الترجمة بين العلم والفن

18 أكتوبر 2025
الترجمة بين العلم والفن

فاطمة الخراز

كاتبة من المغرب

خلاصة:

تعددت الآراء حول ماهية الترجمة، أهي علم أم فن ؟ و احتدم النقاش حول هذه النظريات، فالترجمة كانت الخيط الناظم لتلاقح الحضارات، و تشمل مفهوم الثقافات، لكن هناك آراء تتداخل و تتقاطع فيما بينها.تتشكل في ثلاث طرق يتشعب فيها هذا التصنيف، الرأي الأول من المترجمين  يقول عن الترجمة فن، كونها تعتمد على إبداع متفرد، و فئة أخرى من العلماء تقول أن الترجمة علم خالص، لأنها تستوجب لغة النص المصدر، و لغة التأويل الهدف، بالإضافة إلى تقنيات الترجمة، و الفئة الأخيرة ترى أن الترجمة مزدوجة التكوين، و ثنائية التركيب بين العلم و الفن، قد نرى هذا الرأي صائبا و متداولا بالغالب. فالترجمة في الأخير نتاج بشري ويظل موضوعا تختلف فيه الرؤى و النظريات. 
الكلمات المفتاحية: الترجمة- العلم و الترجمة – الفن و الترجمة – المترجم.


Résumé

Que ce que la traduction? On dit qu’il existe de nombreux points de vue sur ce sujet. C’est de la science? Ou de l art? Autour de cette théorie a déroulé un grand débat.
La traduction a relié des civilisations et créé de grandes cultures. Pour savoir l’origine de la traduction, il y a plusieurs opinions qui se croisent entre eux. La première opinion dit que la traduction est un art, car elle dépend de la créativité unique.  Les traducteurs universitaires disent que c’est de pure science, parce qu’elle demande une grand savoir  autour de textes, en plus de technique de la traduction. La troisième équipe de traducteurs propose  que la traduction porte de double face ou configurations entre le science et l’art. C’est le bon avis pour qu’il faut prendre. Nous pouvons considérer cette opinion comme correcte et répandue, en fin de compte, la traduction reste une activité humaine sujet sur lequel les visions et les théories différents.
Mots clés: traduction –  science et traduit – Art du traduction- Traducteur.

المقدمة:
     إن الأخذ بالمعنى التقليدي للترجمة، و تعني نقل رسالة لسانية من لغة إلى أخرى، أو بالمعنى المرادف، تأويل كل مجموعة دالة داخل نفس الجماعة اللغوية، في هذا الصدد، 
يقول الرب ” إن كانوا كشعب واحد ينطلقون بلغة واحدة، فقد عملوا هذا منذ أول الأمر، فلن يمتنع إذا عليهم أي شيء عزموا على فعله، هيا ننزل إليهم و نبلبل لسانهم حتى لا يفهم بعضهم كلام بعض، و هكذا شتتهم الرب من هناك على سطح الأرض كلها، فكفوا عن بناء المدينة، لذلك سميت (بابل) 1 “

       هذا اقتباس واضح للعقاب الذي أنزله الرب بالإنسان، حين حاول التطاول عليه، و من ثم تعددت ألسنة البشر، بعدما كانوا يتكلمون لغة واحدة، لكن المقصود هنا، هو  هذا العقاب  فعلا كان “شديدا”، نظرا لمشقة  الانتقال من حضارة إلى أخرى، التي تشترط فهم لغة أهلها، أي الدخول إلى عالمها من باب ترجمة لغتها الأم. و هذه الترجمة كانت و لا تزال عصية المقاصد و المعنى من مفهوم لآخر، و بالتالي فإن لغة كل جماعة تحمل حمولة ثقافية هائلة سياسيا، و عقائديا، و اجتماعيا، و  ثقافيا. و تختلف كليا عن أي جماعة أخرى.   و من يقترب من أي لغة  عليه بالتحلي بصفات أفرادها و متداوليها.
      إضافة إلى ذلك، فهي تحتاج إلى قواعد و تقنيات علمية و أدبية، لهي لغة النص الأصلي و أفكار المؤلف، و ثقافته و أسلوبه. تفنن المترجمون محاولين اقتحام مجاهل و أسرار النصوص، و هي تنقل معلومات لغة الأصل، إلى لغة الهدف في مشقة بالغة يغلب عليها طابع الزيف مهما اجتهد أصحابها و برعوا في صنعتهم.


(1) الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين ( الكتاب المقدس).

