بقلم د. مصطفى الغاشي
أستاذ التعليم العالي
جامعة عبد المالك السعدي بتطوان
تقديم، حين يصبح الشارع مرآة لفشل السياسة، ان أخطر اللحظات التي تواجه الدول ليست تلك التي يخرج فيها المواطنون إلى الشوارع للاحتجاج، بل تلك التي يصبح فيها الاحتجاج، في نظر قطاعات متزايدة من المجتمع، أكثر جدوى من المؤسسات التي يفترض أن تمثلهم وتدافع عن مصالحهم.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن اختزال موجة الاحتجاجات الشبابية التي تتحدث عنها التقارير الإعلامية في عدد من العواصم والمدن الأوروبية(فرنسا، اسبانيا، بلجيكا، ايطاليا، ألبانيا.. ) في مجرد تحركات طلابية عابرة، أو ردود فعل ظرفية على ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات العمومية…الخ. فالقضية، في عمقها، تتصل بشكل مباشر بأزمة الثقة بين الأجيال الجديدة والنخب الحاكمة، وبالتناقض المتزايد بين الوعود التي تنتجها الأنظمة السياسية والواقع الذي يعيش فيه الشباب.
إنها أزمة تتجاوز حدود فرنسا وبلجيكا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها من البلدان التي تتداول التقارير أخبار الاحتجاجات فيها، لتطرح سؤالاً جوهرياً: ماذا يحدث عندما يفقد الشباب الثقة في قدرة السياسة على تغيير حياتهم، ويشعرون بأن المستقبل الذي وُعدوا به لم يعد متاحاً لهم، حتى داخل المجتمعات التي راكمت ثروات هائلة وحققت مستويات متقدمة من التنمية؟
إن التشبيه بحراك آيار/ ماي 1968، يكتسب، في هذا السياق، دلالة تتجاوز الاستعارة التاريخية. فمثلما كشفت احتجاجات ذلك العام عن تصدعات عميقة في البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية الأوروبية، فيمكن ان تكشف احتجاجات اليوم ايضا عن أزمة جديدة في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الديمقراطية بوصفها نظاماً للمؤسسات، والديمقراطية باعتبارها وعداً بالكرامة والعدالة وتكافؤ الفرص. ان التاريخ لا يعيد نفسه، وإذا كان جيل 1968، قد تمرد على السلطة التقليدية والقيود الاجتماعية والأيديولوجية، فإن قطاعات من جيل Z تبدو اليوم وكأنها تتمرد على مستقبل مسدود، وديمقراطية لا يشعر الجميع بأنهم شركاء متساوون في ثمارها، واقتصاد يطالب الشباب بالتكيف مع اختلالاته أكثر مما يتيح لهم تغيير شروط حياتهم. وهنا تكمن خطورة اللحظة الراهنة: فلم يعد السؤال مقتصراً على ما يريده الشباب من الحكومات، بل صار يتعلق بما بمدى قدرة الحكومات على تجديد مبررات الثقة بها.
أولاً: أوروبا التي تخاف من شبابها… حين تتحول الأزمة الاجتماعية إلى أزمة سياسية، ان ما يحدث في أوروبا اليوم يفرض قراءة تتجاوز الصور المتداولة للمواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن. ففي فرنسا، امتدت التحركات التي بدأت من مشكلات المؤسسات التعليمية ونقص المدرسين وتدهور ظروف الدراسة إلى قضايا غلاء المعيشة والتفاوت الاجتماعي والإنفاق العمومي.
وفي بلجيكا، ارتبطت الاحتجاجات بالاعتراض على تقليص النفقات التعليمية وارتفاع تكاليف الدراسة. أما في إسبانيا، فقد خرجت حشود للمطالبة بالحق في السكن ومواجهة أزمة الإيجارات…
وتقدم هذه الحالات المختلفة صورا عن أزمة اجتماعية تتخذ أشكالاً متعددة، دون أن تعني بالضرورة وجود حركة أوروبية موحدة. والمفارقة أن هذه الاحتجاجات تقع داخل دول ديمقراطية تمتلك مؤسسات منتخبة، وأحزاباً متنافسة، ونقابات، وآليات للاحتجاج والتعبير.
فلماذا يخرج الشباب إلى الشارع رغم وجود هذه القنوات؟ ان الجواب، هو أن وجود المؤسسات لا يكفي وحده لضمان الثقة بها. فالديمقراطية قد تحتفظ بقواعدها الانتخابية والدستورية، بينما يشعر كثير من المواطنين بأن تأثيرهم الفعلي في القرارات التي تمس حياتهم يظل محدوداً.
