مفهوما الانتصار والهزيمة في ظل احتمالات تجدد المواجهة الأمريكية – الإسرائيلية مع إيران
بقلم: د. مصطفى الغاشي

كاتب مغربي في التاريخ والفكر السياسي والعلاقات الدولية
لم يعد من الممكن فهم مفهومي “الانتصار” و”الهزيمة” بالمعايير العسكرية التقليدية. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط في ميادين القتال، بل في أسواق الطاقة، وفي سلاسل الإمداد، وفي نقاط الاختناق الاستراتيجية التي تتحكم في شرايين الاقتصاد الدولي. وفي مقدمة هذه النقاط يبرز مضيق هرمز باعتباره أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في النظام العالمي المعاصر.
أولًا: تآكل المفاهيم الكلاسيكية للانتصار والهزيمة،
تقليديًا، كان الانتصار في الحروب يُقاس بمعايير واضحة: السيطرة على الأرض، تدمير قدرات العدو العسكرية، أو فرض شروط الاستسلام السياسي. غير أن التحولات التي عرفتها الحروب منذ نهاية القرن العشرين، خصوصًا مع صعود الحروب غير المتكافئة والحروب الهجينة، جعلت هذه المعايير غير كافية لفهم النتائج.
في السياق الراهن لأي مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة و«إسرائيل» من جهة، وإيران من جهة أخرى، يصبح مفهوم الانتصار أقرب إلى “القدرة على الصمود دون انهيار” منه إلى الحسم العسكري الكامل. فالدولة قد تُعتبر منتصرة إذا نجحت في:
– منع خصمها من تحقيق أهدافه الاستراتيجية ؛
– الحفاظ على تماسكها الداخلي رغم الضربات؛
– تقليل خسائرها السياسية والاقتصادية؛
– وإعادة إنتاج قدرتها الردعية بعد انتهاء الصراع.
وبالمقابل، فإن الهزيمة لم تعد تعني السقوط العسكري للدولة، بل قد تتجلى في فقدان النفوذ الإقليمي، أو انهيار الردع الاستراتيجي، أو التدهور العميق في الاقتصاد والبنية الاجتماعية.
ثانيًا: معادلة القوة في مثلث الصراع المحتمل،
في أي سيناريو تصعيدي بين واشنطن وتل أبيب وطهران، لا يمكن الحديث عن ميزان قوة خطي أو ثابت. فكل طرف يمتلك أدوات مختلفة:
الولايات المتحدة تعتمد على تفوقها الجوي والبحري والتكنولوجي، وعلى شبكة واسعة من القواعد العسكرية في الخليج والمحيط الهندي.
أما «إسرائيل» فتمتلك تفوقًا استخباراتيًا وقدرة عالية على الضربات الدقيقة بعيدة المدى، لكنها تظل محدودة العمق الجغرافي.
في المقابل، تعتمد إيران على مزيج من الصواريخ الباليستية، والحرب غير المتكافئة عبر الوكلاء الإقليميين، إضافة إلى قدرتها على التأثير في أمن الملاحة في الخليج.
هذا التشابك يجعل أي مواجهة محتملة أقرب إلى “حرب استنزاف إقليمي” طويلة الأمد، بدلًا من حرب خاطفة تحقق حسمًا واضحًا لأي طرف.
ثالثًا: مضيق هرمز كنقطة اختناق عالمية،
تتضاعف خطورة أي تصعيد عسكري في المنطقة بسبب الموقع الاستراتيجي الحاسم لـ مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط والغاز العالمية، خصوصًا القادمة من دول الخليج.
فهذا المضيق لا يمثل مجرد ممر بحري، بل هو “عنق زجاجة” للاقتصاد العالمي. أي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على:
– أسعار النفط العالمية ؛
– استقرار أسواق الطاقة؛
– كلفة الشحن والتأمين البحري؛
– وتوازنات الاقتصاد الدولي .
ورغم أن إغلاقه الكامل يظل خيارًا شديد الخطورة على إيران نفسها، فإن مجرد تهديد الملاحة فيه يكفي لإحداث اضطراب عالمي واسع، وهو ما يمنحه قيمة ردعية هائلة في أي معادلة صراع محتملة.
رابعًا: هل يمكن فعلاً تجاوز هرمز؟
تسعى العديد من الدول إلى تقليل الاعتماد على هذا الممر الاستراتيجي عبر بدائل متعددة، لكنها تظل حلولًا جزئية:
من أبرز هذه البدائل خطوط الأنابيب البرية، مثل الأنابيب التي تنقل النفط من شرق السعودية إلى البحر الأحمر، أو تلك التي تربط حقول النفط الإماراتية بميناء الفجيرة على خليج عمان. هذه الحلول تقلل جزئيًا من الاعتماد على المضيق، لكنها لا تلغيه.
كما أن بعض الدول تعتمد على ممرات بحرية بديلة تمر عبر بحر العرب ثم باب المندب، إلا أن هذا المسار يمر بدوره عبر مضيق باب المندب، وهو الآخر يمثل نقطة توتر جيوسياسية وعسكرية معقدة.
أما الحلول الاستراتيجية الأعمق فتتمثل في تنويع مصادر الطاقة عالميًا والتحول التدريجي نحو الطاقات المتجددة، وهو مسار طويل الأمد لا يمكن أن يغير المعادلات الحالية في المدى القريب.
خامسًا: منطق الردع بدل الحسم،
على ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن أي مواجهة محتملة في المنطقة لن تُبنى على منطق “الحسم العسكري”، بل على منطق “الردع المتبادل وإدارة المخاطر”. فكل طرف يدرك أن الانتصار الكامل مستحيل تقريبًا، وأن الخسائر ستكون بنيوية وعابرة للحدود.
فالولايات المتحدة لا ترغب في حرب إقليمية مفتوحة تهدد أسواق الطاقة العالمية. وإسرائيل تدرك محدودية قدرتها على إدارة حرب طويلة متعددة الجبهات. بينما إيران تعتمد على قدرتها في تحويل الجغرافيا إلى أداة ضغط استراتيجية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تهدد بقاءها الاقتصادي.
– في الختام، عالم بلا منتصر واضح،
في النهاية، تكشف أي قراءة موضوعية لمعادلات القوة في الخليج أن مفهوم “الانتصار” التقليدي يتآكل تدريجيًا أمام تعقيد النظام الدولي. فالحروب الحديثة لم تعد تنتج منتصرًا واضحًا، بل توازنًا جديدًا من الخسائر وإعادة توزيع النفوذ.
وفي قلب هذا المشهد، يظل مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر بحري؛ إنه عقدة النظام الطاقي العالمي، ومؤشر حساس على استقرار أو اضطراب الاقتصاد الدولي بأكمله.
وهكذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من سينتصر في الحرب؟
بل: كم يمكن للعالم أن يتحمل من اللاانتصار؟
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن




















































عذراً التعليقات مغلقة