أنسام عباس بدران، أديبة سورية تكتب ..من جوفكِ يأتي صوت ولادة 

7 أكتوبر 2026
أنسام عباس بدران، أديبة سورية تكتب ..من جوفكِ يأتي صوت ولادة 


خيطُ القِنّب

د. أنسام عباس بدران

كاتبة سورية/ مقيمة في فرنسا

هل رأيتِ ذاتكِ تخرج من ذاتكِ، غير آبهة بنهاية المخاض؟ تمشي فوق المشيمة و تحنّي قدميها بدمكِ. تنظر وراءها مرة واحدة، ثم تبتسم لكِ بقسوة. تتسمرين على فراشكِ البارد، ودمكِ الساخن، بين فخذيكِ، يرسل لكِ بعض الدفء. تراقبين ذاتكِ الوليدة بنظرة عصفور بين أسنان قط شرس. تريدين الصراخ.

تفتحين عينيكِ في الفجر، ويصدح الديك، مرافقاً عجلات القطار العابر خلف حديقتكِ. بطيء هو القطار، في كل فجر، يتلكأ قرب شجرة الكرز الوحيدة في أرض بور. يلقي التحية على قطار قادم من الشمال. فتتعالى بينهما صافرتان حادتان.

تلتفتين حولكِ، تتعثر نظرتكِ بظل أسود نحيل جالس على الأريكة، ذاتكِ التي خرجت من أحشائكِ. في يديها صنارتان، يتدلى منهما حبل سري من القِنّب ما زال معلقاً برحمكِ المسجاة على الأرض. تحاولين النهوض. في بطنك شيء يتخبط، تصرخين، لكن ذاتكِ الوليدة تتابع حياكة عباءة القنب، غير آبهة بصراخكِ…

ثمة صوت يشبه الثغاء، آتٍ من جوفكِ. تضعين يدكِ بين فخذيكِ فيصمت. ترفعينها، فيعود. 

على الأريكة، ترفع ذاتكِ رأسها. تتوقف الصنارتان لحظة، ثم تواصلان الحياكة. خيط القنب يخرج من رحمكِ، يلتف حول ساق الكرسي، ثم يصعد إلى يديها. في كل غرزة من أصابعها، تشد شيئاً في جوفكِ. تتألمين. لكن ذاتكِ لا تلتفت، تتابع الحياكة، عباءتها تكبر…

سواد يحوك سواداً، وكلما اتسعت العباءة، ضاق جسدكِ. في بطنكِ، شيء يتخبط في بطنك، لكنكِ لا تصرخين. تحدقين في العباءة.

خلف الحديقة، يمر القطار، فتهتز شجرة الكرز البرية وتزهر في الظلام. تضع ذاتكِ آخر عقدة، وتقطع الحبل بأسنانها. يتدحرج رحمكِ على الأرض. ومن جوفكِ يأتي صوت آخر، أصغر، أبعد… 

يعلن ولادة جديدة من موتكِ.

النص  خاص لصحيفة قريش – ملحق ثقافات وآداب – لندن

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com