1 ـ تعريف الترجمة:

       إن الحديث عن الترجمة، غير منفك عن الحديث عن الترجمة في العصر العباسي.

لنلقي نظرة سريعة عن حركة الترجمة في القطب المشرقي، و كيف كانت تحظى في العالم العربي الإسلامي، على مكانة مرموقة بين العلوم، و كيف وهب المترجم، معاملة خاصة في بيت الحكمة البغدادي، و في بلاط الخلفاء، حيث صبت الجهود في هذا الحقل،

 و ترجمت جل أعمال فلاسفة اليونان بدءا من أبوقراط، و أفلاطون، و أرسطوطاليس، 

و جالينوس، و أفلوطين، و غيرهم من آثار القدماء، ناقلين الموروث الإنساني من (الطب، و الهندسة، و الفلك، و الرياضيات، و المنطق، و الإلهيات، و الميتافيزيقا، و علوم النفس، 

و غيرها من العلوم الطبيعية و الإنسانية ) برز ت أسماء لامعة، و أصحابها الذي كانوا يتقنون اللغة السنسكريتية، و الفارسية، و ينقلونها إلى اللغة العربية، و يحظون بعلو كعب علمي و فلسفي، نذكر عل  سبيل المثال لا الحصر  الفيلسوف الفارابي، و إسحاق ابن حنين، و حنين ابن إسحاق، قسطا بن لوقا، و ثابت بن قرة، و بن المقفع، و الجاحظ، 

و اللائحة طويلة لا تسع لذكر أسماء هذه الأعلام الخالدة، في عالم الترجمة و نقل الإرث الإغريقي بأمانة لأجيال و أجيال في العالم الغربي، دون كل و لا ملل، و لا خيانة و لا طعن. من صنعة هؤلاء المترجمين المبدعين، نستنتج، أن العلوم تكسب العالم جانبا من الإبداع و المهارة، يستطيع من خلالها تطويع نصوص، مهما صعبت مجاهل النفوذ إليها.
تعددت تعاريف الترجمة بعدد المشتغلين بها، و إن أقوى تعريف، أتي به الفيلسوف

و الكاتب و المترجم الفرنسي أنطوان بيرمان  Antoine Berman 1942- 1994 وهو ” الكلام عن الترجمة هو الكلام عن النصوص، عن الحياة، عن القدر، و عن ماهية النصوص، و الطريقة التي تقود فيها حياتنا، هي الكلام عن التواصل و الفهم، و الترجمة هو تقرير عن “الغريب” الحقيقي، هو الكلام عن لغة الأم، لغة الأصل عن الوجود اللغوي للإنسان2” .في تناوله لموضوع الترجمة،  يقاربها الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، من جهة تأويلية “إن الترجمة مهما كانت تقنية فهي عبارة عن تأويل3، و الفيلسوف يفرق بين مفهومين أساسيين هما( الفهم و التفسير) ولا يتحقق وجود الثاني إلا بثبوت الأول.

(2) ترجمتي لغلاف كتاب  “La traduction et la lettre” ou l alberge du loumetain, édition Iras- Europ- Repres. Mauvezin 1985

(3) بول ريكور (عن الترجمة)  ترجمة حسن خميري.  منشورات الاختلاف. ط 1  .2008 . ص 11 

2 ـ صعوبة الترجمة:
     عن مقتبس مجهول ” ليس على الترجمة من سيد” أي أن الترجمة نسق مغلق تأكد البحث المضني في فك شفراته، و محاولة السيطرة على مقاصد ألفاظه.
     تقوم صعوبة الترجمة بصفتها نشاط إنساني فطري؛ فأكيد منشأها سيكون مع بداية وعي الإنسان باختلاف بينه و بين بني جلدته بدءا من اختلاف الألسن، حين رافق هذا الوعي، رؤية فروق بين الثقافات أساليب العيش اليومية. بلا شك أخذ القدماء على عاتقهم نقل المعارف من لغة إلى أخرى، لكن هذه الترجمة قد تأتي عن طرق أخرى كالملاحظة 

 و تأويل المرويات، و يتم استخلاص نتائج من خلال ما يستنبطه المترجم من أحكام في ذهنه، و هكذا انتقلت مكونات الثقافة من مجتمع لآخر، لكن بصورة ناقصة حسب انتماء المترجم، و تعاطفه مع النص أو الجماعة التي ينتمي إليها، إذ ينطلق مدفوعا بقوى سياسية أو ثقافية و ربما عقائدية4“.
     هناك رموز مشفرة غير قابلة للترجمة، مبثوثة داخل النص تجعل من الترجمة “مأساة” في ما يتعلق بأمانة الترجمة الجيدة، و تحدي يجب كسره، و يطرح الشعر هذا الرهان، في موضع خطير، يتمثل في اتحاد  بين المعنى و الصوت و بين الدال و المدلول.

