خيانة النسيان ونازك العابد بطلة ميسلون المنسية

25 أبريل 2026
 خيانة النسيان ونازك العابد بطلة ميسلون المنسية

 د. خالد زغريت 

كاتب من سوريا

      أذكرُ ذلك اليوم ولا أنساه أبداً. على الرغم من أنّي ما كنتُ بعمري أحوج إلى نعمة النسيان يومها، فالذكرى تنفع وتجرح. 

    وما كنت إلا مؤمناً أشد الإيمان أن طبيعة التجدد تفرض الحاجة إلى نعمة النسيان لأن الحياة الطبيعية لا يقف فيها التاريخ عند شخص أو حدث مهما كانا عظيمين. ودائماً كنت على إيمان ٍ بأنّ اتخاذ الماضي أُمّاً نتعلّقُ حضنَها، فلا نقوى على أن نكبر…. 

       هو سلوك مرضي نابع عن عجز، على أن الإحساس بالعجز ماثل جراء ذهولنا مما في يومياتنا من فساد في تفاصيل قد تبدو صغيرة، لكنها تحمل ما وراءها نكبة ونكسة وهزيمة لم نسمها تكرّماً أو ذهولاً، لكني أدرك أن لكل يوم شمسه مهما طال ليله، سواء “شدت نجومه بكلّ مغار الفتل” أم تطاول تطاوله في “دمون” ومن يومها والزمن يردد صدى آهاته:

تَطَاوَلَ اللَّيْلُ عَلَيْنَا دَمُّونْ 

دَمُّونُ إِنَّا مَعْشَرٌ يَمَانُونْ

وإِنَّنَا لِأَهْلِنَا مُحِبُّـــــونْ

       ولم يكن ببالي أن أستحضر ذكرى امرئ القيس وأنا أكتب هذه المقالة لكن تداعيه مع ذكر الليل ضاعف ألمي بذكرى ذلك اليوم الذي بدأت حديثي عنه. 

فجرحتني الذكرى مرة أخرى..

 ليس بزمن بعيد بثت القنوات الفضائية خبر اكتشاف قبر امرئ القيس في تركيا، ونبأ عزم الحكومة هناك على إنشاء حديقة باسمه، فأحسست كم ننسى وكم نبخل، وكم كنا ونكون عاقين. 

         وأعود إلى ذلك اليوم الذي أحسست فيه أنه من واجبي أن أكتب دراسة نقدية عن رائدة الحداثة ” نازك الملائكة”، تطوعاً مني قد لا تحتاج إليه تجربتها التي أضاءت عالم الحداثة..     لكن شعوري بجحودنا لأعلامنا سوّل لي ما أردت، ولكن مفاجأتي كانت مذهلة كنت أقرأ نازك الملائكة شعرياً ونقدياً وسيرة.

             لكن كيف فاتتني تلك العبارة المذهلة” وسماها والدها “بنازك ” تيمّناً بالثائرة السورية “نازك العابد”؟ فأدهشني أني لا أعرف ابنة وطني التي بلغت من الشهرة أن سميت رائدة الحداثة باسمها.. وزادت دهشتي عندما تعرفت على سيرة “نازك العابد” أنّ لا أحد منا في سورية إلا ويعرف بطل ميسلون “يوسف العظمة”.  لكن لماذا لم نعرف أن الشهيد المجيد لفظ أنفاسه الطاهرة بين يدي المرأة الثائرة نازك العابد وهي تحاول علاجه؟ 

      وكانت تجول في احتدام المعركة على الجنود بلباسها العسكري، تتفقدهم، وتحثهم على الدفاع عن تراب وطنها… ولم يكن عمل نازك العابد من الأسرار لكي نقبل نسيانها فقد” منحت رتبة نقيب زمن الملك فيصل نتيجة لمواقفها البطولية”. 

وبعد انقضاء المعركة لم يغفر لها الفرنسيون فنفوها …

     لكنها لم تستسلم، عملت على تشكيل الجمعيات المناوئة للمستعمر، وتأسيس المجلات، وتكوين المنتديات الأدبية التي تدافع عن قضايا المرأة والفلاحين والعمال، وأطلق عليها “جان دارك الشرق”. وفي سيرتها من الكبرياء والنضال بالكلمة والرصاصة ما يندر أن نعرفه. 

        لكن السؤال الذي يبقى مفتوحاُ أين هذه المرأة في أدبياتنا ؟ في ذاكرتنا؟ وما الذي فعلناه لنخلد بطولتها، وكفاحها؟ لم نسمع عن مهرجان فكري أو أدبي، أو جائزة باسمها، ولم نعرف أن هناك مَن فكّر بتأسيس متحف لها ولأبطال آخرين مازالت تضحياتهم ملء وجدان الأحرار، ولماذا لا يبادر المعنيون بحمص إلى تأسيس متحف أو بيت لذاكرة حمص، يحفظ تاريخ رجالها خيرو الشهلا ونظير نشيواتي …. ومقتنياتهم..

          ويحفظ صحافتها التي كانت رائدة، ولم نعد نعرف أسماءها، وكادت أن تضيع أعدادها مثل حمص، النداء، المدرسة، ضاعت الطاسة، ورواد الفنون التشكيلية فيها أمثال صبحي شعيب،ورشيد شما، وأحمد دراق السباعي وجوزيف طرابلسي وعبد الظاهر مراد، ورواد الموسيقا مثل محمد عبد الكريم الذي نطلق عليه أمير البزق…

         ويحفظ جهود أبنائها اللغوية، ونحن في أوج عملنا في تمكين اللغة العربية، ولاسيما محيي الدين درويش، ومحمد طه الدرة، ورفيق فاخوي، ود.عبد الإله النبهان ود. محمد طاهر الحمصي… وتاريخ حمص لكتّابه أمثال الخوري عيسى أسعد، وإيلي منيف شهلا.. وثمة قائمة تطول تنام ولا ندري في ذمة مَن تنام، ولا يخفى على أحد أهمية توثيق ذاكرة حمص وتراثها العلمي والأدبي و التاريخي والثقافي والنضالي، والاجتماعي، و المهني في معرض دائم؛ و لعل الذكرى تنفع، ففي وجداننا تاريخ من راحوا 

 وفي ذمتنا حفظ تاريخ مَن شكّل بكبريائه وجداننا.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com