حكاية غير موجودة..!!
نشوان عزيز عمانوئيل

ستوكهولم
خريف ٢٠٢٦
لا أعرف متى بدأت الحكاية بالضبط. أظنّ أنّها بدأت يوم عطسَ الكون، فسقطت من أنفه امرأةٌ كان ينبغي أن تولد، لكنّ أحدًا لم يلتقطها. سقطت في الشقّ الرفيع بين الوجود والعدم، وهناك ظلّت معلّقةً إلى الأبد، لا تستطيع أن تموت لأنّها لم تعش، ولا تستطيع أن تعيش لأنّ الموت سبقها إلى حجز المكان.
ومنذ ذلك اليوم، وأنا أبحث عنها.
أبحث عنها بطريقةٍ لا يفهمها العقلاء؛ أفتّش في جيوب معاطفي القديمة، تحت أسرّة الفنادق التي نمتُ فيها، في عيون الغرباء الذين يمرّون مسرعين، وفي تلك الثواني التي تتوقّف فيها المصاعد بين طابقين، كأنّها تتردّد في اختيار العالم الذي ستعيدني إليه.
كنتُ مقتنعًا بأنّني سأعرفها حين أراها.
لن أحتاج إلى سؤالها عن اسمها، ولا عن طفولتها، ولا عن عدد المرات التي خذلتها فيها الحياة. سأعرفها كما تعرف النافذةُ المطر، وكما يعرف القبرُ اسم صاحبه قبل أن يُنقش على الحجر.
كنتُ سأعرفها لأنّ شيئًا في داخلي كان ينتظرها قبل أن أملك ذاكرةً أستطيع بها تذكّر أيّ شيء.
ولكي لا أبدو مجنونًا تمامًا، كنتُ أخترع لنفسي أعذارًا منطقية. أقول إنّني أبحث عن امرأةٍ تشبه أحلامي، وإنّ أحلامي قابلة للتحقّق، وإنّ العالم مليء بالمفاجآت، وإنّ الاحتمالات لا تنتهي.
لكنّ الحقيقة كانت أكثر فداحةً من كلّ أعذاري.
لم أكن أبحث عن امرأةٍ تشبه أحلامي.
كنتُ أبحث عن امرأةٍ لا يستطيع الواقع أن يفسدها.
امرأةٍ لا يطالها الملل، ولا تستهلكها الأيام،
يا إلهي، كم كنتُ طمّاعًا!
أردتُ من امرأةٍ واحدة أن تهزم ملايين السنين من التطوّر، وأن تتجاوز غرائز الخوف والأنانية، وأن تأتي من مكانٍ لم تتلوّث فيه الروح بتجارب النجاة القاسية.
أردتُ معجزةً ترتدي ثوبًا منزليًّا، وتنسى كوب القهوة على الطاولة، وتضحك حين أخطئ في نطق كلمة، ثم تنام مطمئنّةً لأنّ العالم، مهما كان قبيحًا، لن يضطرّنا إلى أن نكون قبيحين كي نعيش فيه.
وحين لم أجدها، بدأتُ أشكّ في أنّني لم أولد لأعيش قصّة حبّ، بل لأكون المقبرة التي دُفنت فيها قصّة لم تحدث.
في إحدى الليالي، قرّرتُ أن أذهب إلى مكتب شؤون المستحيلات.
كان مكتبًا صغيرًا يقع في نهاية شارعٍ لا يظهر على الخرائط، يديره موظّفٌ أصلع له جناحان رماديّان، ويشرب الشاي من فنجانٍ مكتوبٍ عليه: «الرجاء عدم إزعاج العدم أثناء الدوام الرسمي».
قدّمتُ طلبي.
سألني الموظّف:
— هل سبق أن رأيتَ هذه المرأة؟
قلتُ: لا.
— هل سمعتَ صوتها؟
قلتُ: لا.
— هل تعرف اسمها؟
قلتُ: لا.
— هل تملك صورةً لها؟
قلتُ: لا.
