البـيـئـة والتـلـوث… إلـى أيــن؟
د. شُهب طاقة
بغداد
في إحدى الأمسيات، كنت ضيفاً عند صديق “عزيز وقريب من القلب” في منزله المطل على أحد شواطئ دجلة، وكان الجو في بدايته يوحي بأننا أمام واحدة من تلك اللحظات البغدادية التي تستعيد فيها المدينة شيئاً من جمالها القديم؛ حيث نرى نهر هادئ يشق طريقه بين ضفتي العاصمة، ونسمة مسائية لطيفة، وأحاديث الأصدقاء التي لا تنتهي، فيما كان ضوء القمر ينعكس على صفحة الماء.
جلسنا نتبادل الحديث ونستمتع بالمشهد، وإذا برائحة كريهة جداً تقتحم علينا الجلسة من دون استئذان، رائحة لم تترك لنا مجالاً للشك في مصدرها، فقلت لصديقي وأنا أحاول الابتعاد قليلاً عن اتجاه الهواء: «ما هذه الرائحة؟» فنظر إليّ وضحك وقال بكل بساطة: «دجلة!». ظننت في البداية أنه يمزح، لكنه أكمل ضاحكاً: «لا تستغرب، نحن اعتدنا عليها، وبعد فترة لن تشعر بها». وربما كانت هذه الجملة أخطر من الرائحة نفسها، لأن البيئة لا تصبح في خطر فقط عندما تزداد كمية الملوثات، وإنما تصبح في خطر أكبر عندما يفقد الإنسان إحساسه بأن ما يحدث حوله غير طبيعي.
عندها أدركت أن المشكلة لم تعد في الرائحة وحدها، وإنما في أننا بدأنا نتعامل مع التلوث باعتباره جزءاً من الحياة ومشاكلها اليومية، مثل ازدحام الشوارع وانقطاع الكهرباء المستمر وارتفاع الأسعار، حتى أصبح المواطن العراقي لا يسأل أحياناً: لماذا تلوث النهر؟ وإنما يسأل: متى سأعتاد على الرائحة؟.
وبينما كنت أنظر إلى دجلة وأتساءل كيف وصل الحال بنهر ارتبط اسمه بتاريخ العراق وحضارته إلى أن يصبح بعض الناس أكثر اعتياداً على روائح المخلفات والمياه الملوثة من اعتيادهم على رائحة الماء النظيف، ولأن الحديث عن البيئة لا يبدأ من دخان المصانع ولا ينتهي عند ضفاف دجلة والفرات، فقد سبق أن كتبتُ مقالاً بعنوان «حافظ على نظافة مدينتك»، لكن يبدو أن مدينتنا هذه المرة قررت أن توسّع دائرة النظافة، فبدلاً من أن نحافظ على نظافة الشارع فقط، أصبح علينا أن نحافظ على نظافة الهواء والماء والنهر أيضاً… وكأن البيئة العراقية قررت أن تضعنا أمام امتحانٍ شامل لا يكفي فيه أن نرمي النفايات في مكانها الصحيح!.
فبغداد نفسها أصبحت خلال السنوات الأخيرة تظهر في مؤشرات جودة الهواء العالمية ضمن المدن التي تسجل مستويات مرتفعة من التلوث، مع ملاحظة مهمة وهي أن ترتيب المدن في مؤشر جودة الهواء ليس ثابتاً، بل يتغير من ساعة إلى أخرى ومن يوم إلى آخر تبعاً لمستويات الملوثات والظروف الجوية. وقد ظهرت بغداد في 15 سبتمبر 2026 في المرتبة الثالثة بين أكثر المدن الرئيسية تلوثاً في العالم في ذلك الوقت، وهو ما يعكس حجم المشكلة، لا بوصفه لقباً دائماً للعاصمة، وإنما بوصفه مؤشراً يستحق التوقف عنده. والسؤال هنا ليس: كيف أصبحت بغداد في المرتبة الثالثة أو الثانية أو الأولى؟ بل السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا وصلنا أصلاً إلى مرحلة أصبح فيها ترتيب مدينتنا الحبيبة الأكثر تلوثاً خبراً نتداوله وكأنه خبرٌ سار ومفرح؟.