و في ما يخص النصوص الفلسفية المنضوية على دلالة صارمة، فإن تناقض الترجمة ينكشف بتجل واضح.
      يجب على المترجمين أن يكونوا متعددي الثقافات، أو مزدوجي اللغة؛ للقيام بقراءة نقدية معادلة  يستطيع القارئ المقتدر أن يعيد على حسابه الخاص عمل الترجمة، متحملا بدوره “المحنة” مصطدما بنفس المفارقة لمعادلة دون تطابق. من هنا تأتي ترجمة القارئ و إعادة الترجمة اللامتناهية، للأعمال الكبرى5، و الكتب العظيمة في الثقافة العالمية مثل: (الكتاب المقدس)، (شكسبير)،(دانتي) ،(ثربانتيس )،( موليير)، الملاحظ من خلال الترجمات يتم إعادة ترجمة جديدة، نظرا لعدم الرضا الذي يدعم هذه الإعادة،
 

(4) تنسيق محمد الحيرش ( تأويليات الترجمة) المرجعيات و المنعطفات. منشورات باب الحكمة.ط1. 2023. الترجمة: نقل المعنى و تأويل السياق، مداخلة بناصر البوعزاتي، ص 16 

(5) بول ريكور ( عن الترجمة) ترجمة حسن خميري،  منشورات الاختلاف. ط1. ص 18   

     من الصعوبات الكبرى، و الانتصارات  الصغيرة للترجمة، بعناية و رعاية تحت عنوان”محنة الغريب“، وهو عنوان أعطاه بيرمان لبحثه المميز ” الثقافة و الترجمة في ألمانيا الرومانطيقية” و هذه الصعوبات المرتبطة بالترجمة باعتبارها رهانا صعبا، من المستحيل رفعه، حيث لخصها بمحنة، أو معاناة مستديمة أو امتحان، إنها دافعية الترجمة التي اقترنت بالمعاناة. و القارئ يجد نفسه بين ناريين: رغبة الوفاء، و شكوك الخيانة، سيفكك شلايماخر هذه المعادلة برأي مفاده “ربط القارئ بالكاتب، وربط الكاتب بالقارئ6“.

3 ـ إشكاليات الترجمة:
      ما أشد على العلم في ذلك  ! إذ يتطلب “النص الأصل” باللغة المترجمة عليها، و على المترجم أن يملك زمام القدرة على التلاعب بالألفاظ و التراكيب، ليحصل على ما يريده من مقاصد، و هذا ما لا يتوفر عند الكثير من محترفي هذه المهنة الشاقة7.
      في مقدمة كتابه موجها نصائحه (مهمة المترجم) يرى المترجم و الفيلسوف الألماني والتر بنيامين Walter Benjamin 1892- 1940 أن النص الأصلي، يحتاج إلى ترجمة قوية” والترجمة الحقة، هي الترجمة الشفافة، لا تحجب الأصل، و لا تقف بينه و بين الضوء، و يجعل اللغة نقية، تتقوى من خلال مفرداتها، و تسقط بشكل كامل على النص.

 و يشدد في نظريته على أن “جودة الترجمة” تعود إلى جودة النص، و الترجمة الحقة،هي التي تتمركز  بين الأصل و الهدف، كذلك أوصى المترجم بأمانة النقل، وحذر من خيانة  النص8.
كما نجد أنطوان بيرمان في أعماله حول الترجمة، كيف يشدد على أنها مهمة فكرية ملقاة على عاتق المترجم. و أصبحت النظرة الإتيقية/ الأخلاقية في مشروع بيرمان التزاما بترجمة تقوم على أساس إزالة التعارض بين المعنى و الحرف، و استبدال الترجمة القائمة على التمركز العرقي، بترجمة قائمة على منطق أخلاقي منفتح يعترف بالآخر 

الغريب و المختلف9“، ليستحق نظريته حول الترجمة، الحصول على لقب الثورة الكوبيرنيكية.

