المكان وأنماطه في قصّة “ برية في قطار” للروائي فاتح عبدالسلام

1 أكتوبر 2026
المكان وأنماطه في قصّة “ برية في قطار” للروائي فاتح عبدالسلام

أنماط المكان 

قصة برية في قطار لفاتح عبدالسلام  ([1])  انموذجاً

نقد أدبي

جعفر أحمد عبدالله

ناقد وأكاديمي

في الأدب النمط هو الطريقة التي يوظفها الكاتب في إعداد النص وإخراجه وترتيب أفكاره، وذلك لتحقيق غاية معينة أو إيصال رسالة محددة إلى القارئ، ويقسم النمط الى أنواع منها: النمط السردي والوصفي والحواري والتوضيحي والبرهاني الحجاجي، وسيكون النمط التوضيحي هو المعول عليه في قراءتي النقدية. إذ يهدف إلى شرح فكرة أو ظاهرة وتوضيح أسبابها ونتائجها بموضوعية كبيرة.

 يُعد المكان أحد مكونات النسيج الداخلي للقصة، وهو عنصر من عناصر السرد الذي تتحرك فيه الشخصيات على وفق خطاطة تختلف من كاتب الى أخر، والمكان الإطار المحدد حين يتكون في الذهن كوسيط مشترك ما بين النص المكتوب وبين الصورة المتخيلة، ولعل كل الأمكنة الموظفة في النصوص القصصية/الروائية تخضع للبنية البصرية التي تأخذ مساحة في ذهن الكاتب؛ لأن المكان أكثر اندماجاً بحياة البشر، فهو مدرك إدراكاً حسياً، كما إنه نظام اجتماعي يمثّل جزءاً من بناء الشخصية حين تتحول بنية المكان في النص الى بنية مكان ما لها مرجعية لأنساق مكانية تتخذ كعنصر فني من عناصر السرد. ” إن أي عمل حكائي يتجسد من خلال الافعال والفواعل والزمان والمكان (الفضاء) اذ إن هناك أفعالاً (أحداثاً) يقوم بها فواعل (شخصيات) في (فضاء) زمان ومكان معينين”([2])وانطلاق الحدث عبر حركة الشخصيات في المكان، وهو أمر حتمي ” فلا فعل لشخصية في الفراغ فضلا عن كونه يشد أوصالها ويُرسي فنها من خلال هيمنته على الشخصية والاحداث، لذا فإن المكان الداخلي للقصة لا يتحقق في المكان الخارجي، وإنما في الزمن الخارجي، فضلاً على ذلك أن وسائل تشكل المكان في القصة تختلف اختلافاً جذرياً عن تشكل الزمان”([3]) فمن خلال التقنية القصصية، فنياً وجمالياً، يمكن للمكان الاقصوصي أن يكون اكثر حيوية وخصوبة من الكثير من الأماكن الحقيقية، فقد ” يسلط القاص الضوء على الأماكن التي تجري فيها الأحداث، واصفاً أصغر أجزائها ودقائقها، حسب موقف القاص منها وفقا لتشكيل البناء العام للقصة”([4])، ويساعده على ذلك طبيعة السرد القصصي الذي يتجلى في الأعمال القصصية، أما القصة القصيرة ” فقد ترهن تجربتها لنزوعات حداثية، يستجلي فيها القاص صوته، ويستكشف في أفقها أرض رؤيته العميقة للمكان والأشياء، واستنطاق ذلك كله لمواقف من الحياة والحب والفقدان وسوى ذلك من مشاعر، التي تكسب تأثيرها البالغ من خلال الوصف”([5]) فما يميز القصة القصيرة عن غيرها من الأجناس الجمع بين خصائص فنّي (الشعر) و(الرواية). إذ ” تستعير من الشعر ايجازه وتكثيفه ولغته الايحائية، واعتماده على التعبير بالصورة، وتستعير من الرواية مقاربتها الحميمية للواقع وتمثيل نماذجه الإنسانية الى جانب تصوير خصوصية المكان والزمان”([6])، كما تتداخل العناصر ” الزمانية والمكانية في نسيج بؤري للإطار العام لأفعال الشخصيات”([7])، فما يبتنى عليه في العمل القصصي، هو التلازم بين الزمان والمكان بوصفهما إطاراً للشخصيات.

