علي او عمو
كاتب من المغرب.
تركت السلطات العربية القضية الفلسطينية تواجه مصيرها، واكتفت، في كثير من الأحيان، بمواقف وتصريحات لم ترقَ إلى مستوى المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني. وفي غزة، حيث تتوالى صور القتل والدمار والمعاناة الإنسانية، يظل السؤال مؤلماً: أين الموقف العربي الذي يتناسب مع حجم الكارثة؟ وأين الضغط السياسي الفعلي لوقف معاناة المدنيين وحماية ما تبقى من مقومات الحياة؟
لكن ما يثير القلق، إلى جانب الموقف الرسمي، هو التراجع الملحوظ في مشاهد الاحتجاجات الشعبية العربية التي كانت تملأ الشوارع والساحات، وتتصدر نشرات الأخبار في مراحل سابقة من العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين.
أين ذاك الزخم من الوقفات والمسيرات التي كنا نشاهدها يومياً على شاشات التلفزيون؟ وأين الأصوات التي كانت تصدح مطالبة بوقف العدوان، ومنددة بقتل الأبرياء وتدمير المنازل والمستشفيات؟ هل اعتاد الشارع العربي مشاهد المجازر حتى فقدت قدرتها على تحريك مشاعره؟ أم أن طول أمد المأساة، وتكرار صور الموت والدمار، أورثا كثيرين شعوراً بالعجز والإحباط؟
إن تراجع الاحتجاجات الظاهرة لا يعني بالضرورة أن الشعوب العربية تخلت عن فلسطين أو أنها لم تعد تتألم لما يصيب أهلها. فقد تكون هناك أسباب متعددة وراء انحسار المشاركة في الشارع، من بينها القيود المفروضة على التظاهر، والخوف من العواقب، والإحباط من محدودية أثر الاحتجاجات، فضلاً عن ضغوط الحياة اليومية. غير أن هذه التفسيرات، مهما كانت وجيهة، لا تلغي الحاجة إلى التساؤل عن مصير التضامن الشعبي، وعن السبل الكفيلة بإبقائه حياً وفاعلاً.
فالقضية الفلسطينية ليست خبراً عابراً في نشرات الأخبار، ولا مأساة موسمية نتفاعل معها أياماً ثم ننصرف عنها. إنها قضية شعب يطالب بحريته وحقوقه، ويواجه الاحتلال وما يترتب عليه من قتل وتهجير وتدمير. ومن ثم، فإن استمرار التضامن معه مسؤولية أخلاقية وإنسانية، لا ينبغي أن تخضع لمزاج اللحظة أو لدرجة حضور القضية في وسائل الإعلام.
والأخطر من تراجع المسيرات هو أن يصبح الألم الفلسطيني مألوفاً في وجداننا، وأن تتحول صور الأطفال القتلى والأسر المكلومة والبيوت المدمرة إلى مشاهد نمر عليها بلا اكتراث. فحين يتكرر الموت أمام أعيننا، لا ينبغي أن نتكيف معه، بل أن يتجدد رفضنا له، وأن تزداد مطالبتنا بوقفه.
ولا يجوز أيضاً أن نحمّل الشعوب وحدها مسؤولية هذا التراجع، بينما نتجاهل القيود السياسية والظروف التي قد تحول دون التعبير العلني عن مواقفها. فالتضامن لا يقتصر على التظاهر؛ بل يشمل الكتابة والتوعية، ومساندة المبادرات الإنسانية الموثوقة، ومناصرة الحقوق الفلسطينية في مختلف المنابر، والضغط السلمي من أجل احترام القانون الدولي وحماية المدنيين.
إن الحكومات مطالبة باتخاذ مواقف عملية تتناسب مع مسؤولياتها، والشعوب مطالبة بألا تسمح للإحباط بأن يحول المأساة الفلسطينية إلى مشهد عادي. فالصمت، حين يصبح عادة، يضعف حضور القضية في المجال العام، ويمنح مرتكبي الانتهاكات فرصة للاعتقاد بأن العالم قد اعتاد ما يجري.
فلسطين لا تحتاج إلى تضامن عابر تحركه الصور الصادمة ثم يخبو مع مرور الأيام، بل إلى تضامن مستمر يترجم المشاعر إلى مواقف وأفعال سلمية، وإلى صوت لا يتوقف عن المطالبة بالحرية والعدالة ووقف الانتهاكات.
فهل انطفأت جذوة التضامن الشعبي العربي، أم أنها ما تزال حية تنتظر من يعيد إليها الأمل؟ وهل أصبحنا عاجزين عن التأثر بمشاهد المأساة، أم أننا نحتاج إلى استعادة الثقة بقدرة أصواتنا على إحداث الفرق؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب القضية الفلسطينية ليس تراجع عدد المسيرات وحده، بل أن يتسلل اليأس إلى النفوس، وأن نفقد الإحساس بأن ما يجري هناك يمس إنسانيتنا جميعاً. فالشعوب قد تعجز عن تغيير موازين القوة، لكنها تستطيع أن ترفض الظلم، وأن تظل شاهدة على الحقيقة، وألا تسمح للنسيان بأن يصبح ستاراً يحجب معاناة الفلسطينيين.
فلسطين ما تزال تنزف، والسؤال الذي ينبغي أن يؤرق ضمائرنا جميعاً هو: هل سنظل إلى جانب شعبها في محنته، أم سنتركه وحيداً في مواجهة المأساة؟.



















































