الأخوّة العربية الكردية مسؤولية تاريخية  

19 أكتوبر 2026
الأخوّة العربية الكردية مسؤولية تاريخية  

دجوار أحمد آغا 

سوريا

حين يصبح التعايش مسؤولية تاريخية

إن الحفاظ على الأخوّة العربية الكردية والسلم الأهلي، ليس مجرد خيار اجتماعي أو شعار سياسي يُرفع في أوقات الأزمات، بل هو ضرورة تاريخية ووطنية، وشرط أساسي لحماية المجتمع من التفكك، وصون مستقبل جميع مكوّناته. ففي منطقة أنهكتها الحروب، وتراكمت فيها المظالم، وتداخلت فيها المصالح المحلية والإقليمية والدولية، يصبح الحفاظ على الثقة بين أبناء المجتمع مسؤولية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، لتلامس جوهر الوجود المشترك ومصير الأجيال القادمة.

لقد عاش العرب والكرد، إلى جانب السريان والآشوريين والأرمن وغيرهم من أبناء المنطقة في كلاً من (سوريا، والعراق)، تاريخاً طويلاً من التفاعل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. جمعتهم الأرض والأسواق والقرى والمدن، وربطتهم علاقات الجوار والصداقة والمصاهرة، وتقاسموا في مراحل كثيرة أفراح الحياة وأوجاعها، كما دفعوا معاً أثمان الحروب والسياسات الإقصائية والأزمات الاقتصادية والإنسانية.

الأخوّة الحقيقية تبدأ بالاعتراف المتبادل

لا يمكن بناء أخوّة راسخة بين العرب والكرد من خلال استحضار الشعارات وحدها، مهما كانت جميلة أو مؤثرة. فالأخوّة ليست خطاباً عاطفياً يُستخدم لتهدئة الأزمات، ثم يُهمَل عندما يتعلق الأمر بالحقوق والمطالب المشروعة؛ إنها علاقة تقوم على الاعتراف المتبادل، والاحترام، والعدالة، والشعور بالمساواة في المواطنة والكرامة الإنسانية. إن العربي لا يحتاج إلى التخلي عن هويته ليكون أخاً للكردي، كما أن الكردي لا يحتاج إلى التنازل عن لغته وثقافته وخصوصيته القومية ليؤكد صدق أخوّته مع العربي. بل إن الأخوّة تصبح أكثر متانة عندما يشعر كل طرف بأن هويته مصانة، وأن خصوصيته ليست موضع تهديد أو إنكار، وأن انتماءه القومي لا ينتقص من حقوقه بوصفه مواطناً.

من هنا، فإن الاعتراف بالحقوق القومية والثقافية والسياسية للشعب الكردي في سوريا –اسوة بما جرى في العراق- وفي مقدمتها حقه في لغته الأم، وصون ثقافته، وضمان مشاركته السياسية، ينبغي أن يكون جزءاً من أي مشروع جاد لبناء سوريا ديمقراطية تعددية. وفي المقابل، فإن حقوق العرب والسريان والآشوريين والأرمن وسائر المكوّنات يجب أن تُصان ضمن الإطار نفسه، على قاعدة المساواة والعدالة والشراكة.

المستفيدون من إثارة التوترات وعدم الاستقرار

عندما تتصاعد التوترات بين العرب والكرد، وتتحول الخلافات السياسية إلى حملات تحريض متبادلة، من حقنا أن نتساءل، من المستفيد من إضعاف الثقة بينا؟ أول الخاسرين من هذه التوترات هم أبناء الشعبين أنفسهم، لكن المستفيدين منها هم كل من يرى في الانقسام فرصة لتعزيز نفوذه، أو إضعاف خصومه، أو إعادة تشكيل موازين القوى بما يخدم مصالحه. فالشعوب المنقسمة تصبح أقل قدرة على الدفاع عن مصالحها المشتركة، وأكثر عرضة للتأثر بالشائعات والتعبئة العاطفية، وأسهل استغلالاً من الأطراف التي تسعى إلى توظيف المخاوف القومية لتحقيق أهداف سياسية أو أمنية أو أيديولوجية. وقد تجد بعض القوى المحلية في الاستقطاب القومي وسيلة لحشد الأنصار وتوسيع النفوذ، بينما قد تستفيد أطراف خارجية من إضعاف التفاهم بين شعوب المنطقة لإعادة ترتيب علاقاتها ومصالحها. 

السلم الأهلي لا يقوم على الصمت، بل على العدالة

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الحفاظ على السلم الأهلي يقتضي تجاهل التجاوزات، أو مطالبة المتضررين بالصمت حتى لا تتفاقم الأزمة. فالصمت القسري قد يخفف التوتر مؤقتاً، لكنه لا يعالج أسبابه، بل يراكم الشعور بالظلم ويجعل الانفجار اللاحق أكثر احتمالاً. إن السلم الأهلي الحقيقي لا يعني غياب الخلافات، ولا فرض حالة من الهدوء الظاهري، بل يعني امتلاك المجتمع مؤسسات وآليات قادرة على إدارة الخلافات دون اللجوء إلى العنف أو التمييز أو الانتقام.

