السياسة في بلاد الرافدين وتراجع القيم
د. توفيق رفيق آلتونچي

“ان رجال الدين يغفرون للسلاطين تنازعهم وتكالبهم على الحكم، ولكنهم لا يغفرون لعامة الناس أن يطالبوا بحقوقهم”- د علي الوردي
الجبن السويسري يحتوى على فراغات هوائية وعند قطعه إلى شرائح تظهر فيها فراغات دائرية. الجماعات السياسة في عراق اليوم شبيهة بهذه الجبنة، وبعد تحليل بسيط نجد ان جميع الجماعات السياسية قد اختاروا حجرة لهم في الجبنة الكبيرة كمنازل ..حجرات صغيرة وهم يدافعون عنها ، انها وطنهم الصغير. استخدم كلمةً “جماعات” وعدم استخادم مصطلح الأحزاب السياسية يأتي لأسباب ذلك من خلال مسيرة هذا النص. قد يكون السبب في عدم وجود اي فكر سياسي ( أيدلوجية) لهذه الجماعات . الاستثناء هنا اقليم كوردستان حيث وجود احزاب من يسار ويمين وإسلامي وسرياني وتوركماني وايزيدي . وهناك مجموعة تكتلات عشائرية للسنة، خمس مجاميع او اكثر ، فهم تجمعوا تحت قيادات عشائرية ومناطقية ولا يوجد للسنة منهج سياسي او اي برامج او تخطيط مستقبلي، وتتمحور سياستهم حول تمثيل السُنة في الحكم ومؤسساته فقط .اي لا يوجد فكر يساري او يميني وربما خطوط إسلامية مخفية. اما الأحزاب الكوردستانية فهي تأريخيا خاضت نضالا وتحمل أيديولوجيات مختلفة ولها استراتيجيات وحتى رؤية مستقبلية.
هناك دوما طرفان في الفكر السياسي الدولي وهي قوى اليمين واليسار، وهذان المعسكران يمثلان الأساس للأفكار السياسية لجميع الأحزاب في العالم، مع وجود احزاب سياسية تعمد على الفكر الديني.
وتقريبا نرى الطرفين في معظم الدول ذي الأنظمة الديمقراطية في العالم . اليمين يمثل الأغنياء والبرجوازية المحافظة والقوى الدينية التي تؤمن بالحرية المطلقة وبالتعددية والديمقراطية للوصول إلى الحكم عن طريق الانتخابات النيابية. اما اليسار فيعتبر نفسه ممثلا للعمال والطبقة الفقيرة ويعتبر الثورية أساسا للوصول إلى السلطة حتى باستخدام العنف في الثورات المسلحة. لكن الاشتراكيين منهم خاصة المنتمين إلى الاشتراكية الأوربية لا يؤمنون بالعنف الثوري، بل الوصول إلى سدة الحكم عن طريق الانتخابات في الأنظمة الديمقراطية. نرى كذلك ان هناك تقاربا بين المعسكرين وتغيرت بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة ودخول العالم إلى العولمة والقرية الكونية
. كما يعتبر الفكر الديني بمختلف اتجاهاته وبجميع درجاته الطائفية من المعسكر اليميني معتبرا التجارة اهم أساليب الحياة ويستولى على الحكم ويستبد على الحكم على الأقل عند الإسلام السياسي رافضا وجود اي فكر مخالف او حتى نقد بناء . يقلد الناس الماضي بدرجة تصل إلى درجة النسخ الكامل معتبر المرويات والنصوص التاريخية مطلقة تصل إلى درجة التقديس ودين موازي ودون اي تغير.
“إذا ملك استأثر ” المظلوم عليه أن لا يتحول إلى ظالم حال لبسه لثوب السلطة. لكن ومنذ تاسيس المملكة العراقية عن طريق الانتداب البريطاني وبمساعدة من بعض عرب الحجاز والشام وعدد من الضباط العرب اللذين كانوا يخدمون في جيش الدولة العثمانية وبعد فترة انقلب العسكريون المغامرون وانقلبوا عليها متناسين قسم الشرف العسكري نرى بان سفينة الكيان تخرج من موجة لتجد نفسها تصارع موجة اخرى.