فعندما يصوت المواطنون، ثم يجدون أنفسهم أمام استمرار نفس الازمات، تتسع المسافة بين الديمقراطية الإجرائية والديمقراطية الاجتماعية. وحين يعجز التنافس الحزبي عن تقديم بدائل مقنعة، يصبح السؤال المشروع، ما قيمة تغيير الحكومات إذا لم يتغير الواقع الذي يعيشه المواطنون؟
وليس معنى ذلك، أن الديمقراطية الأوروبية فقدت شرعيتها، أو أن الاحتجاجات تمثل رفضاً شاملاً لها. بل إن بعض هذه التحركات قد تكون تعبيراً عن الرغبة في استعادة مضمونها الاجتماعي، وإجبار المؤسسات على الاستجابة لمطالب لم تعد تجد طريقها إلى القرار بشكل سريع.. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول خيبة الأمل إلى قناعة بأن المؤسسات لا تتحرك إلا تحت ضغط الشارع، أو عندما يصبح العنف، في نظر بعض المحتجين، الوسيلة الوحيدة لكسر اللامبالاة السياسية.
وفي هذا السياق، تقدم التجربة الألبانية مثالاً على خطورة تجاهل المطالب. فقد بدأت الحركة باحتجاجات على مشروع عقاري في منطقة طبيعية محمية، ثم اتسعت مطالبها لتشمل مكافحة الفساد وتحسين ظروف المعيشة واستقالة رئيس الحكومة. وبعد أشهر من التحركات السلمية، تخولت الخرمة في البلاد الى تصعيدا ومواجهات عنيفة في أكتوبر 2026. ان هذه الحالة مختلفة عن الاحتجاجات الطلابية الفرنسية، لكنها تكشف كيف يمكن لقضية محددة أن تصبح مدخلاً إلى مساءلة النظام السياسي عندما تتراكم مشاعر الإحباط.
إن الدرس هنا، انه ليس كل أزمة اجتماعية ثورة سياسية، لكن كل أزمة اجتماعية تترافق مع انسداد قنوات الحوار وضعف الثقة قد تتحول إلى مشكلة سياسية كبرى.
ثانياً: جيل Z لا يريد أن يرث الأزمات التي صنعها غيره،
ان من الجوانب الخطيرة في الاحتجاجات الشبابية هو ما يتعلق بتغير العلاقة بين الأجيال. فقد نشأ جيل Z في عالم قيل فيه إن التعليم مفتاح النجاح، وإن الاجتهاد يضمن الارتقاء الاجتماعي، وإن الاقتصاد الحديث يتيح فرصاً غير محدودة لمن يمتلك المهارات والكفاءات.
لكن قطاعات من هذا الجيل تصطدم بواقع مختلف كليا: شهادات لا تضمن عملاً مستقراً، وأجور لا تتيح الاستقلال، وإيجارات تستهلك جزءاً كبيراً من الدخل، ومستقبل مهني بدون ضمانات. إن المشكلة لا تكمن فقط في صعوبة الحصول على وظيفة، بل في انهيار العلاقة التي ربطت، لعقود، بين الاجتهاد الفردي والنجاح الاجتماعي. فحين يؤدي الشباب واجباتهم، ويحصلون على الشهادات، ويقبلون بشروط العمل، ثم يكتشفون بعد ذلك أن الاستقرار الذي تحقق للأجيال السابقة أصبح بعيد المنال، فإن الأزمة تتحول من أزمة فرص إلى أزمة إنصاف بين الأجيال.
ويزداد الغضب عندما يشعر الشباب أنهم مطالبين بتحمل تكاليف اختلالات لم يشاركوا في صنعها، سواء تعلق الأمر بالمديونية أو أزمة السكن أو تراجع الخدمات العامة أو القرارات الاقتصادية التي تضيق فرصهم.
ومن هنا، لا ينبغي النظر إلى جيل Z باعتباره جيلاً متمرداً بطبيعته، أو جيلاً يرفض الالتزام والعمل. فقد يكون احتجاجه، على الاقل في جانب منه، اعتراضاً على شروط اللعبة، فلماذا يتحمل الشباب مخاطر اقتصادية واجتماعية متزايدة، بينما تظل القدرة على الوصول إلى الثروة والنفوذ والقرار غير موزعة بالتساوي؟ انه ليس سؤالا أوروبياً فقط. إنه سؤال عالمي، لكنه يكتسب حسب كل مجتمع خصوصيته بحسب مستوى التنمية، وطبيعة المؤسسات، وحدود الحماية الاجتماعية، وفرص المشاركة السياسية.
