سمير عادل
في لقاء على فضائية «النهرين»، ضمن برنامج «القرار لكم» الذي تقدمه الإعلامية المعروفة سحر عباس، تهجّم أحد المحاورين، المدافعين والمروجين للإطار التنسيقي-المظلة السياسية الطائفية لأحزاب الإسلام السياسي الشيعي وميليشياتها التي تدير السلطة السياسية في العراق- بشكل هستيري، ومن دون الالتزام بأدب الحوار واحترام الاختلاف السياسي وحرية الراي، على محاوره حسين النجار، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، محاولاً إثبات حقانيته الزائفة والكاذبة، وكأنه اكتشف قانون الجاذبية، عبر استحضار الذاكرة التاريخية السياسية العراقية وتذكيرنا بفتوى «الشيوعية كفر وإلحاد»، بهدف إخضاع مخالفه السياسي عن طريق الترهيب والتحريض الاجتماعي ضده.
وهنا لا بد من التوقف عند هذا النوع من أساليب الحوار.
للوهلة الأولى، قد يستغرب المرء أن يصدر هذا النوع من الخطاب عن المدافعين عن الإطار التنسيقي الذي يمسك بزمام السلطة، وأن يتخذ من التهجم على الشيوعية والاستناد إلى فتوى مضى على صدورها ما يقارب سبعة عقود وسيلةً للحوار. فقد أُطلقت هذه الفتوى عام 1960 من قبل المرجع الشيعي الأعلى محسن الحكيم، فيما تنصّل عدد من المرجعيات الشيعية منها، أو اتخذ مسافةً منها، وكان من بين الشخصيات التي اتخذت موقفاً مغايراً محمد باقر الصدر، مؤسس حزب الدعوة الإسلامية.
ومع ذلك، نجد من يسوّق هذه الفتوى لنا اليوم من دون أي خجل أو حياء، وكأن التاريخ لم يتحرك، وكأن المجتمع العراقي لم يتغير. وهي فتوى لو جرى توظيفها اليوم للتحريض على فئة سياسية أو اجتماعية، أو لتبرير الاعتداء عليها، لكان ذلك مدعاةً للمساءلة القانونية، فضلاً عن التنديد به على المستويين الحقوقي والدولي.
لكن المعضلة لا تكمن هنا فحسب، بل في أن هذه الشخصيات تنتمي إلى أحزاب الإسلام السياسي الشيعي المتورطة، من قمة رأسها حتى أخمص قدميها، في الفساد والسرقة والنهب العام والتغيير الديموغرافي والقتل على الهوية. لقد حوّلت هذه الأحزاب حياة جماهير العراق إلى جحيم لا يُطاق، حتى إن أبرز قادتها، مثل نوري المالكي وهادي العامري، أقرّوا بالفشل السياسي، فيما قدّم الأخير اعتذاراً للشعب العراقي عمّا اقترفوه بحق جماهيره.
وهؤلاء الذين يتبجحون اليوم من قادة الإطار التنسيقي هم أنفسهم الذين منحوا الاحتلال الأميركي، قبل وصولهم إلى السلطة، صكاً على بياض للتدخل في شؤون العراق ومصيره، ثم استبدلوا، بعد الغزو والاحتلال، الهيمنة الأميركية بالنفوذ الإيراني. ولم يكتفوا بذلك، بل أوصلوا البلاد إلى وضع مالي واقتصادي بالغ الخطورة. فقد سلّموا خزينة العراق وهي ليست خاوية فحسب، بل مثقلة بالنهب والاستنزاف، فيما تحدّث رئيس الوزراء علي الزيدي عن مديونية تُقدّر بنحو 150 مليار دولار.
ومع ذلك، نقول للسيد المحاور، الذي ينافس “السير هنري كافنديش” الذي اكتشف الهيدروجين في إعادة اكتشاف الحقائق، ولكن هذه المرة عبر إعادة تسويق فتوى «الشيوعية كفر وإلحاد»، إنه كان عليه أن يدرس التاريخ قليلاً قبل أن يشنّ حملته ضد الشيوعية ويعيد إحياء هذه الفتوى.
فقد قال في البرنامج إن الفتوى صدرت لأن الشيوعيين-الحزب الشيوعي العراقي- ارتكبوا جرائم في كركوك والموصل، أي على خلفية الأحداث التي أعقبت انقلاب الشواف ضد حكومة عبد الكريم قاسم عام 1959.
وردنا على الجرائم التي ارتكبت في ذلك الوقت هو محل ادانة واستنكار، أي كان ومن يقف ورائه. ولا بد من التذكير أيضاً بأن الفتوى المشار إليها استُخدمت لتبرير التحريض على الشيوعيين، وأعقبها، بعد الانقلاب الدموي الذي نفّذه البعثيون والقوميون في شباط/فبراير 1963، قتل المئات من الشيوعيين. وقد تحوّل بيت احد المراجع الدينية محمد مهدي الخالصي في مدينة الكاظمية إلى مقبرة لعشرات الشيوعيين الذين تعرّضوا للقتل والتصفية.
