It looks like this message is in Arabic
أوجيني غرانديه
الكلاسيكية البلزاسية 9 شباط 2025 / من مدونة بول رافين
ترجمة: إيمان شربا

كاتبة ومترجمة من سوريا
عندما أفصح الروائي جول ساندو عن مخاوفه بشأن صحة والدته لبلزاك قاطعه الأخير بإشارة انزعاج قائلا” كل هذا جميل ولكن من ستتزوج أوجيني غرانديه يبدو أن الواقع كان أقل إثارة لاهتمام الكاتب من تصويره الروائي للواقع ولكن ألم ينغمس في عمله مثل كورتيوس في الهاوية (ابنة العم بيت) فضلاً عن ذلك الواقع ستيفان زفايغ يظهر هذا بوضوح كيف تعرف مؤلف الكوميديا الإنسانية على العالم من خلال القراءة لا التجربة المباشرة ومن هنا ينشأ الانطباع بانفصال غريب بين وصف بلزاك وواقع العالم.
يشبه بلزاك الرسام البارع المنعزل في منزله يؤلف لوحاته الطبيعية وصوره الشخصية استناداً فقط إلى ما يروى له عنها.
في عام ١٨٣٣ كان بلزاك يكتب رواية أوجيني غرانديه عشرين ساعة في الليلة بالتزامن مع الحكايات المضحكة مع الحفاظ على مراسلاته الغزيرة حتى أنه كان يرهق المطابع ويسبب معاناةً كبيرةً للطابعين باختصار ودون الخوض في تصنيف الكوميديا الإنسانية وهو تصنيف دقيق للغاية وأحياناً مربك يمكننا القول إن أوجيني غرانديه تنتمي إلى فئة واسعة من مشاهد الحياة الريفية سيكون من الخطأ إهمال هذه الرواية القصيرة التي أصبحت جوهرة كلاسيكية بلزاكية إلى جانب (الأوهام الضائعة) و(الأب غوريو) و(زنبق الوادي) والتي على الرغم من احتوائها على بذور كل أعمال بلزاك إلا أنها تحمل جميع عيوب بلزاك وجميع صفاته. إن الأوصاف المفصلة بشكلٍ مفرط والتي تثقل بداية القصة تشبه شجيرات البهشية عند الباب على حد تعبير هيبوليت تين وتكثر الأخطاء اللغوية الناتجة عن عمليات إعادة الكتابة المتكررة والجمل الركيكة في هذا النثر المتدفق والمفعم بالحيوية.
أما المناورات القانونية والمالية للأب غرانديه الطويلة والمعقدة للغاية والتي تكاد تكون غير مفهومة فلا تكاد تُثير اهتمام أحدٍ سوى المؤلف. وكما هو الحال غالباً في روايات بلزاك (امرأة الثلاثين) تتسارع الأحداث فجأة ثم تتلاشى.
الحبكة فجة إلى حد ما والشخصيات مثيرة للدهشة.
وهكذا فإنّ فيليكس غرانديه الأب (الإله الحديث الوحيد الذي يؤمن به المرء المال بكل قوته معبراً عنه بوجه واحد هو مزيج بين فرولو لهوغو وبخيل موليير.