والمكان في القصة هو ” المكان اللفظي المتخيّل؛ أي المكان الذي صنعتهُ اللغة انصياعاً لأغراض التخييل الروائي وحاجاته، وهذا يعني أن أدبية المكان، أو شعريتهُ مرتبطة بإمكانات اللغة على التعبير عن المشاعر والتصورات المكانية، مُفضية الى جعل المكان تشكيلاً يجمعُ مظاهر المحسوسات والملموسات، ومكوناً من مكونات “([8]) القصة التي يؤثر فيها ويتأثر بها.

ويتضح في القصة القصيرة ” المكان المكثف، بحكم فنية هذا النوع من الكتابة القصصية الذي يتطلب الايحاء والتركيز عبر العلاقة بين فنية القصة وتاريخية المكان”([9]) لذا سعى معظم الكتاب الى خلق امكنة في قصصهم لتتسم بخصوصية محلية إنسانية، ” بصورة واقعية تتلاءم مع مسعاهم في تشكيل رؤية واضحة، دون الوقوف عند حدود الحاضر بل تعدى ذلك إلى أعماق الماضي، وفي أثر ذلك ظهرت خصوصية المكان”([10]) ، ويتصف المكان في القصة القصيرة بخصوصية تختلف عن المكان في الرواية والشعر والمسرح، ” لاسيّما أن مكان القصة القصيرة عادة هو مكان خيالي مهما كانت أبعاده الواقعية شديدة الرسوخ”([11])، وهذا يبين حقيقة ظاهرة للعيان بخيالية المكان سواء في القصة خاصة أو في بقية الأجناس الأدبية لكن لا يُعولُ على أي عمل أدبي بدونه.

 تبدأ قصة (برية في قطار) ([12]) بسرد آني للإستفهام عن نهاية رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد عبر السرد الاستباقي وكسر أفق التوقع لدى القارئ، وهذا ما توازى مع نهاية قصة برية في قطار؛ فالمكان المتحرك (القطار) هو البؤرة المركزية التي سوف تتفرع منها بقية الأمكنة بمعنى أن القطار يستقطب أمكنة عدّة على وفق استراتيجية ذهنية تكاد تكون متراتبة:

(كان القطار يحمله من تلك البلدة) 

القطار هو المكان المتحرك والمركزي الذي حوى الشخصية 

ثم أعقب ذلك استذكار زمني مكاني (قبل أن ينزل من القطار) 

تلاه استباق زمني مكاني أيضاً (بعد ساعات قضاها في منزل ابنته الوحيدة)

اما المنزل فهو مرادف للبيت، والبيت المكان الرحمي الاول عند جاستون باشلار، وجاءت تقانة الحوار المباشر التنبؤي عبر:

(قال لها: 

–  سأعود الى مدينتي الآن؟)

 لقد حقق السرد حضوره اللافت ثم يقطع السرد تقانة الحوار ليستكمل امتداده بضمير الغائب، وثمة إشارة واضحة للعودة بالزمن الى الوراء وغموض شخصية الفتاة الهامشية التي لم يأت الراوي على ذكر اسمها، فالمكان المدينة جاء بصورة هامشية عبر السرد الاستباقي من دون أن نعرف شاخصاً من شخواصها، وهنا تستمر خطاطة الامكنة بصورة متسلسلة:

(عزلة الأمكنة المنسية)

يشير المكان المنسي الى عدة سياقات مختلقة بحسب المعنى الذي يتقصده الراوي.

(تحول الصوت الى صرخة في الأثير يتقاذفها ذلك الفراغ المفزع).

يمتلأ المكان الفارغ بتلك الصرخة في الأثير؛ فقد جاء في القصة كمكان معادٍ عبر التوصيف.

(يواجهون ذلك الفراغ المفاجئ)

وانبثق من المكان الفارغ مكان فارغ مفاجئ.

(كانت الريح المتموجة مع العشب تلامس وجنات التلال المخضرة)

ثم أعقب المكان الفارغ المفاجئ المكان المؤنسن بحسب ما جاء في القصة: وجناتُ التلال المخضرة للدلالة على الديمومة والتجدد.

(وتذهب به الى الكهوف المهجورة)

 ثم تلا المكان المؤنسن المكان المهجور؛ لأن دلالة الكهف تحمل معاني عميقة تتجاوز كونه مجرد مكان مادي.

(ما أفزع الحكاية التي تكاد تنبت حولهم في هذه البرية)

وتمتد الخطاطة المكانية الى المكان البرية، وهو المكان الذي زحزح المكان المهجور وينتمي الى المكان المفتوح بسبب مساحته الشاسعة والكبيرة التي لا يحدها حدود.

