه العميق.

وهكذا، فإن هذا المقال لا يراد له أن يعدد فضاءات الامتصاص بقدر ما يراد له أن يثبت دلالتها: فالأسرة، والمدرسة، والإعلام، والعمل، واللغة اليومية، والقواعد غير المعلنة، ليست مجرد أمكنة يمر فيها التغيير، بل هي الأمكنة التي يُعاد فيها تقرير معناه وحدوده وكلفته. ومن دون فهم هذا الاشتغال المتعدد المستويات سيبقى كل خطاب عن التحول عرضة للوقوع في سحر السطح، حيث تبدو اللغة أكثر تقدمًا من البنية، وتبدو الصورة أسبق من الواقع، ويبدو الإدماج أعمق مما هو عليه فعلاً.

وعند هذه العتبة نبلغ المنعطف التالي في السلسلة. فإذا كانت البنية لا تمتص التحول على نحو محايد، بل تعيد توزيعه عبر قنوات متعددة وبدرجات متفاوتة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك هو: هل تصل آثار هذا التحول إلى النساء جميعًا بالطريقة نفسها؟ أم أن المجتمع، وهو يمتص التحول، يعيد أيضًا توزيع فرصه وإمكاناته على نحو غير متكافئ داخل التجربة النسائية نفسها؟ هنا سنجد أنفسنا مضطرين إلى الانتقال إلى سؤال آخر لا يقل حسمًا: سؤال تفكيك وهم “المرأة الواحدة”، أي الانتقال من تحليل قنوات الامتصاص إلى تحليل الكيفية غير المتساوية التي يُعاد بها توزيع أثر التحول داخل الفئة التي يبدو، اختزالًا، أن الخطاب يتناولها كما لو كانت كتلة واحدة متجانسة.

مقال خاص لصحيفة قريش- لندن

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com