ثالثاً: هل ماتت الأحزاب قبل أن تموت السياسة؟ ان من الأسئلة المحرجة للنخب الحزبية أن الشباب يستطيعون اليوم إطلاق حملة احتجاجية واسعة عبر شبكات التواصل، بينما تعجز أحزاب عريقة عن إقناعهم بالانخراط في أنشطتها أو المشاركة في برامجها. ولا يعني ذلك أن التنظيمات الحزبية والنقابية فقدت أهميتها، بل إن وظيفتها التمثيلية تواجه اختباراًت حقيقية. فالحزب الذي لا يظهر إلا في الانتخابات، والنقابة التي تفقد قدرتها على التواصل مع الأجيال الجديدة، والمؤسسة التي تتحدث باسم الشباب دون إشراكهم في صناعة القرار، تخاطر كلها بفقدان جزء من شرعيتها الاجتماعية.
وفي المقابل، فان التعبئة الرقمية تستطيع أن تمنح الشباب سرعة في التنظيم وانتشاراً في الخطاب، لكنها لا تضمن وحدها الاستمرارية أو التفاوض أو إنتاج برنامج سياسي متماسك. ومن هنا المفارقة، فقد يكون الشباب اكثر قدرة على التعبئة من الأحزاب، لكنهم لا يمتلكون بالضرورة التنظيمات التي تسمح لهم بتحويل التعبئة إلى مكاسب مستدامة. فمن يستطيع التفاوض باسم المحتجين؟ ومن يحدد الأولويات؟ وكيف يمكن منع القوى السياسية من استثمار الغضب لمصلحتها الانتخابية، ثم التخلي عن مطالبه بعد انحسار الاحتجاج؟
ان هذه الأسئلة تفرض على الأحزاب ضرورة مراجعة علاقتها بالمجتمع، بدل الاكتفاء بتفسير الاحتجاجات باعتبارها مؤامرة أو انحرافاً أو نتيجة للتضليل الرقمي.
فالسياسة لا تفقد أهميتها عندما يخرج الشباب إلى الشارع؛ إنها تفقدها عندما تعجز عن تقديم نفسها بوصفها وسيلة للتغيير.
رابعاً: هل يمكن أن يصبح المغرب الحلقة التالية؟؟ إن احتمال انتقال أنماط التعبئة الشبابية من أوروبا إلى المغرب لا يمكن حسمه بمجرد التشابه بين الشعارات أو تداول صور الاحتجاجات عبر المنصات الرقمية. فالمغرب يمتلك خصوصياته السياسية والاجتماعية، ولا يمكن إسقاط النموذج الفرنسي أو البلجيكي عليه بصورة آلية.
لكن هذه الخصوصيات لا تلغي ضرورة طرح السؤال التالي: ما الذي يمكن أن يجعل الغضب الاجتماعي يتجدد في المغرب، وما الذي يمكن أن يمنع تحوله إلى أزمة واسعة؟
لقد أظهرت احتجاجات جيل Z التي عرفها المغرب في أكتوبر 2025، أن المطالب المرتبطة بالخدمات العمومية والأوضاع الاجتماعية والمساءلة قادرة على احتلال مساحة مهمة في النقاش العمومي. وبتالي لا ينبغي التعامل مع تلك التجربة باعتبارها حدثاً انتهى بمجرد تراجع التعبئة في الشارع. فالسؤال الهام يتعلق بما إذا كانت الأسباب التي غذتها قد عولجت؟ وما إذا كانت المؤسسات قد استوعبت رسائلها؟ وما إذا كان الشباب قد لمسوا تغييراً في السياسات التي تمس حياتهم؟
إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الدولة أو الأحزاب هو الاعتقاد بأن تراجع الاحتجاج يعني زوال أسبابه. فالاحتجاج قد ينحسر بسبب التعب أو تشتت المطالب أو ضعف التنظيم أو تغير الظروف، لكنه لا يعني بالضرورة استعادة الثقة. فقد يظل الغضب كامناً في شكل عزوف سياسي، أو انسحاب من العمل المؤسساتي، أو هجرة، أو فقدان الاهتمام بالشأن العام. وهذه كلها ظواهر مختلفة، ولا ينبغي اعتبارها بدائل حتمية للاحتجاج؛ لكنها تستحق الدراسة بوصفها مؤشرات محتملة على العلاقة بين المواطنين والمؤسسات.