(مع دخول القطار المحطة)

ثم يعود المكان المتحرك المركزي القطار.

(في منزله الريفي)

أما المنزل الريفي فهو مكان يجمع بين البساطة الوظيفية والارتباط الوثيق بالطبيعة، ويختلف عن البيت، لأن المنزل الريفي مكان يقع في الريف بينما البيت مكان يقع في المدينة.

إن المكان المتخيل (يسكن في آخر بقعة من العالم) أو ” المكان الخيالي أو التصويري لا يبقى فيه القاص محصوراً بين ابعاد المكان الجغرافي أو الهلامي أو التصويري بل نراه يتخطى الحدود. إذ يلملم المكان المتخيل كل الابعاد المكانية الحسية ليمزجها مع المكان وينتج صورة تجمع بين الواقع والرمز والمتخيل”([13])، لقد أسس فاتح عبدالسلام رؤية جسّد فيها أشكال مكانية متعددة، وشدّد على مستوى دون أخر فالمستوى المتخيل يُجسد نوعاً من النقلة المكانية المتخيلة في ذهن القارئ. إن بقعة من العالم مكان متخيل حدد وجود الشخصية فيه.

(يريد أن يعيش في مكان، ثم يكتب في مكان آخر)

 ثم يأتي المكان المنشطر الى مكانين اثنين: المكان الذي تود الشخصية العيش فيه، والمكان الذي ترغب الشخصية في الكتابة فيه.

ختاماً لقد كان القطار المكان المركزي الذي انبثقت منه الأمكنة، وكأنها اصطفت بتراتبية منتظمة في ذهن الراوي، وجاءت أنماط الأمكنة تباعاً بحسب تسلسلها في القصة:

المكان المتحرك/المركزي (القطار)

منزل ابنته (البيت)

المكان المدينة (سأعود الى مدينتي)

المكان المنسي (عزلة الاماكن المنسية)

المكان المعادي (الفراغ المفزع)

المكان المدهش (الفراغ المفاجئ)

المكان المؤنسن (وجنات التلال المخضرة)

المكان المفتوح (البرية)

منزله الريفي (البيت)

المكان المتخيل (بقعة من العالم)

المكان المنشطر الى مكانين (يريد أن يعيش في مكان، ثم يكتب في مكان آخر).

إن هذا الحشد من الأمكنة أثرى القصة ثراء فنياً فضلا عن تغاير أنماط الامكنة والازمنة، فالمكان هو الماضي والحاضر والمستقبل، وهو الأرضية التي شُيّدت عليها القصة أحداثها. 

لقد قلب الروائي فاتح عبدالسلام المعادلة، فالبديهي البرية تحمل المكان المتحرك القطار لكنه جعل القطار يحمل البرية.


([1]) فاتح عبدالسلام كاتب وروائي وقاص وصحفي عراقي، ألّف العديد من المؤلفات التي تنوّعت بين الابداعية (القصة والرواية) والنقدية (الدراسات الأدبية).

([2]) الكلام والخبر: مقدمة في السرد العربي، سعيد يقطين، 224.

([3]) الزمان والمكان في قصه العهد القديم: احمد عبداللطيف حماد، مجلة عالم الفكر، المجلد السادس عشر – العدد الثالث، 1985، 83.

([4]) السرد القصصي وجماليات المكان: احمد طالب، مجلة الموقف الأدبي، العدد 403، السنة الرابعة تشرين الثاني، 2004، 28.

([5]) عن التقاليد والتحديث في القصة العربية: عبدالله أبو هيف، 185.

([6]) بناء (فضاء المكان) في القصة العربية القصيرة: محمد السيد اسماعيل، 1.

([7]) المتخيل السردي: مقاربات نقدية في التناص والرؤى والدلالة، عبدالله ابراهيم، 18.

([8]) الرواية العربية البناء والرؤيا: مقاربة نقدية ، سمر روحي الفيصل، 75.

([9]) اشكالية المكان في النص الادبي: ياسين النصير ، 151.

([10]) السرد القصصي وجماليات المكان، 29.

([11]) ترييف السرد: خطاب الشخصية الريفية في الأدب، فاتح عبد السلام،  150. 

([12]) برية في قطار ضمن قصص: قطارات تصعد نحو السماء، فاتح عبدالسلام، الدار العربية للعلوم ناشرون، 2019.

([13]) تحولات المكان في الادب العراقي، ناظم محمد العبيدي، جريدة الصباح ، 17/11/2007.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com