فاروق الدباغ
للعراق ذاكرة قاسية مع الأزمات الاقتصادية. وكلما ضاقت الخيارات أمام السلطة، بدا أسهل الحلول هو العثور على متهم قريب من اليد: تاجر، صرّاف، مضارب، أو في النهاية مواطن لا يملك سوى راتبه.
في تموز 1992، وفي ذروة الحصار والانهيار الاقتصادي، أُعدم في بغداد عشرات التجار بتهمة التربح والاحتكار، ثم أُعدم آخرون بعد أسابيع. لم يكن النظام مستعداً للاعتراف بأن انهيار الدينار كان نتيجة حروب وسياسات اقتصادية كارثية وعزلة دولية وعقوبات خانقة. كان أسهل عليه أن يضع التجار أمام الناس بوصفهم سبب الأزمة.
أُعدم التجار، لكن الدينار لم يتعافَ.
هذه ليست مقارنة بين نظام الأمس والنظام السياسي القائم اليوم، بل مقارنة مع عقلية اقتصادية خطرة: معالجة نتيجة الأزمة بالقوة وترك أسبابها في مكانها.
واليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود، يعود السؤال نفسه بصورة مختلفة.
رفعت الحكومة سعر بيع الدولار الرسمي من 1320 إلى 1520 ديناراً، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً مالية حقيقية وتراجعاً في الإيرادات. لا أحد ينكر الأزمة، لكن وجود الأزمة لا يعني أن الطريقة المختارة لمعالجتها هي الطريق الوحيد.
وقف رئيس الوزراء علي فالح الزيدي أمام البرلمان ليقول إن الدولة كانت أمام خيارات قاسية: الادخار الإجباري من رواتب الموظفين، أو دفع الراتب كل 45 يوماً، أو الاقتراض وزيادة الدين. ثم قُدّم تعديل سعر الصرف باعتباره الأقل ضرراً، مع القول إن الفارق السابق كان يذهب إلى المضاربين.
لكن السؤال الذي بقي بلا جواب هو:
من قال إن العراق لا يملك سوى هذه الخيارات؟
كيف تبدأ البدائل من راتب الموظف وتنتهي بقيمة الدينار، بينما توجد أبواب واسعة من الإنفاق والهدر والامتيازات لم تُفتح بالصرامة نفسها؟
صحيح أن فاتورة الرواتب والتقاعد باتت ثقيلة على الموازنة، وأن الاقتصاد العراقي ما زال يعتمد بدرجة خطيرة على النفط. لكن المواطن من حقه أن يسأل: قبل أن تخفضوا القيمة الحقيقية لراتبي عبر سعر الصرف، ماذا خفضتم أنتم؟
ماذا حدث لامتيازات الطبقة السياسية؟
وماذا عن المستشارين والمناصب الزائدة والمواكب والحمايات والسيارات والمكاتب والمخصصات؟
وماذا عن الرواتب المزدوجة والأسماء الوهمية وكل من يتقاضى مالاً عاماً من دون عمل حقيقي؟
وماذا عن المنافذ الحدودية التي تحولت سنوات طويلة إلى واحدة من أكبر ثقوب الخزينة؟
وهناك أيضاً منظومة من التعويضات والامتيازات نشأت بعد 2003 وتحتاج إلى مراجعة جدية. ليس المطلوب حرمان مظلوم أو سجين سياسي من حقه، لكن لا يجوز أن تتحول الاستحقاقات الاستثنائية إلى التزامات مفتوحة لا تخضع للمراجعة، بينما يحصل مواطن فقير على إعانة بالكاد تكفيه لأيام.
ثم يأتي الملف الأكثر حساسية: تضخم البنية الأمنية والعسكرية.
العراق لا يمول جيشاً وشرطة فقط، بل مؤسسات وأجهزة وتشكيلات متعددة، ولكل منها رواتب ومقار وعجلات ووقود ومخصصات.
المطلوب هنا ليس استهداف الحشد الشعبي أو أي مؤسسة بعينها، وإنما تطبيق معيار واحد على الجميع:
كم شخصاً موجود فعلاً؟ وكم اسماً موجود فقط على قوائم الرواتب؟
إذا كان هناك “فضائي” في وزارة فهو فساد، وإذا كان في مؤسسة عسكرية فهو فساد أيضاً. الحماية السياسية أو الحزبية لا تحول الاسم الوهمي إلى موظف حقيقي.
الدولة التي تطلب من المواطن التضحية مطالبة أولاً بأن تعرض عليه بالأرقام ما الذي فعلته لتنظيف كشوفاتها وتقليص إنفاقها.