1. الغلاء وحده لا يصنع الانفجار، فقد تتحمل المجتمعات أعباء اقتصادية كبيرة عندما تشعر بأن توزيعها عادل، وأن التضحيات مؤقتة، وأن السياسات العامة تفتح أفقاً للتحسن. لكن نفس الأعباء تصبح أكثر استفزازاً عندما يقترن ارتفاع تكاليف المعيشة بالشعور بغياب الإنصاف، أو عندما تتراجع جودة الخدمات الأساسية دون أن يجد المواطن تفسيراً مقنعاً للأسباب. لذلك، لا يكفي تحليل الوضع المغربي عبر معدلات النمو والاستثمار والمشاريع الكبرى وحدها. بل يجب النظر أيضاً إلى أثر السياسات الاقتصادية في حياة الأسر، وقدرة الشباب على الولوج إلى العمل والسكن، ومدى تكافؤ الفرص بين المجالات والفئات الاجتماعية. إن التنمية التي لا يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية تواجه مشكلة في التواصل والإنصاف، حتى عندما تحقق بعض مؤشراتها الكلية نتائج إيجابية.
2. الفساد ليس مجرد ملف قضائي، فعندما يتحدث الشباب عن الفساد، فإنهم لا يقصدون دائماً الرشوة بالمعنى القانوني الضيق. فقد يتعلق الأمر أيضاً بالانطباع بأن النفوذ قد يتقدم على الكفاءة، وأن العلاقات الشخصية قد تمنح فرصاً لا تتاح لغير أصحابها، أو أن المساءلة لا تطبق بالصرامة نفسها على الجميع. ولا يجوز تحويل هذه الانطباعات إلى اتهامات مثبتة دون أدلة. الا ان تجاهلها يشكل خطأ سياسيا خطيرا؛ لأن التصورات الاجتماعية عن العدالة والإنصاف تؤثر في مستوى الثقة بالمؤسسات. فالمطلوب اساسا هو الانتقال من الخطاب العام حول محاربة الفساد إلى الشفافية في تدبير المال العام، ونشر نتائج الرقابة، وتوضيح قواعد إسناد الصفقات، وتعزيز استقلال آليات المحاسبة، وضمان تكافؤ الفرص. لذلك، فإن الدولة تستعيد ثقة الشباب بمطالبتهم عندما تقيم الدليل على أن القانون يطبق على الجميع، وأن المسؤولية ليست امتيازاً معفى من المحاسبة.
3. الجامعة المغربية أمام اختبار اجتماعي وسياسي،
لا شك ان الجلمعة تمثل فضاءً مركزيا لفهم العلاقة بين الشباب والمستقبل. فحين يدرس الطالب سنوات طويلة، ثم يصطدم بمحدودية فرص الشغل أو ضعف الصلة بين التكوين ومتطلبات الاقتصاد، فان المشكلة لا تبقى أكاديمية فقط، بل تتحول إلى سؤال حول جدوى المسار التعليمي كله. ومن قم يتطلب معالجة هذه الأزمة أكثر من تعديل البرامج أو إطلاق مشاريع رقمية. بل إنها تستدعي إعادة التفكير في العلاقة بين الجامعة وسوق الشغل، وبين البحث العلمي والسياسات العمومية، وبين التكوين والمشاركة في التنمية. كما تديقتضي ذلك الاعتراف بأن الشباب ليسوا مجرد مستفيدين من البرامج الحكومية، بل فاعلين ينبغي إشراكهم في صياغة الحلول وتقييم السياسات. وعلى هذا الاساس، لا ينبغي تحويل الجامعة إلى ساحة للاستقطاب الحزبي أو ممارسة الضغط على الطلبة، بل يجب صون استقلاليتها الأكاديمية وضمان حق التعبير المسؤول داخلها.