ملك العراق الراحل فيصل الأول

التركيب التعددي للمنطقة من الناحية القومية والعقائدية والثقافية لم يؤخذ ومنذ البداية بالحسبان، وخاصة تهميش دور الشيعة في الحكم قياسا بالعدد السكاني والثقل السياسي ابان تأسيس المملكة العراقية .
دول بقت تحت الانتداب البريطاني والفرنسي بعد الحرب العالمية الاولى ومع اتفاقية سايكس بيكو تكونت كيانات سيطر العرب مع تهميش القوميات الاخرى لكن الاستثناء كان في دولة لبنان باعتراف على وجود تعدد ديني وثقافي وعدم وجود اي قاسم مشترك لمجموعة تلك الشعوب والعقائد المكونة لشعب المملكة. حتى الانتماءات الشعب العراقي بجميع قومياته كانت متأرجحة بين الدولة العثمانية والإيرانية في بداية التأسيس وبقيت لحد اليوم انعكاساته وتغيرت الانتماءات لاحقا متوجهة صوب الأقطار العربية . وبين مساعي تاسيس المملكة الجديدة ومؤسساتها انفجرت الثورة ضد المحتل البريطاني عن طريق إشعال الثورة بقيادة رجال الدين في النجف الأشرف فيما سميت ب (ثورة العشرين) لكن التعداد السكاني للعرب السنة تمكن وبمساعدة المستعمر البريطاني من التسلط على الحكم وخلال الحكومات المتعاقبة من ملكية وحكومات الانقلابات العسكرية في العهد الجمهوري . وفشل المشروع القومي العربي في المنطقة بعد ان اثبت انها عنيفة على شعوبها بالدرجة الاولى وغير قادرة على ادارة الكيانات في المنطقة. لكن فشل ما يسمى بالدولة الوطنية يأتي من التسوس الداخلي ووجود تدخلات واضحة من قوى خارجية جارة او دولية تتحكم بالسيادة الدولة وبالقرار الوطني من ناحية، ومن ناحية اخرى تنعكس تلك التدخلات على جميع الجماعات وحملة الأفكار السياسية في العراق ودون اي استثناء.
ألغى رجال الجمهورية الجدد بعد سقوط الحكم الملكي 1958 الكيان المؤسساتي للمملكة العراقية من انتخابات وتعددية فكرية وأحزاب سياسية ومجلس وطني، شبيه وبمحاكاة المملكة المتحدة في جميع مناحي الحياة وحتى البناء والبناء التحتي كما نراه في الجسور فوق نهر دجلة في العاصمة بغداد نموذجا. بعد سيطرة الأحزاب القومية العربية السلبية الحكم بعد انقلاب 1963 دخل البلاد الى متاهة حرب داخلية وامتلأت السجون برجال ونساء العراق وكل من يفكر خارج الفكر القومي العربي الضيق واستمر الحرب الداخلية في كوردستان وصولا إلى صرف الثروة الوطنية في شراء معدات الحرب والأسلحة والمعدات العسكرية التي أنهكت الميزانية الحكومية وتأخر البلاد مع زيادة التدخلات الخارجية وخارجيا .
