فاروق الدباغ
السويد
شاب في الثلاثينيات، متزوج حديثاً، هادئ في عمله، حسن السلوك بين زملائه، وله وظيفة ودخل جيدان. اختفى فجأة من العمل، ولم يعد يجيب على هاتفه أو يظهر على منصات التواصل.
بعد أيام عرف زملاؤه أنه غادر مسكنه إثر «مشكلة عائلية». لكن ما ظهر لاحقاً كان أبعد من خلاف زوجي عادي.
كان الزوج قد فاتح زوجته أكثر من مرة بفكرة تبادل الزوجات مع صديق له من مدينة أخرى. كانت ترفض بشدة، فيتراجع قائلاً إنه يمزح. ومع تكرار الأمر، قررت أن تتظاهر بالموافقة لتعرف إلى أين وصل الموضوع.
عندها بدأ الزوج يشرح التفاصيل: يأتي صديقه إلى البيت ويمضي الليلة معها، بينما يذهب هو لاحقاً إلى زوجة صديقه. وحين عرفت أن الرجل الآخر بالفعل في طريقه إلى بيتها، غادرت سريعاً إلى منزل أهلها وروت ما حدث.
اجتمع أهل الزوجين لاحتواء الأزمة داخل العائلة. لكن المواجهة كشفت ما هو أخطر. ووفق الرواية التي وصلتني، ظهرت في هاتف الزوج صور حميمة متبادلة، وبعضها لنساء جرى تصويرهن خلسة في أماكن يفترض فيها أعلى درجات الخصوصية.
انتهى الزواج، وغادر الشاب المدينة، ثم ساد الصمت.
لا بلاغ. لا تحقيق. لا سؤال عن النساء اللواتي ربما صُوّرن دون علمهن. لا أحد عرف أين ذهبت الصور أو إن كانت قد انتقلت إلى أجهزة أخرى.
الجميع أراد دفن الفضيحة.
لكن دفن القصة لا يعني معالجة المشكلة.
من الخطأ أن نحول كل سلوك جنسي غير مألوف إلى مرض نفسي، كما أنه من الخطأ وضع كل شيء تحت عنوان «الحرية الشخصية».
الحرية تتوقف حين يغيب الرضا.
هناك فرق بين خيال يتحدث عنه زوجان، وبين ضغط متكرر يمارسه أحدهما على الآخر. وهناك فرق أكبر بين علاقة يختارها بالغون بإرادتهم، وبين تصوير إنسان خلسة أو تداول صوره أو دفعه إلى علاقة لا يريدها.
المشكلة هنا ليست كلمة «تبادل الزوجات» وحدها، بل ما قد يحيط بها من خداع وضغط وإكراه وانتهاك للخصوصية.
فالزوجة التي تقول «لا» مراراً ثم يستمر شريكها في إعادة الفكرة والضغط عليها ليست بالضرورة في حوار متكافئ. وعندما ينتقل الأمر من الكلام إلى ترتيب واقعي وإحضار شخص إلى المنزل، يصبح السؤال عن حدود الرضا أكثر إلحاحاً.
والهاتف جعل المسألة أخطر.
الصورة الحميمة التي كانت في الماضي حبيسة اللحظة يمكن اليوم نسخها وإرسالها إلى عشرات الأشخاص خلال ثوانٍ، وقد تظهر بعد الطلاق أو الخصومة أو الابتزاز.
لهذا نحتاج إلى تشريعات أكثر وضوحاً في التعامل مع الجرائم الرقمية الجنسية.
يجب أن يكون القانون صريحاً: تصوير إنسان في حالة حميمة دون موافقته جريمة، وإرسال صوره إلى آخرين دون رضاه جريمة، واستخدام تلك الصور في الضغط أو الابتزاز أو الإكراه جريمة أشد.
كما ينبغي أن تتدرج العقوبات بحسب الفعل والضرر، مع تشديدها عندما يكون هناك أكثر من ضحية، أو استغلال لعلاقة زوجية أو أسرية أو مهنية، أو استخدام للصور في الابتزاز أو التهديد.
ولا تكفي العقوبة وحدها. يجب منح الضحايا حماية قانونية حقيقية، وإتاحة حذف المحتوى ومنع إعادة نشره، وحماية هويتهم أثناء التحقيق، وتعويضهم عن الضرر.
أما إذا كان الحديث عن بالغين يتصرفون برضا حر وكامل، ولا يوجد إكراه ولا تصوير خفي ولا ابتزاز، فهنا يجب أن يكون النقاش مختلفاً.
قد يرفض المجتمع السلوك أخلاقياً أو دينياً، لكن القانون يجب أن يبحث أولاً عن الضحية:
من أُجبر؟
من خُدع؟
من صُوّر دون علمه؟
من نُشرت صوره؟
ومن استُغلت ثقته؟
هناك يبدأ التجريم الحقيقي.
المشكلة الأخرى هي ثقافة الصمت.
حين تقع قضية كهذه، يكون أول قرار عائلي غالباً: «لا أحد يتكلم».
وهكذا قد ينتقل الشخص إلى مدينة أخرى وتُغلق القصة، بينما تبقى الصور محفوظة، ويبقى الضحايا خائفين من الفضيحة.
الستر قيمة اجتماعية وإنسانية، لكنه يتحول إلى مشكلة عندما يمنع المساءلة ويحمي السلوك المؤذي من التكرار.
نحن بحاجة إلى مراكز استشارة أسرية ونفسية أكثر قدرة على التعامل بسرية مع هذه القضايا، وإلى توعية واضحة بأن الضغط الجنسي داخل الزواج ليس مزاحاً، وأن التصوير الخفي ليس نزوة، وأن إرسال صورة خاصة إلى صديق ليس استعراضاً للرجولة بل انتهاك لخصوصية إنسان آخر.
كما نحتاج إلى حديث أكثر نضجاً مع الشباب عن الجنس والحدود والرضا والخصوصية الرقمية.
الصمت لا يصنع الأخلاق.
عندما ترفض الأسرة والمدرسة والمؤسسات الحديث عن هذه الموضوعات، يحصل الشباب على معلوماتهم من الإنترنت والمجموعات المغلقة والأصدقاء، وقد تصبح الممارسات المتطرفة في نظر بعضهم أمراً عادياً.
القصة بدأت باختفاء شاب من مكان عمله وانتهت بطلاق وانتقال إلى مدينة أخرى.
لكن الأسئلة بقيت:
ماذا حدث للصور؟
وهل كانت هناك نساء أخريات؟
وهل كانت القضية حالة منفردة أم جزءاً من سلوك تكرر مع آخرين؟
لا أحد يعرف.
وهنا تكمن المشكلة.
في مجتمع يخاف الفضيحة أكثر مما يخاف تكرار الانتهاك، قد ننجح في دفن القصة، لكننا لا ندفن السلوك.
نحن فقط ننقله إلى بيت آخر.



















