ولتحقيق ذلك، لا بد من اتخاذ خطوات عملية، مثل (المحاسبة القانونية، رفض العقاب الجماعي، مكافحة خطاب الكراهية، تعزيز الحوار المجتمعي، ضمان الحقوق والحريات، وتعزيز الثقة بالمؤسسات). كما أن للمؤسسات الإعلامية والثقافية دوراً محورياً في هذه المرحلة. فالإعلام الذي يكتفي بنقل الصور الصادمة، أو يضخم الخلافات، أو يقتطع الوقائع من سياقها، قد يتحول من وسيلة لكشف الحقيقة إلى أداة لتوسيع الانقسام. أما الإعلام المسؤول، فيتحرى الدقة، ويميز بين الخبر والشائعة، ويكشف التجاوزات دون تعميم، ويمنح أصوات العقل والحوار مساحة أكبر من أصوات التحريض. ولا تقل مسؤولية المثقفين أهمية عن مسؤولية السياسيين؛ إذ ينبغي للمثقف أن يكون قادراً على الدفاع عن حقوق شعبه دون الانتقاص من حقوق الآخرين، وعلى كشف الظلم دون إنتاج ظلم مضاد، وعلى قول الحقيقة حتى عندما لا تنسجم مع الحسابات الضيقة لجماعته أو تياره السياسي.

من الأخوّة الاجتماعية إلى الشراكة السياسية

إن العلاقات التاريخية والاجتماعية بين العرب والكرد تشكل قاعدة مهمة للتعايش، لكنها لا تكفي وحدها لضمان استقرار طويل الأمد ما لم تتحول إلى شراكة سياسية ومؤسساتية واضحة. فالمجتمعات المتعددة تحتاج إلى نظام سياسي يعترف بتنوعها، ويضمن مشاركة مكوّناتها في صنع القرار، ويمنع احتكار السلطة أو فرض إرادة طرف واحد على الآخرين. ومن هنا، فإن مستقبل شمال وشرق سوريا يتطلب بناء تفاهمات تقوم على الشراكة الفعلية، لا على التمثيل الشكلي، وعلى توزيع عادل للمسؤوليات والصلاحيات، لا على الإقصاء أو الهيمنة.

ويقتضي ذلك تطوير مؤسسات قادرة على تمثيل التنوع القومي والثقافي والديني، وضمان مشاركة العرب والكرد والسريان والآشوريين وسائر المكوّنات في إدارة شؤونهم، ضمن إطار قانوني واضح يحمي الحقوق ويحدد المسؤوليات. كما يتطلب بناء سوريا ديمقراطية تعددية دستوراً يضمن المساواة بين المواطنين، ويعترف بالتعدد القومي والثقافي واللغوي، ويصون الحقوق الفردية والجماعية، ويمنع إعادة إنتاج سياسات الإنكار والإقصاء التي أسهمت في تعميق الأزمات السورية. وفي هذا الإطار، فإن الاعتراف الدستوري بالحقوق القومية والثقافية للشعب الكردي لا ينبغي أن يُقدَّم باعتباره تهديداً لوحدة سوريا، بل بوصفه أحد الشروط الأساسية لبناء وحدة طوعية ومستدامة، قائمة على الثقة والعدالة والرضا المتبادل.

لا منتصر في معركة الأخوّة

إن الأخوّة العربية الكردية ليست مصلحة للكرد وحدهم ولا للعرب وحدهم، بل هي مصلحة مشتركة لجميع أبناء المنطقة، بما فيهم السريان والآشوريون والأرمن وسائر المكوّنات التي تشكل غنى المجتمع السوري وتنوعه. إننا أمام مسؤولية تاريخية تفرض علينا ألا نسمح للخلافات السياسية بأن تتحول إلى عداوات قومية، وألا نسمح للأصوات المتشددة بأن تختزل مجتمعاً كاملاً في موقف أو حادثة، وألا نسمح للمظالم المتراكمة بأن تتحول إلى مبرر لإنتاج مظالم جديدة.

كما من حق الكردي أن يدافع عن هويته وحقوق شعبه وكرامة شهدائه، من حق العربي أيضاً أن يتمسك بهويته وحقوقه وكرامته، ومن حق كل مكوّن أن يعيش آمناً ومطمئناً، من دون خوف من الإقصاء أو التهميش أو الاستهداف بسبب انتمائه. لكن الدفاع عن الحقوق لا يكتمل إذا تحول إلى إنكار لحقوق الآخرين، كما أن الدعوة إلى الأخوّة تفقد معناها إذا استُخدمت لإسكات المطالب المشروعة أو تبرير التجاوزات.

ختاماً نقول وبكل صدق 

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في منطقتنا ليس أن يختلف العربي والكردي، بل أن يفقد كل منهما القدرة على رؤية الإنسان في الآخر. وأعظم ما يمكن أن يحققه الطرفان ليس أن ينتصر أحدهما على الآخر، بل أن ينتصرا معاً على الظلم والكراهية والخوف. فالأخوّة لا تعني أن نتنازل عن هوياتنا، بل أن نمنحها مساحة آمنة إلى جانب هويات الآخرين.

حين يخسر العرب والكرد ثقتهم بعضهم ببعض، يخسر الجميع. وحين يحافظون على أخوّتهم، ويحولونها إلى شراكة حقيقية قائمة على الحقوق والعدالة والاحترام المتبادل، فإنهم لا يحمون حاضرهم فحسب، بل يضعون الأساس لمستقبل تستطيع فيه الأجيال القادمة أن تعيش معاً بكرامة وحرية وأمان.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com