دخلت السلطة القومية في حروب خارجية مع جميع الجيران مما أدى إلى احتلال جيوش اجنبية للأراضي العراقية وتنازل السلطة من الآلاف الكيلومترات من الأراضي العراقية وحتى قبول تواجد قواعد الجيش التركي رسميا في البلاد. لا ريب كانت سنوات الحرب مع الجارة ايران ذو نتائج مأساوية على الشعبين واستنزف الاقتصاد الوطني العراقي والإيراني واستقلالية القرار الوطني. وجاء احتلال الجارة دولة الكويت كالقشة التي تقصم ظهر البعير وكانت من نتائجها عزل العراق عن طريق الحصار والحضر الدولي ومن ثم احتلالها عسكريا. رغم وجود تعددية فكرية عقائدية وقومية في العراق إلا ان سياسة الخندق الواحد واعتبار جميع الشعب العراقي منتمين إلى الحزب الحاكم ان شاءوا ام أبوا. لم يتغير حتى بعد الاحتلال فنرى المواطن قد ترك أفكاره ورفع مظلة الطائفية المريحة وبذلك تحول معظم ابناء مدن الجنوب العراقي إلى جبهة واحدة ولون واحد، شيعي ( انظر إلى نتائج انتخابات العامة 2025 ) هذا ما يجعل في ختام الأمر ان الدولة ومؤسساتها رهينة بيد مكون واحد وتدار حسب رغبات المكون وهذا هو أساس التفرقة والفوضى في اداء جميع الحكومات منذ 2003. رغم انها كانت مناطق الجنوب دوما تاريخيا بيئة صالحة للتيارات الفكرية العقلانية وربما بدأ ب “إخوان الصفا وخلان الوفا” وصولا إلى الحزب الشيوعي وحتى حزب البعث. صورة من الإنترنت تقريبية لتوضيح التركيب العقائدي لشعب الرافدين. اي ان الفراغات التي تحدثنا عنها في الجبن السويسري كان الحاضر الغائب. وجاء التغير الجذري مع احتلال قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأميركية للعراق عام ٢٠٠٣ وسقوط الجمهورية ذو الفكر الاحادي وتأسيس الدولة الاتحادية التعددية كنتيجة مباشرة لاحتلال العراق للكويت ونهب ثرواته. كان الحزب الشيعي الوحيد الذي ناضل من اجل إسقاط النظام مع جماعات اخرى وفصائل معارضة والذي تمكن بمساعدة أمريكية ان يسيطر على دفة الحكم ولكنه لغياب التخطيط والبرنامج السياسي بعد السقوط أدى إلى تغلل الفساد في جميع اركان الدولة وبات القرار العراقي تحت تاثير وسيطرة حكومات وسياسات الدول المجاورةً وفي مهب التيارات السلفية وسقطت مدنها واستبيح أراضيها وثرواتها ولا يزال المستقبل مجهولا. الطائفيةً في المجتمع العراقي حالة طبيعية وعبر العصور والعقائد لكنه لم يتحول إلى عنصر صراع داخلي في المجتمع إلا في حالات معينة في التاريخ والدليل لا تزال المجتمع العراقي يتألف أبناءه من أناس ينتمون لأديان مختلفة وعقائد مختلفة. لكن الأحزاب السياسية التي تحمل فكرا سياسيا وبرنامج بالحكم وعلى الأقل بعد ٢٠٠٣ لا تحمل في تركيبها اي فكر او برنامج خاصة بين ابناء الطائفة الشيعية العلوية من عرب وكورد وتوركمان وقاسمهم المشترك هو التشيع فقط والمرجع الديني وهذا ما شاهدناه في التصويت في الانتخابات النيابية المتتالية . النموذج الأفضل الذي يمكن ان يحتذي بها عالميًا باعتقادي هو دولة الفاتيكان كتجمع ديني يدير الحياة الدينية للناس بعيدا عن اروقة السياسة ولم لا يكون هناك مثلا في العراق في المدن المقدسة كربلاء ، نجف والكوفة استقلال وقيادة دينيةً وروحية لجميع الشيعة في العالم . كيف يمكن تفسير قطيع من البشر كانوا جميعا من أعضاء حزب سياسي( البعث) وفي يوم وليلة يرفعون راية طائفية بعيدا عن اي فكر سياسي ؟الفرق فقط أنهم نزعوا عنهم البدلة الزيتونية الفاشية واستبدلوها بأنواع من العمائم. القائد الذي يقلده الناس انقسم لقيادة إيرانية وأخرى عراقية والمجاميع ( الإطار التنسيقي، الصدريون و اخرون) وكل له جيشه المدجج بالسلاح ورجال امن واستخبارات وقنوات إعلامية اي كل له حجرة خاصة في قطعة الجبن. حتى تحول العراق في زمنهم إلى اللعبة الروسية المعروفة والتي تتكون من عدد من القطع المتداخلة وتسمى دمية الماتريوشكا Matryoshka .

صورة من الإنترنت تقريبية لتوضيح التركيب العقائدي لشعب بلاد الرافدين.
