عناصر وآفاق التَّغيُّر والتَّجدُّد في مجموعة ” عابر في قمصان “

3 فبراير 2026
عناصر وآفاق التَّغيُّر والتَّجدُّد في مجموعة ” عابر في قمصان “

عبد النبي بزاز

تنفرد مجموعة ” عابر في قمصان ” الشعرية للشاعر المغربي جمال الموساوي بميزات عديدة تنم عن عمق الرؤية ، وتنوع عناصر الشعر وأدواته من خلال استعمالات تنأى عن الأنماط والأشكال المعروفة مما يطبع تجربته بخاصيات يختزلها الاختلاف والانفتاح  ، وإن لم يبعدها ذلك من ثوابت دائرة العناصر الشعرية المتبعة ؛ من حيث الإيقاع ، في مثل نص ” سفر ” : ” أنتِ صورتي  المؤقتة ، / ربما في المحطة المقبلة ، / تقول وردة لفراشة . ” ص30، في اختتام الجمل بحرف التاء المربوطة ، والتاء المبسوطة التي تتكرر في : ” في الأرض تتشكل الطبقات وتكبر الخسارات . ” ص 90، وحرف العين الذي تختتم به جملتين متتاليتين : ” حيث الروح تتسكع ، وحيث لا أتوقع … ” ص150 ، وبلاغيا في استعمال الجناس : ” كَتَب مَحا ، مَحا كَتَب ، كَتَب كَتَب ” ص82، في فِعليْ ( كتب ومحا ) ، وأيضا في قوله : ” فراغ فراغ ” ص 152، والطباق : ” ليس هناك نور ليس هناك ظلام / حالات من تعاقب العمى والبصر / تجاذب لا ينتهي من وجود وعدم . ” ص 87، حيث يتقابل النور والظلام ، والعمى والبصر، والوجود والعدم . والتشبيه كما نقرأ في : ” مطر ، يشرق مثل فراشة … ” ص 5 ، وما يضفيه ذلك على النصوص من جمالية في التعبير ، وعمق في المعاني .