(6) المرجع نفسه، ص 20

(7) المرجع نفسه, ص 16 

(8)  المرجع نفسه، ص 15 
(9)  تنسيق محمد الحيرش (تأويليات الترجمة) قراءة في أطروحات ( أنطوان بيرمان) رشيد ابن السيد. ص 235

4 ـ من هو المترجم:
   “الترجمة في جوهرها، إعادة صوغ لفكر مؤلف معين، بألفاظ لغة أخرى، و هو جزء من جهازه الفكري، في صورة  تتفاوت من مترجم لآخر، و إذا أعاد صياغة هذا الفكر للغة أخرى، وجدناه يتوسل جهازه اللغوي و الفكري معا، و يصبح مرتبطا، و ما اللغة إلا تجسيد للفكر، و محكومة بمفهوم المترجم للنص المصدر”و لكل مؤلف أسلوبه و منهجه الخاص به، سواء كان أديبا أو مؤلفا، لكن هذا الاختلاف يقع على عاتق القارئ بالفحص و الحدس. 

يؤكد محمد عناني أن الترجمة فن تطبيقي بالمعنى العام، و مهما كانت الممارسة الإبداعية للفرد الذي يتقن اللغات؛  فيستحيل على لغته، أن ترقى للغة التي يأتي بها النص، أن يأتي بترجمة تكون مقبولة؛ إلا إذا كان محترفا للترجمة10، و المترجم كاتب يوجه إلى القارئ أفكاره البديلة عن صاحب النص الأصلي، إذن فهو يأتي في الدرجة الثانية من حيث الإبداع الفكري، بصفته يكلف فقط ، بنقل نسخة حية من لغة ذات حمولة إنسانية “خاصة” إلى لغة أخرى، و هذا ما استعصى على الكثير من المترجمين، و شق عليهم الأمر، لما تطلب المزيد من الدراسة و التدريب.

من هنا نلمح الترابية في المعنى؛ فالمترجم يظل محروما من التحليق في عالم الإبداع، و يظل مقيدا، و غير مسموح له بالحرية الفكرية، مثل صاحب النص الأصل؛ أي أن صاحب النص الأصل، يكون حرا في تطويع اللغة، وتلاؤم أفكاره، و هذا يؤكد ما جاء به علماء اللغة، بزعامة نعوم تشو مسكي خصوصا (في علم دلالة الألفاظ  sémantiques) هي حقيقة عدم انفصالية اللغة و الفكر، و عملية الكتابة، ما هي إلا البحث و التنقيب في الأفكار11.


(10) محمد عناني  (فن الترجمة) . صدر الكتاب 1992. و أعاد نشره مؤسسة هنداوي 2017 . التقديم
(11) المرجع نفسه، ص 15

1 ـ العلم و الترجمة:
     إن علوم الترجمة من بين العلوم التجريبية، تقوم على الملاحظة الدائمة في عدة أنشطة تتعلق بالذهن و النفس، و المترجم يترجم المطلوب من المعنى، و ليس الدلالات اللغوية في الجملة، و بصفتها نشاط قديم قدم العصور، فما من بلد في العالم، إلا و كانت على حدوده مواقع يجيد سكانها لغة قومهم، و لغة جيرانهم؛ فالحديث و الحوار، هو بداية التواصل بين مختلف الأجناس على اختلاف ألسنتهم، و أصبح من الضروري، إعداد  المترجم تعليميا و تدريبه، ليكون ملما بما يخفف عليه معاناة الترجمة، و العملية التعليمية تخصه بدراسة اللغات و خصائصها البنيوية و مشاكلها و خصائصها.
أ ـ كيف وصلنا موروث القدماء:
على ذكر الأمانة و النزاهة، في نقل الأفكار عبر الترجمة، كان فضل العرب، على الموروث المعرفي الإغريقي و الإنساني، فقد أبان العلماء و المفكرين المسلمين على  نقاء لغتهم، و جديتهم في ترجمة كل العلوم، يمكن القول أنهم كانوا أمناء، حين نقلوا العلوم للغة العربية، و أضافوا لها الكثير من جهودهم الفكرية و العلمية. في كتابها ” شمس العرب تسطع على الغرب” تؤكد هذا الكلام المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه Zegred Hunkah  و هي تعترف بالعلوم العربية الإسلامية كيف ساهمت في ازدهار العالم الغربي، نذكر بعض الاقتباسات من الكتاب [و في الشرق كما في الغرب، مثل الكتاب دور الوسيط، فقد ترجم برهما جويتا بأرقامه العشرة إلى العربية سنة 776م، و في الغرب ترجم كتاب الخوارزمي إلى اللاتينية، عرف الغرب لأول مرة الأرقام العشرة بما فيها الصفر، و نشرها بين الناس حيث أخرجها من محيط العلم، إلى حيز الاستعمال اليومي في المعاملات12 [.

