مضيق هرمز .. إرادة القوة ومنطق الجغرافيا
العالم على حافة الاختناق
بقلم: د. مصطفى الغاشي

كاتب وباحث مغربي في التأريخ والفكر السياسي والعلاقات الدولية
في لحظة دولية تتسم باضطراب غير مسبوق في موازين القوة، يعود مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث بوصفه أحد أخطر مفاتيح النظام العالمي المعاصر. فالممر الذي يختزل في جغرافيته الضيقة رهانات الطاقة العالمية، يتحول اليوم إلى مسرح مكثف لصراع الإرادات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، في معادلة تتجاوز حدود الإقليم لتلامس بنية الاقتصاد الدولي برمته.
– الجغرافيا حين تتحول إلى سلطة
ليست الجغرافيا في مضيق هرمز مجرد معطى طبيعي، بل هي سلطة استراتيجية قائمة بذاتها. فمن خلال إشرافها على الضفة الشمالية، تمتلك إيران قدرة كامنة على التحكم في أحد أهم شرايين الطاقة العالمية. هذا التحكم لا يعني بالضرورة الإغلاق الفعلي، بقدر ما يمثل أداة ردع سياسية واقتصادية، تُستثمر في لحظات التوتر القصوى.
في المقابل، تدرك الولايات المتحدة الأمريكية أن أي تهديد لحرية الملاحة في المضيق يمس بشكل مباشر أسس النظام الليبرالي العالمي الذي قامت على حمايته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لذلك، تحافظ واشنطن على حضور عسكري كثيف في الخليج، ليس فقط لحماية الحلفاء، بل لضمان استمرار تدفق الطاقة كشرط من شروط الاستقرار الدولي.
– منطق القوة غير المتكافئة
لا يقوم الصراع في مضيق هرمز على توازن تقليدي بين قوتين متماثلتين، بل على مفارقة لافتة: قوة عظمى تمتلك تفوقاً عسكرياً ساحقاً، في مواجهة دولة إقليمية طورت أدوات “الحرب غير المتكافئة”.
يعتمد الحرس الثوري الإيراني على تكتيكات دقيقة تشمل الزوارق السريعة، والألغام البحرية، والصواريخ المضادة للسفن، وهي أدوات لا تهدف إلى الحسم العسكري بقدر ما تسعى إلى رفع كلفة المواجهة إلى حد يجعلها غير مجدية للطرف الأقوى.
بهذا المعنى، لا تحتاج إيران إلى إغلاق المضيق بشكل كامل، بل يكفيها أن تجعل المرور فيه محفوفاً بالمخاطر، وهو ما يحقق تأثيراً فورياً في الأسواق العالمية.
– اقتصاد عالمي هش أمام صدمة واحدة
إن هشاشة الاقتصاد العالمي تتجلى بوضوح في علاقته بمضيق هرمز. فأي اضطراب، حتى وإن كان محدوداً زمنياً، يمكن أن يؤدي إلى:
قفزات حادة في أسعار النفط
اضطراب في سلاسل الإمداد
موجات تضخم تضرب الاقتصادات الصناعية
وتبدو دول مثل الصين والهند واليابان الأكثر عرضة لهذه الصدمات، بحكم اعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الخليج. وهو ما يجعل استقرار المضيق مسألة تتجاوز الصراع الأمريكي الإيراني، لتصبح قضية ذات طابع كوني.
– المضيق كأداة في لعبة التفاوض
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر لنقل النفط، بل تحول إلى ورقة ضغط ضمن لعبة تفاوضية معقدة ترتبط بملفات متعددة، في مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، وإعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط.
في هذا السياق، تستخدم طهران التلويح بورقة المضيق كجزء من استراتيجية أشمل تهدف إلى تحسين شروط التفاوض، بينما تسعى واشنطن إلى تحييد هذه الورقة عبر الردع العسكري والتحالفات الإقليمية.
– بين الردع والانفجار: معادلة دقيقة
يقوم الاستقرار النسبي في مضيق هرمز على توازن دقيق بين الردع والتصعيد. غير أن هذا التوازن يظل هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة، خاصة في ظل تعدد الفاعلين وتداخل المصالح.
فالخطأ الحسابي، أو حادث عرضي، قد يكون كافياً لإشعال مواجهة تتجاوز حدود السيطرة، وهو ما يجعل المضيق واحداً من أخطر بؤر التوتر في العالم.
– خاتمة: العالم رهينة الممرات الضيقة
في نهاية المطاف، يكشف مضيق هرمز عن مفارقة عميقة في النظام الدولي: عالم مترابط اقتصادياً إلى حد غير مسبوق، لكنه يظل رهينة نقاط جغرافية ضيقة يمكن أن تعيد تشكيله في لحظة واحدة.
وبين إرادة الولايات المتحدة الأمريكية في فرض حرية الملاحة، وسعي إيران إلى توظيف موقعها الجيوسياسي كورقة سيادية، يقف العالم أمام معادلة مفتوحة على كل الاحتمالات.
إنه صراع لا يدور فقط حول مضيق، بل حول من يملك حق التحكم في شرايين العالم… ومن يدفع ثمن ذلك.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن




















































عذراً التعليقات مغلقة