4. الأحزاب المغربية، هل ستفهم الرسالة؟ إن الاحتجاجات الشبابية تضع الأحزاب المغربية أمام سؤال يتجاوز المنافسة الانتخابية: هل تستطيع هذه الأحزاب تجديد علاقتها بالأجيال الجديدة؟ فإذا ظلت البرامج الحزبية بعيدة عن الأسئلة اليومية المتعلقة بالتشغيل والسكن والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية، فإن الفجوة بين الشباب والمؤسسات التمثيلية قد تزداد اتساعا. ولا يكفي أن تستحضر الأحزاب الشباب في الحملات الانتخابية، أو أن تمنحهم مواقع رمزية في قوائم الترشيح. بل ان المطلوب هو تمكينهم من التأثير الحقيقي في البرامج والقرارات، وإتاحة مساحات داخلية للنقاش والمحاسبة وتجديد القيادات.
إن الحزب الذي لا يسمع الشباب في أوقات الهدوء، لن يستطيع إقناعهم بسهولة بجدوى الوساطة الحزبية عندما يتصاعد الغضب. ومن هنا تصبح مسؤولية الأحزاب مضاعفة: فهي مطالبة بمساءلة الحكومة عندما تخفق، لكنها مطالبة أيضاً بمساءلة نفسها عن أسباب تراجع الثقة في السياسة.
خامساً: الخطر الأكبر هو إدارة الغضب بدل معالجة أسبابه، فقد تستطيع الحكومات أن تواجه الاحتجاجات بإجراءات أمنية، وأن تستعيد حركة الشوارع بعض مظاهرها الطبيعية، وأن تستأنف المؤسسات عملها المعتاد. لكن هذه النتائج لا تعني بالضرورة أن الأزمة الاجتماعية قد انتهت. فالاستقرار الحقيقي لا يقاس فقط بغياب المظاهرات، وإنما بقدرة المجتمع على معالجة الخلافات من خلال المؤسسات ايضا، وبمدى ثقة المواطنين في أن مطالبهم يمكن أن تؤثر في القرارات العامة. ومن هنا، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات في التعامل مع الاحتجاجات:
المستوى الأول: التدبير الأمني. وهو مرتبط بحماية الأشخاص والممتلكات، وتطبيق القانون، والتعامل المتناسب مع أعمال العنف، مع ضمان الحقوق الأساسية.
المستوى الثاني: الاستجابة الاجتماعية. ويتعلق بمعالجة المطالب المرتبطة بالتعليم والصحة والسكن والتشغيل والقدرة الشرائية، وفق أولويات واضحة ومواعيد قابلة للتقييم.
المستوى الثالث: الإصلاح السياسي والمؤسساتي. وهو الأعمق، لأنه يتصل بالشفافية والمحاسبة وتجديد الوساطة الحزبية وتوسيع المشاركة في صنع القرار.
إن الاكتفاء بالمستوى الأول قد يحد من بعض مظاهر الاضطراب، لكنه لا يعالج الأسباب الاجتماعية. والاكتفاء بالمستوى الثاني قد يخفف الضغط مؤقتاً، لكنه لا يضمن استعادة الثقة إذا استمرت مشكلات الحكامة والمساءلة.
أما الإصلاح المؤسساتي، فلا يمكن أن يكون بديلاً عن السياسات الاجتماعية الملموسة، بل ينبغي أن يسير معها.
سادساً: من يملك المستقبل؟ السؤال الذي يجمع بين أوروبا والمغرب، انه إذا كانت المقارنة بين أوروبا والمغرب مفيدة، فإن أهميتها لا تكمن في توقع تكرار نفس الأحداث، وإنما في فهم الأسئلة المشتركة التي تطرحها الأجيال الجديدة.
ففي أوروبا، يواجه الشباب صعوبات تتعلق بالسكن والتعليم وتكاليف المعيشة، رغم اختلاف أوضاع البلدان وتباين أنظمتها الاجتماعية. وفي المغرب، تتخذ الضغوط أشكالاً ترتبط أيضاً بالتشغيل والخدمات العمومية والتفاوتات الاجتماعية والمجالية. لكن القاسم المشترك المحتمل يتجاوز الأرقام الاقتصادية إلى سؤال العدالة: هل يشعر الشباب بأن المؤسسات تتيح لهم فرصة حقيقية لبناء مستقبلهم؟
إن جيل Z لا يطلب بالضرورة إلغاء المؤسسات أو رفض الدولة. وقد يكون جزء مهم من مطالبه موجهاً إلى الدولة، باعتبارها الجهة القادرة على ضمان الخدمات الأساسية وتنظيم المنافسة وحماية الحقوق ومكافحة الفساد. ولهذا، فإن تصوير الشباب باعتبارهم خصماً للدولة قد يكون خطأ في التشخيص. فالاحتجاج السلمي قد يمثل، في حالات كثيرة، محاولة لإجبار المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية والسياسية. لكن على الحركات الشبابية أيضاً أن تدرك أن الغضب، مهما اتسع، لا ينتج وحده حلولاً قابلة للاستمرار. فالتغيير يحتاج إلى تنظيم مدني مسؤول، ومطالب قابلة للتحديد، وحوار عام، وقدرة على تحويل الضغط الاجتماعي إلى إصلاحات ومكاسب مؤسساتية.