تاريخيا ومع الأسف فشلت جميع تجارب حكم الطائفة الشيعية في السلطة واينما كان بين العرب او الأقوام الاخرى لغياب التخطيط والبرامج وهم منذ دهور يكررون نفس الشعائر والكلام والنصوص القديمة ويعيدون مكررين نفس أسلوب الحكم وأدوات الحكم دون اي تطور. وقد نرى فشلها في ايران في المنظور القريب لكنها كتجربة تحمل في دواخلها أسباب سقوطها وفشلها في المستقبل. الجدير بالذكر ها هنا بان معظم الائمة الكرام الاثنا عشر لم يحكموا ماعدا فترة حكم الامام علي رضي الله عنه. والتي استمرّت اقل من أربع سنوات. اما الشعوب فهم كالأعمى تقودهم نظرية القطيع.( انظر إلى الإشارات) وطبعا تعرف القيادات وهم مدركين بان الناس يمكن قيادتهم بهذا الأسلوب وهذا الأسلوب ناجح تاريخيا لكن هذا المنهج سينهي أدواته مع تطور المجتمع والتغيرات في السياسة الدولية. لان مجموعة المشايخ لا يحملون اي فكر سياسي بل القيادة تعتمد تماما على نوع العمامة والشخصية المحورية للجماعة وتقديسه وكما أسلفت الآية الكريمةً:
“كل قوم بما لديهم فرحون”.
لا توجد اية قوة تغير الفكر المطلق للموروث الديني للشيعة لكن هناك تناقض كبير بين الشعارات المستخدمة والحقيقة العملية ونقل النموذج الفاشل من مجتمع إلى آخر يفشل مرة بعد اخرى ولا يوجد مصلح يحاول ان يحلل وينقد نقدا بناءا لأسلوب الحكم لان المستفيدين يعرفون مقدما بان القطيع سينتخبهم وإلا لماذا لا يقوم الشيعة بانتخاب الغير “شيعي ” على أساس المواطنة وخدمة المجموع وحتى لو كان من طائفة او قومية اخرى. وهذا يشمل المواطن السني كذلك. لكن القيادة السياسية في الاقليم تقوم بإنتخاب الغير كوردي ومن كل الطوائف. واقع العراق وسياسته الجغرافية وتركيب شعبه لم يفهمه حتى العراقيين انفسهم وبقوا في صراع عقيم حول مركزية الحكم والتسلط قوم على الكل باسم الأكثرية العربية اولا ومن ثم الشيعية لاحقا والتي أعطت لهم السلطة المطلقة ديمقراطيا. ولا توجد تفهم لنوع الحكم الاتحادي وسلطة الدستور والقضاء المستقل .
لا ريب ان فشل الحكومات السنية المتعاقبة في ادارة البلاد وثرواتها وتهميشهم للطائفة الشيعية من ناحية ومن ناحية اخرى منع اي تحرك ديني وسياسي لهم ولد إرثا لأخذ الثار الجمعي حتى لو كان من دون وعي لهذا لا نرى اي توجه شيعي وطني كي يكون بينهم من السنة مثلا بل بقى محافظا على الشيعة من العرب الأكثرية والكورد والتوركمان الشيعة. تبقى الجماعات الطالبة للحكم في المعسكر الشيعي بدون اي برامج وتخطيط مستقبلي واستراتيجيات بعيدة المدى لإدارة الدولة ومشاركة وتوزيع السلطات . الى متى سيبقون مجرد جماعات تقلد مرجع معين وصراع داخلي على المرجعية؟ تلك الصراع بين قم والمرجعية التاريخية في النجف الأشرف وأعراف في اختيار وكيل الإمام من السادة العرب الذي انتقل بعد الثورة الإسلامية في ايران إلى قم. تبقى تلك الجماعات يسكنون حجرة صغيرة في قطعة الجبن السويسرية إلى حين. اما الكيان السيلي العراقي وبجميع مؤسساته ففيها من المتناقضات ما يجعل مسالة تفككها وزولها كنتيجة لسطوة فكر معين وفرض ارادته على الآخرين وكل ذلك مسالة وقت
و”إِنّ غَداً لنَاظِرِهِ قَرِيبُ”.
السويد
٢٠٢٦
إشاراتhttps://www.qoraish.com/2025/11/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%aa%d9%8a%d8%a7%d8%af-

















