رفع نظّارته، ونظر إليّ بشفقةٍ بيروقراطية، ثم قال:
— عذرًا، لا يمكننا البحث عن شخصٍ لا توجد أيّ أدلّة على وجوده.
قلتُ له: لكنّني أفتقدها.
توقّف عن الكتابة.
كانت تلك، على ما يبدو، جملةً غير مدرجةٍ في النماذج الرسمية.
ظلّ ينظر إليّ طويلًا، ثم أغلق الملفّ وقال:
— هذا ليس من اختصاصنا. عليك مراجعة قسم الفقدان الذي يسبق الولادة.
استيقظتُ قبل أن أعرف أين يقع ذلك القسم.
وكانت الغرفة ساكنةً، والنهار يتسرّب من النافذة بكسلٍ سويديّ، والعالم يمارس عادته القديمة في التصرّف كما لو أنّ لا شيء غريبًا يحدث.
جلستُ على حافة السرير، وأدركتُ أنّني ربما قضيتُ حياتي كلّها أطلب من الواقع أن يعوّضني عن شيءٍ لم يعدني به أحد.
ربما لم تكن هناك امرأةٌ تنتظرني في مكانٍ بعيد. ربما لم يسرقها القدر منّي، ولم يُخطئ الخالق في تسجيل عنوانها، ولم تفقد المجرّة ملفّها.
ربما كنتُ أنا الذي اخترعها، لأنّني لم أستطع احتمال فكرة أنّ الإنسان قد يعبر هذا العالم كلّه دون أن يجد روحًا تتطابق مع المساحة التي تنزف فيه.
لكنّني، حتى الآن، لا أستطيع أن أكرهها.
كيف أكره امرأةً لم تؤذني قطّ، ولم تخنّي، ولم تتركني في منتصف الطريق؟
كيف أعاتبها على غيابٍ لم تختره، وعلى حياةٍ لم تُمنحها، وعلى وعدٍ لم تقطعه؟
لقد كانت المرأة الوحيدة التي لم تخذلني، وربما كان ذلك لأنّني لم أمنحها فرصةً واحدة لتكون بشرًا.
وهنا تكمن الفضيحة التي أخفيها عن نفسي منذ سنوات:
لقد صنعتُ امرأةً كاملةً من عجز العالم عن إرضائي، ثم عاقبتُ النساء الحقيقيّات لأنهنّ لم يستطعن أن يكنّها.
لا أعرف إن كان هذا اعترافًا أم حكمًا نهائيًّا على وحدتي.
كلّ ما أعرفه أنّني سأواصل البحث عنها، ولكن ليس في وجوه النساء هذه المرّة. سأبحث عنها في الأشياء التي لا تطلب منّي أن أكون رجلًا استثنائيًّا كي أستحقّها؛ في لحظة صمتٍ لا أخجل منها، وفي صباحٍ لا أضطرّ فيه إلى إخفاء تعبي، وفي تلك المسافة الصغيرة بين ما أنا عليه وما كنتُ أتمنّى أن أكونه.
وربما سأجد شيئًا منها هناك.
ليس هي، بالضرورة، بل السبب الذي جعلني أحتاج إلى اختراعها.
وعندما يحدث ذلك، سأجلس قرب النافذة، وأتخيّلها للحظةٍ أخيرة، ثم أقول لها:
«أعرف أنّكِ لم تكوني موجودةً في أيّ مجرّة، وأنّني كنتُ أبحث عن معجزةٍ لا تملك الطبيعة وسيلةً لصنعها. لكنّكِ، بطريقةٍ لا أفهمها، كنتِ حقيقيةً بما يكفي لتكشفِي لي كم كنتُ وحيدًا».
ثم سأفتح النافذة.
وسأترك لها، للمرة الأولى، حرية ألّا تأتي.
فربما لا تكون نهاية الحكاية أن أجد المرأة التي لم توجد، بل أن أكفّ عن مطالبة العالم بأن يعتذر لي عنها.

















