ومع ذلك، نقول للسيد المحاور إن الفتوى لم تصدر على خلفية الجرائم التي وقعت خلال حركة الشواف، كما يحاول تصوير الأمر، بل جاءت في سياق صراع سياسي واجتماعي أوسع، ارتبط بالتغيرات العميقة التي شهدها العراق بعد انقلاب 14 تموز/يوليو 1958.
لقد خرج العراق، بعد الانقلاب من منطقة الإسترليني، وانتهى ارتباطه بحلف بغداد الاستعماري. ثم أُقرّ قانون الإصلاح الزراعي، الذي استهدف مصادرة مساحات واسعة من أراضي كبار الملاّك والإقطاعيين وإعادة توزيعها على الفلاحين المعدمين الذين عاشوا في ظل علاقات استغلال قاسية، أقرب إلى العبودية.
وبالتزامن مع هذه التحولات، صدر قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، الذي أحدث تغييرات مهمة في الأحوال الشخصية، وأقرّ المساواة بين المرأة والرجل في بعض الحقوق، ونظّم مسائل الزواج والميراث، كما أتاح الزواج بين المسلمين وغير المسلمين وفق شروط قانونية، من دون اشتراط تغيير الدين. وكانت هذه الإصلاحات جزءاً من تحولات اجتماعية وقانونية واسعة استهدفت الحد من سلطة العلاقات التقليدية المتوارثة.
إن هذه الإصلاحات، إلى جانب توزيع الأراضي على الفلاحين المعدمين، الذين عاش كثير منهم في ظروف بالغة القسوة، كانت من أبرز التحولات التي شهدها العراق في عهد حكومة عبد الكريم قاسم. وقد تم توزيع الأراضي السكنية على الاف من المعدمين الذي كانون يعيشون في مناطق تفتقر الى ابسط مقومات الحياة الادمية التي سميت حينها (الصرايف)، في بغداد التي سميت بمدينة الثورة، التي تغيّر اسمها لاحقاً بعد تغيير السلطة السياسية إلى مدينة صدام، ثم مدينة الصدر بعد الغزو والاحتلال الأميركي للعراق.
وقد دافع الشيوعيون والعلمانيون والثوريون، إلى جانب قوى سياسية واجتماعية أخرى، عن كثير من هذه الإصلاحات، وكان الحزب الشيوعي العراقي في مقدمة القوى التي دعمتها.
إن هذه التحولات السياسية والاجتماعية، وما رافقها من صراع على السلطة والثروة والنفوذ، هي جزء أساسي من السياق الذي ينبغي فهم الفتوى في إطاره، لا اختزالها في رواية انتقائية عن أحداث كركوك والموصل. أي الفتوى جاءت على خلفية تحالف الاقطاع والاستعمار والرجعية القومية والدينية.
لكن السيد المحاور، إما أنه لم يقرأ التاريخ، أو أنه، مثل أقرانه وزملائه، يحاول استغفال الذاكرة الجماعية والرهان على التحريض الاجتماعي، ظناً منه أن استدعاء الفتاوى القديمة كافٍ لإسكات الخصوم السياسيين.
بمعنى آخر، اقترنت الشيوعية بالدفاع عن المساواة والحرية والرفاه الاجتماعي. دافعت عن العمال والمحرومين، وعن حق الإنسان في العيش الكريم، وعن حرية العقيدة، بما فيها حرية الإلحاد والتدين.
أما الكفر الذي نتمسك به، فهو الكفر بكل ما يعادي الإنسانية والحريات السياسية والفردية؛ الكفر بالسرقة والنهب والظلم الطائفي والقومي، وبالتغيير الديموغرافي القسري، وبالجرائم التي اقترفتها الميليشيات، وبكل ما يحطّ من القيم الإنسانية. إنه الكفر بالتمييز ضد المرأة، وبمن يزوّج الطفلات وهنّ في عمر الزهور، ويحرمهنّ من طفولتهنّ ومستقبلهنّ.
نعم، الشيوعية تكفر بكل هذه الظواهر والقيم التي تسلب الإنسان حريته وكرامته وحقوقه.
فليخبرنا السيد المحاور: إلى أي عقيدة ينتمي، وهو يرى بلداً يجلس على ثروة هائلة، فيما يواجه أزمات مالية واقتصادية متفاقمة، وتُطرح فيه الاستدانة من صندوق النقد الدولي، بما قد يرافقها من شروط تقشفية قاسية، بعد تخفيض قيمة العملة المحلية؟ أليست هذه السياسات، إذا مضت في هذا الاتجاه، تهدد بتقليص الدعم الاجتماعي، وإضعاف البطاقة التموينية، وخصخصة ما تبقى من قطاعات الخدمات العامة، وزيادة تكاليف الكهرباء والنقل والاتصالات، والتنصل من مسؤولية الدولة عن توفير أبسط مقومات الحياة؟
ألم يصل بنا الأمر إلى أن يصبح كل شيء سلعةً تُباع، حتى ليبدو وكأن الهواء الذي نتنفسه سيأتي يومٌ يُفرض علينا ثمنه؟
فهل عرفت الآن لماذا الشيوعية كفر وإلحاد؟!



















