لكن الأخطر أن العراق يعيد أحياناً خلط السياسة النقدية بالأمن.
من حق الدولة ملاحقة تهريب العملة وغسل الأموال والتجارة غير القانونية. لكن الصرّاف ليس بنكاً مركزياً، والمضارب لا يخلق وحده سوقاً موازية بهذا الحجم.
السوق السوداء تظهر عندما يوجد فارق بين السعر الذي تحدده الدولة والسعر الذي يستطيع السوق الحصول عليه فعلياً. تستطيع الشرطة اعتقال عشرات الصرافين، لكنها لا تستطيع بأمر أمني أن تلغي قانون العرض والطلب.
وقد جرّب العراق هذا الطريق من قبل.
في التسعينيات اعتُقل التجار وأُعدم بعضهم، واستمر الدينار في الانهيار.
والدرس ليس أن التاريخ يعيد نفسه حرفياً، بل أن العملة لا تُحمى بالعقوبة الأمنية إذا بقيت الأسباب الاقتصادية والسياسية التي أضعفتها قائمة.
وهنا تظهر المفارقة الأكبر.
الصراف الذي يبيع بضعة آلاف من الدولارات يمكن الوصول إليه خلال ساعات.
لكن ماذا عن مليارات الدولارات التي نُهبت من العراق خلال أكثر من عشرين عاماً؟
ماذا عن العقود الوهمية والعمولات وصفقات الفساد والأموال التي خرجت من البلاد؟
وماذا عن الثروات والعقارات التي تضخمت بصورة يصعب تفسيرها لدى مسؤولين وشخصيات وقوى مرتبطة بالسلطة؟
لا أقول إن كل سياسي فاسد، ولا إن كل ثروة مشبوهة. لكن بعد عشرين عاماً من الحديث عن مكافحة الفساد، من حق العراقي أن يسأل: كم ملياراً أُعيد فعلاً إلى الخزينة؟ وكم اسماً كبيراً وصل إليه القانون؟
نجاح الدولة لا يُقاس بعدد صغار المضاربين الذين تعتقلهم، وإنما بقدرتها على الوصول إلى كبار المستفيدين من منظومة الفساد مهما كانت مواقعهم وصلاتهم.
وحين تتحدث الحكومة عن حاجتها إلى تريليونات الدنانير شهرياً للرواتب والنفقات، وعن دين عام ضخم، فهذه أرقام تستحق إجراءات استثنائية.
لكن الإجراءات الاستثنائية يجب أن تبدأ من الأعلى.
ابدأوا بكبار الهدر قبل صغار الموظفين.
افتحوا ملفات الأموال المنهوبة قبل دفاتر الصرافين.
نظفوا قوائم الرواتب قبل أن تخفضوا قيمة الراتب.
راجعوا الامتيازات قبل أن تطلبوا من المتقاعد وصاحب الرعاية الاجتماعية دفع ثمن الأزمة.
لأن رفع الدولار من 1320 إلى 1520 ديناراً ليس مجرد تغيير رقم. إنه انخفاض في القوة الشرائية لدخل ملايين العراقيين في بلد يعتمد على الاستيراد.
الدولة ستحصل على دنانير أكثر مقابل دولارات النفط، لكن جزءاً من هذه الكلفة سيعود إلى المواطن عبر أسعار السلع والدواء والخدمات.
ولهذا فإن القول إن الفارق أُخذ من المضاربين وحدهم لا يروي القصة كاملة.
العراق يحتاج إلى قرارات شجاعة، وقد يكون تعديل سعر الصرف في لحظة معينة جزءاً من حزمة إنقاذ مالي. لكن الشجاعة الحقيقية ليست في اتخاذ القرار الأسهل إدارياً.
الشجاعة أن تسأل السلطة نفسها قبل أن تسأل المواطن:
ماذا خفضنا من امتيازاتنا؟
كم ملياراً استعدنا؟
كم اسماً وهمياً حذفنا؟
وكم حوتاً كبيراً وصل إليه القانون قبل أن يصل إلى الصرّاف الصغير؟
في التسعينيات أُعدم التجار ولم يتعافَ الدينار.
واليوم لن تعيد مطاردة الصرافين قيمة العملة إذا بقيت الثقوب التي تبتلع المال العام مفتوحة.
فالاقتصاد لا يُدار بالهراوة، والدولار لا يدخل السجن. ومن يريد إنقاذ الدينار، عليه أولاً أن ينقذ الدولة من الثقوب التي تبتلع أموالها.



















