وفي هذا السياق ، لا يمكن، في المقابل، أن تتحول الدعوة إلى التنظيم والحوار إلى ذريعة لتأجيل الاستجابة أو التشكيك في شرعية المطالب.
في الختام، جيل Z لا يهدد المستقبل؛ إنه يسائل الطريقة التي يُصنع بها، إن ما يجري في أوروبا ليس دليلاً قاطعاً على عودة ماي 1968، ولا إعلاناً عن انهيار الديمقراطيات الأوروبية، ولا مؤشراً كافياً على أن المغرب مقبل حتماً على موجة احتجاجية مماثلة. لكنه يكشف عن حقيقة سياسية لا ينبغي الاستهانة بها: فعندما تتسع الفجوة بين تطلعات الأجيال الجديدة وقدرتها على تحقيقها، تصبح المؤسسات مطالبة بمراجعة سياساتها، لا الاكتفاء بالدفاع عن شرعيتها.
وفي المغرب، تفرض هذه الحقيقة التعامل مع احتجاجات جيل Z بوصفها مناسبة للتقييم والمساءلة واستخلاص الدروس، لا مجرد حدث أمني أو ذكرى سياسية عابرة.
إن الدولة التي تريد تحصين الاستقرار تحتاج إلى ما هو أكبر من المشاريع الكبرى والمؤشرات الاقتصادية الإيجابية. إنها تحتاج إلى عدالة يشعر بها المواطن، وخدمات عمومية تحفظ كرامته، ومؤسسات تستطيع تفسير قراراتها، وآليات محاسبة تجعل المسؤولية التزاماً لا امتيازاً.
كما تحتاج الأحزاب إلى استعادة دورها في الوساطة والتأطير، فيما تحتاج الجامعة إلى استعادة وظيفتها في إنتاج المعرفة وتوسيع الفرص، ويحتاج الشباب إلى فضاءات حقيقية للمشاركة والتأثير في القرارات التي ترسم مستقبلهم. فليست المشكلة أن الشباب أصبحوا أكثر استعداداً للاحتجاج، بل أن بعض المؤسسات لم تتكيف بالقدر الكافي مع التحولات التي غيرت طريقة تفكيرهم وتواصلهم وتصورهم للعدالة والمشاركة.
وإذا كان عام 1968، قد أظهر أن الحركة الطلابية يمكن أن تتحول إلى لحظة فاصلة في تاريخ مجتمع، فإن الدرس الأهم اليوم هو أن التغيير لا يبدأ دائماً عندما تمتلئ الشوارع؛ فقد يبدأ قبل ذلك بكثير، عندما يفقد المواطنون إيمانهم بأن أصواتهم قادرة على إيصال مطالبهم.
أما المغرب، فإن أفضل استجابة لما يحدث في أوروبا ليست الخوف من انتقال الاحتجاج، ولا الرهان على استحالة انتقاله، وإنما معالجة أسبابه المحتملة قبل أن تتراكم، وتجديد الثقة بين الدولة والمجتمع، وإثبات أن الإصلاح ليس شعاراً موسمياً، بل ممارسة يومية قابلة للقياس والمحاسبة.
فالسؤال الحاسم الذي ينبغي أن تواجهه الدولة والأحزاب والنخب المغربية ليس: كيف نمنع الشباب من النزول إلى الشارع؟ بل: كيف نبني مجتمعاً لا يضطر فيه الشباب إلى النزول الى الشارع كي يُسمَع صوتهم؟ ذلك هو الاختبار الحقيقي للاستقرار، وهو أيضاً معيار جدية أي مشروع ديمقراطي يريد أن يكون أكثر من مجرد مؤسسات قائمة؛ بل يريد أن يكون عقداً اجتماعياً حياً بين الدولة والمواطنين.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