في هذا السياق كتب لامارتين في كتابه (بلزاك وأعماله) أن لفرنسا مولييرين، موليير الشعر وموليير النثر بلزاك نفسه في رسالة بتاريخ كانون الأول/ يناير 1844 موجهة إلى مدام هانزكا اعترف بمعاناته مع (نموذج مرموق) قبل أن يوضح أنه أراد أن يظهر البخيل لا الطمع. تمييز مشكوك فيه غرانديه هو هارباغون! إنه يضع المال (مجده وحزنه) فوق كل شيء فوق عذرية ابنته وموت زوجته وحتى فوق موته هو عندما على سبيل المثال يخرج من عذابه وهو على وشك استلام الإيجار بدهشة ألا يوجد لمسة من الدراما الكوميدية في رد الأب على ابنته الثمل من القلق والغضب لأنها لم تعد تملك ذهبها وترفض إخباره بما فعلته به؟ إذن أنت تحتقر والدك ولا تثق به ولا تعرف ما هو الأب؟ إن لم يكن كل شيء بالنسبة لك فهو لا شيء. أين ذهبك؟ حتى أن بلزاك يكتب أن رؤية الذهب وامتلاكه أصبحا هاجساً لهذه الشخصية التراجيكوميدية بحق. لكن بالتأكيد حيث يبالغ موليير في تصوير الشخصيات يضفي بلزاك عليها طابعاً شعرياً يبحر غرانديه على صفيحة طويلة من الذهب نرى من خلال تلميحات وصفية بارعة كل شيء في منزله الجدران والأثاث والوجوه قد تحول إلى اللون الأصفر كما لو أن الذهب المتراكم في الخزائن قد لطخ المنزل وسكانه. إذا كان بلزاك يضفي طابعاً شعرياً فإنه يمنح أيضاً كوميديا الجشع دلالات تراجيدية. هذه الجملة فظيعة: كانت أوجيني تفرش له أوراق الذهب على طاولة، وكان يبقى لساعات وعيناه مثبتتان عليها، كطفلٍ، في اللحظة التي يبدأ فيها الرؤية يتأمل الشيء نفسه بغباء ومثل الطفل كانت تخرج منه ابتسامة مؤلمة هذه الجملة مروعة لقد حسب ربحه بناءعلى الصحيفة التي أعلنت وفاة شقيقه بينما كان يستمع دون أن يصغي حقًا، إلى أنين ابن أخيه وفاة الأب الحقيقية هذه المرة على عكس وفاة هارباغون البشعة والمزيفة تضرب القلب مباشرة. عندما جاء كاهن الرعية ليجري طقوس الدفن انتعشت عيناه اللتان بدتا خاليتين من الحياة طوال الساعات الماضية عند رؤية الصليب والشمعدانات وحوض الماء المقدس الفضي فحدق فيها ملياً وحرك عدسته المكبرة للمرة الأخيرة. وعندما رفع الكاهن الصليب المذهب إلى شفتيه ليقبّل المسيح قام بحركة مروعة ليمسك به. كلّفته هذه المحاولة الأخيرة حياته.
بلزاك / أوجيني غرانديه
كان ينبغي أن تحمل هذه الرواية في الحقيقة عنوان (فيليكس غرانديه) أو (الأب غرانديه) لأن الأب هو الشخصية المركزية والحاسمة لكن بلزاك فضل تحويل مركز قصته نحو أوجيني هذا النموذج الأولي للبراعة وهي قصة تدين أيضاً في رثاء مناهض لليبرالية ورجعي السلطة المطلقة للمال. البخلاء لا يؤمنون بالحياة الآخرة فالحاضر هو كل شيء بالنسبة لهم .
هذه الملاحظة تلقي بظلالها القاتمة على عصرنا الحالي حيث يهيمن المال أكثر من أي وقت مضى على القوانين والسياسة والأخلاق. تتآمر المؤسسات والكتب والرجال والمذاهب جميعها لتقويض الإيمان بالحياة الآخرة الذي قام عليه البناء الاجتماعي لثمانية عشر قرناً.
الآن أصبح الموت مجرد انتقال لا يخشى منه كثيراً. لقد نقل المستقبل الذي كان ينتظرنا بعد الموت إلى الحاضر. إن الوصول بأي وسيلة كانت إلى جنة الترف والملذات الزائفة وتجميد القلب وإتلاف الجسد من أجل ممتلكات زائلة كما عانى المرء في الماضي من أجل ثروات أبدية هو الفكرة السائدة فكرة علاوة على ذلك مكتوبة في كل مكان حتى في القوانين التي تسأل المشرع ما الذي تدفع ثمنه بدلًا من أن تسأله ما رأيك ؟ ماذا سيحل بالبلاد عندما تنتقل هذه العقيدة من البرجوازية إلى الشعب؟
(بلزاك، أوجيني غرانديه)
لم تهِب أوجيني قلبها لتشارلز بل محفظتها. كذلك تستلهم هذه الرواية من موضوع بلزاك المحبوب عن الأوهام الضائعة لا وجود هنا للزيف الرومانسي لن يكون تشارلز سبباً في فقدان أوجيني عذريتها بل براءتها.