فالمشكلة البيئية في العراق ليست وليدة يوم واحد، وليست مرتبطة بمصدر واحد يمكن إغلاقه وتنتهي الحكاية، وإنما هي نتيجة تراكم طويل لمجموعة من العوامل التي اجتمعت لتضع الهواء والماء والأرض أمام ضغط متزايد. فهناك الانبعاثات الناتجة عن الصناعات ومحطات توليد الطاقة والمصافي، ومنها مصفى الدورة، فضلاً عن معامل الطابوق وغيرها من الأنشطة التي تطلق ملوثات إلى الهواء، بالاضافة إلى البناء العشوائي وانقراض الحدائق العامة والمنزلية، واندثار زراعة الورود والأشجار، وهناك أيضاً المركبات التي تزدحم بها شوارع العاصمة، ثم تأتي المولدات “الجاثمة على صدورنا” لتكمل المشهد، والتي تعمل بالكاز وسط الأحياء السكنية وتنفث دخانها في الهواء الذي يفترض أن يتنفسه المواطن لا أن يتفاوض معه على كمية الدخان التي يستطيع تحملها. وقد أشار البنك الدولي إلى أن المولدات تمثل أكثر مصادر تلوث الهواء في العراق، إلى جانب مصادر أخرى مرتبطة بالطاقة والصناعة وحرق النفايات والعوامل البيئية.
وهنا يجد المواطن نفسه أمام مفارقة عراقية أخرى بامتياز؛ فهو يريد الكهرباء حتى لا يختنق من الحر، فتأتيه الكهرباء ومعها الدخان، فيغلق النوافذ هرباً من دخان المولدة، ثم يكتشف أن الهواء داخل المنزل أصبح بحاجة إلى مولدة أخرى لتنقيته!. وهكذا يتحول الحل المؤقت إلى جزء من المشكلة، ويصبح المواطن محاصراً بين انقطاع الكهرباء وتلوث الهواء، بينما تستمر المولدات في العمل وكأنها تؤدي واجباً وطنياً لا يجوز لأحد أن يسألها عن فاتورة البيئة التي يدفعها المواطن من صحته وراحة أسرته.
ثم تأتي النفايات لتضيف فصلاً آخر إلى هذه الرواية البيئية الطويلة، من أكياس بلاستيكية، ومخلفات منزلية، ونفايات متراكمة، وحرق عشوائي في بعض المناطق، وكأننا قررنا أن نعالج مشكلة النفايات بتحويلها إلى مشكلة هواء أيضاً!! فبدلاً من أن تختفي النفايات بطريقة صحية وآمنة، والاستفادة منها في توليد الطاقة النظيفة، تتحول في بعض الحالات إلى دخان يتصاعد في السماء، ثم يعود إلينا بروائح كربونية نتنفسها كل صباح. وهنا يبدو المشهد وكأن النفايات العراقية لا تريد أن تنتهي قصتها!!؛ فإذا لم نجدها على الأرض وجدناها في الهواء، وإذا لم نجدها في الشارع وجدنا آثارها في النهر، وإذا اختفت من أمام أعيننا عادت إلينا في صورة أخرى. وأن المواطن بدأ يتعايش مع الدخان والنفايات وروائح المياه الملوثة والعواصف الترابية وكأنها جزء لا يمكن تغييره من المشهد اليومي.
إن معالجة التلوث لا تحتاج إلى مؤتمر جديد وصورة جماعية ولا إلى حملة تحمل شعاراً جميلاً ينتهي مفعولها بانتهاء الحفل، ولا رمي المسؤوليات من وزارة إلى أخرى؛ فالعراق يمتلك بالفعل قانون حماية وتحسين البيئة رقم (27) لسنة 2009، كما يمتلك مؤسسات وشرطة بيئية، لكن المشكلة تكمن في تحويل النصوص إلى إجراءات ورقابة ومحاسبة حقيقية. وهنا يمكن الاستفادة من التجربة اليابانية بوصفها نموذجاً في جعل حماية البيئة مسؤولية يومية تبدأ من البيت والمدرسة وصلاً إلى الجامعة ومنها إلى كافة المجتمع، وتقوم على معايير واضحة، وتثقيف ورقابة مستمرة، وفرق تفتيش فاعلة، وقياس معلن لمستويات التلوث، ومحاسبة حقيقية للجهات المخالفة. نحن نحتاج ببساطة إلى أن يعرف من يساهم في التلوث أن هناك من يراه، ومن يخالف أن هناك من يحاسبه.
«النظافة ليست رفاهية، بل هي تربية وأخلاق والتزام اتجاه الوطن »



















