 ولعل ما يبرز في ثنايا المجموعة هو كثرة الصور في تواليها وتتابعها مما يصعب معه مواكبة أشكالها ، وما تتضمنه من أبعاد موسومة بالانفتاح ، والانفلات أحيانا، وتفكيك خيوطها المتشابكة ، وعناصرها المتداخلة والمتواشجة ، كما ورد في نص ” حطاب ” : ” وعشب يائس يتأمل السماء ./ في الحديقة / انتظار بلا جدوى / يقطع أشجار القلب . ” ص6 ، فالعشب ، حسب ما هو شائع ، يعيش حالة يأس من انقطاع ما ء المطر إلا أنه بدل أن يطلب الغيث من السماء ينخرط في تأملها ، وفي الحديقة كمكان مؤثث بالشجر ، والعشب والورود تنتأ حالة انتظار ملتبس وفضفاض مرهون باللاجدوى مما يزرع مشاعر يأس وغم داخل شغاف قلب مزقه الأسى في تصوير لاجتثات أشجار القلب فيبقى عاريا من أي ظل ، أو حفيف أوراق ، أو شقشقة عصافير وشدوها متنقلة بين الأغصان . وتصوير الليل الذي يصير لونه أبيض ، وتصبب النهار عرقا : ” الليل ،/  في ضوء القمر ،/ أبيض . / النهار ، / كعادته ، / يتصبب بالعرق . ” ص 12، وإشراق الشمس ، وانبثاق نورها من سواد مُبْهِر: ” شمس / تشرق / من سواد مدهش . ” ص17، وخلع صفة العري على الضوء  : ” خروج من عري الضوء … ” ص 24، وسلوك التردد على الكابوس ، الذي يغدو منتبها مما يحذو بالمتكلم للتشويش على انتباهه : ” أحاول أن أشتت انتباه كابوس متردد ” ص 111، مستغلا سقوطه في مأزق الحيرة والتردد لتحنيطه في إهاب الظلمة الكثيفة وعتمتها المطبقة : ” أحاول تحنيطه في حزمة من الظلمة الوافرة . ” ص111، وما يستدعيه توالي الصور من عُدَّة معرفية متنوعة لاستقراء معانيها ، وتفكيك رموزها . ودعوة النجوم إلى حديقة القلب : ” ادع نجوما إلى حديقة قلبك … ” ص 36، والارتفاع من الأرض نحو السماء بدون أجنحة : ” بينما ، بلا أجنحة ، أنت تعلو . ” ص 36، وما يفتحه ذلك من آفاق استقراء وتأويل مرتبطة بالحديقة ، والنجوم . وتغدو للحزن شفاه يتخلى عنها ذات إطلالة منفلتة من ربقة  تواطؤات التعبير ومواضعاته : ” ويطل حزن بلا شفاه . ” ص 73، وفعل الزواج خارج المنظومة المتعارف عليها : ” يتزوج غيمة ويفكر في إنجاب ثلج … ” ص  91، حيث يتم الزواج بغيمة ، ويتجه التفكير في إنجاب ثلج، في رسم خطة زواج غريب ينتج مولودا لا يقل غرابة . ووصف الناس بمجانين يتقدمون في خضم الفراغ : ” الناس مجانين زرافات يدبون في الفراغ ” ص 100، يتجردون من ذواتهم ليخوضوا غمار كلام غير محدد النوع والسياق : ” يخرجون من أنفسهم ويدخلون في الكلام . ” ص 100.وتصوير نزلة برد ممسكة كاسا يحتوي عصير شتاء بأسلوب مجازي استعاري : ” نزلة برد / في يدها كأس من عصير الشتاء . ” ص127 ،ونوم الطائر على سرير في صدر المتكلم : ” أو الطائر الذي ينام على سريره في صدري . ” ص 148، وهو مشهد يكرس نهج التعبير المنزاح مجازيا . ومن ثمة الإشارة إلى المجاز كمكون برز في العديد من نصوص المجموعة : ” يحدث أن أزرع ضحكة في المجاز “ص113 ، وهو ما يصبح معه وعاء يسع العديد من الصور ، والأشكال الحبلى بإشاراتها الرمزية ، وأبعادها الدلالية ؛ كبث ضحكة ، في ثناياه ، أو اكتشاف غابة في أغواره السحيقة : ” في قاع المجاز غابة … ” ص 121، وأمام كثرة الصور بعمقها الدلالي ، وصِيَغها المجازية المسترسلة والمتعاقبة التي تخترق جل نصوص المجموعة ، وتتغلغل في أوصالها وتفاصيلها … نكون قد اقتصرنا بالتمثيل لبعضها ، وإن بشكل محدود . ولا يفوتنا أن نذكر عناصر أخرى ؛ مثل الحوار في نص ” سفر ” : ” أنتِ  صورتي المؤقتة ، / ربما في المحطة المقبلة ، / تقول وردة لفراشة . ” ص30، الذي دار بين وردة وفراشة في تكريس للنزعة والنهج المجازي بصورته المنفلتة من  نَيْر المُتَّبَع والمألوف حيث جمع الوردة والفراشة ، وبين الأعمش والغيمة : ” صباح الخير أيتها الغيمة ، / يقول الأعمش للضباب ” ص94 ، وبين الشاعر والعُمْش : ” إن المطر يسقط في قلبي ، / يقول شاعر يعبر المكان بالصدفة ،/  كي يطيب خاطر العُمْش . ” ص 94، حوار بين أطراف تخرج عن دائرة ومحيط البشر كالفراشة ، والوردة ، والغيمة . واستحضار عبارات  شعرية تزخر بحمولات تعبيرية ودلالية  تظل راسخة في الفكر والوجدان الجماعي بما تمتلكه من سلطة قول وتعبير ، في مثل قوله : ” لا الكأس / قد تسعف / ولا العبارة . ” ص43، نسجا على منوال الشاعر المغربي أحمد المجاطي في قصيدة ” السقوط ” من ديوانه ” الفروسية ” : تسعفني الكأس ولا / تسعفني العباره ” ،  بنفيه لما ورد في عبارة الشاعر المجاطي مستخدما أداة النفي (لا ) . وخطابية كما في قوله : ” يتخيل عدوا في الأمام وبحرا في الوراء ” ص110، مثل ما ورد في خطبة القائد طارق بن زياد عند فتح الأندلس مهيبا بجنوده على الصمود والثبات : ” البحر وراءكم والعدو أمامكم ” ، وما طال العبارة من تغيير أشار إلى إدراجه في خانة المُتَخَيَّل . وأخرى لرجال التصوف كقول الحلاج : ” ما في الجبة إلا الله ” وتحويره في نص ” حلاج ” إلى : ” ما في الجبة إلا الجثة . ” ص132، فَغَيَّر الله بالجثة في استشراف لأبعاد وجودية تناول موضوعها في ذكر للموت ومدى تقاطعه  وتعالقه مع القيامة : ” يغفو الموت فيه ساخطا من فكرة القيامة ” ص 92،وما يثيره ، عدم استساغة الموت لفكرة قيام القيامة ، من تساؤلات  مفتوحة على تأويلات وجودية ذات أبعاد غيبية ميتافيزيقية تمت الإشارة إليها في قوله : ” وفي خصام على الدوام مع الماوراء ” ص 96، وأيضا موضوع الخلود والفناء : ” تتخيلك في الخلود مكبلا بأغصان من المحبة … ”  ص118، وتشبيه الموت بصياد يقتنص طرائده : ” ونحن طرائد والموت صياد ” ص 121، الذي لا يمل ولا يكل في البحث عن حصد  الأرواح : ” في الخلفية، يرقص الموت باحثا عن صيد … ” ص 144، منخرطا في احتفالية راقصة على التربص بضحاياه وإسقاطهم في حبائله لإغناء سجله من الموتى والهالكين .

فمجموعة ” عابر في قمصان ” منجز شعري ينحت معالم كتابة بميزات تظل عصية على أي قراءة ، أو مقاربة محدودة ومحددة لانفتاحها على أشكال تعبيرية تنشد الامتداد والاستشراف عبر امتشاق وسائل وطرائق دائبة التجدد والتغير.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــ عابر في قمصان ( شعر) جمال الموساوي .

ــ مطبعة جزيرة التكنولوجيا ـ الرباط 2024.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com