تبدأ حياتها طيبة ونقية وتنتهي طيبة لكنها محبطة. تصف هذه الرواية في نهاية المطاف خراب الأقاليم والانتصار المطلق لباريس باريس هذا العالم الذي ترتكب فيه في أمسية واحدة جرائم فكرية ولفظية أكثر مما يعاقب عليه العدل في محاكم الجنايات حيث تقتل التعليقات الذكية أعظم الأفكار وحيث لا يعتبر المرء قوياً إلا بقدر ما يرى الأمور بوضوح وهناك أن ترى الأمور بوضوح يعني ألا تؤمن بشيء لا بالمشاعر ولا بالرجال ولا حتى بالأحداث فالأحداث الزائفة تختلق.
هناك و لكي ترى الأمور بوضوح يجب على المرء أن يزن محفظة صديق كل صباح وأن يعرف كيف يضع نفسه سياسياً فوق كل ما يحدث في الوقت الراهن ألا يعجب بشيء لا بالأعمال الفنية ولا بالأفعال النبيلة وأن يجعل المصلحة الشخصية دافعاً لكل شيء.
أخيراً ينبغي أن نشير إلى شعر بلزاك الرائع هذا الفن الخاص به جداً في وصف الحياة اليومية بشاعرية مبالغ فيها تليق بأعظم الرومانسيين.
أجابت أوجيني دعونا نفكر فيه يا أمي ولا نتحدث عنه. أنتِ من تعانين قبل كل شيء كان الأمركله يدور حوله . لقد تاهت بنا تحليلات غريبة لرواية أوجيني غرانديه على سبيل المثال يجب قراءة هذا العمل كنصٍ متداخل ساخر مع قصة الجميلة النائمة وميول أوجيني الجنسية مفتوحة للتأويل وهناك في سلوكيات وبنية شارل وأوجيني انعكاس للأدوار بين الجنسين.
إنها طبيعة عبقرية بلزاك أن تحير المعلقين! في نهاية المطاف إذا درِس هذا العمل على نطاق واسع فذلك لأنه يحتوي على كل ما يجعل بلزاك فريداً تقريباً تصوره العظيم بأن الأفكار يمكن أن تتجسد مادياً (الجشع يدمر عائلة غرانديه) والقوائم الوصفية التي لا تخلو من الشعر حيث لكل شيء ولكل قطعة ملابس قصتها الخاصة وسبب وجودها (مثل كوفييه من عظمة يعيد بناء حيوان كما قال موروا) ودراسة الطبقة البرجوازية في الأقاليم والالتواءات القانونية التي لا تنتهي والتي أحبها المؤلف كثيراً تدخلاته الوحشية في السرد لإدانة الفردية الحديثة وتقديم فكره الرجعي، هو الذي كان من المفترض أن يكون مجرد سكرتير موضوع الأوهام الضائعة والنقد اللاذع لباريس المظاهر القوية التي مع ذلك أسرت خياله وأخيراً هذا السيل من الحبر الذي يحمل كل من الشخصيات الرائعة والأخطاء الأسلوبية الفادحة ثم هذا التجمع الفريد من المصالح الدنيوية والعواطف السماوية مما يجعل الكاتب يجد دراما شكسبيرية في أكثر العائلات كآبة على ما يبدو.
ليس من المستغرب أن تترك هذه الرواية بصمتها دوستويفسكي لدرجة أنه ترجمها إلى لغته. لم يسع الأديب الروسي العظيم إلا أن يتأثر بهذه القصة التي ترثي النزعة الفردية الحديثة وتدين هيمنة المال؛ لا بد أنه شعر بشدة بهذا التناقض بين نقيضين مطلقين، اللامبالاة العامة في الأقاليم والقوة الهائلة للعواطف التي تحرك قلوب الشخصيات لا بد أنه ارتجف عند اكتشافه عظمة الشخصيات جشع الأب وقداسة الابنة لا بد أنه بكى عند قراءة قصة هذه المرأة التي كان سيخترعها بالتأكيد لولا أن بلزاك فعل ذلك هذه المرأة التي تثير الشفقة حقاً التي ليست من العالم في خضم العالم والتي خلقت لتكون زوجة وأماً رائعة ليس لها زوج ولا أطفال ولا عائلة .
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن

















