[لقد أحاط العرب الكتب بقلوبهم، حتى المؤلفات الدقيقة في الهندسة، و الطب، و الميكانيكا، و الفلك و الفلسفة، طلب هارون الرشيد حين احتل عمورية و أنقرة، تسليم المخطوطات الإغريقية القديمة، و نرى المأمون ينتصر على قيصر بيزنطة، و يطالبه بتسليم أعمال الفلاسفة القدماء، كان أمراء العرب مهووسون بلفائف الكتب13]. 

(12) زيغريد هونكه (شمس العرب تسطع على الغرب ). ترجمة عن الألمانية فاروق بيضون و كمال دسوقي.الناشر: دار الجيل. ط 8 . 1993 ص 87
(13) المرجع نفسه، ص 355

[أرسل قاطنو البوسفور، لعبد الرحمان الثالث، أمير الأندلس، حقيبة كبيرة مليئة بالمخطوطات، التي لم تترجم، من بينها تعاليم الطب و العلاج، و كان ثمن هذا الثقل الفكري باهظا، أصبح اقتناء المخطوطات التي لم تترجم، من هواية الأمراء و الوزراء، فأغدقوا الأموال الطائلة على بلاد الإغريق و آسيا الصغرى، و دفعوا الكثير مقابل الآثار العلمية الناجية من التخريب14].
      لم يحفظ العرب كنوز المعرفة في الأقبية أو الأديرة، بعيدا عن النور و الهواء كما فعل القساوسة ( انظر كتاب اسم الوردة Le nom de la rose لأمبرطو إيكو) بل سارعوا في إخراجه للعلن، و أنقذوه من النسيان و التلف، و بعثوا فيه الحياة من جديد عن طريق ترجمته للغة العربية، التي كانت من حق كل مواطن تعلمها بصفتها لغة القرآن الكريم. و لم يحرم الشعب العربي من نصيبه في تلقي العلوم و النهل من هذه النهضة العلمية العادلة.
ب ـ ظهور علمية الترجمة:
نعود لنسأل أستاذ اللسانيات سعيد غدري: ما الترجمة؟ و يجيبنا في مداخلة قيمة “سؤال يقع في عمق النحو النظري للترجمة، لذلك من المفيد أن نتعقب تاريخ هذه الكلمة، و الفعل الترجمي قديم قدم الحضارة الإنسانية، إلى أن (علم الترجمة) ظهر على يد برايان هاريس1972 تجسد الترجمة بمعنى نقل عمل في لغة إلى لغة أخرى في ظل التحولات التي عرفها التاريخ في الغرب بدأ منذ عصر النهضة15.

 (14) المرجع نفسه، ص 356

(15) تنسيق محمد الحيرش (تأويليات الترجمة) الرافد اللساني للترجمة: مداخلة ذ.سعيد غردي .ص 275

(16)  المرجع نفسه، ص

2 ـ ثورات الفكرية في تاريخ الترجمة: 

كان التعسف الكنسي، حجر عثر في المسار التقدمي في أوروبا حين أغرقها في ظلام الجهل لقرون عديدة، وعائقا ابستومولوجيا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فالكنيسة احتكرت لنفسها العلوم و الفنون، و سجنت الحضارة الأوروبية في لغة واحدة و هي اللاتينية، و منعت على عامة الناس، حق المعرفة و التلقين، و حجبت عنهم شمس الحقيقة، و شحنت عقولهم بالأكاذيب و زيف العلوم، متخذة أرسطو درعا يحميها و الكتاب المقدس.
هذا التسلط و الاستبداد أدى إلى اندلاع ثورات فكرية في عالم اللغة، غيرت وجه التاريخ    نذكر أهمها:

ـ الثورة الدينية 1516: و قائدها دكتور في اللاهوت يدعى مارتن لوثر، حيث سعى إلى ترجمة الكتاب المقدس، و فضح تجاوزات القساوسة في حق المؤمنين. و سعى إلى تأويلية و نشره بين الناس.
ـ الثورة الفنية 1550: سيتم العودة إلى الجذور الفنية و التاريخية الإغريقية و الرومانية، و ترجمتها  بصفتها الأصول الغربية في المعرفة الإنسانية، حيث انبعثت من جديد ربات الفنون السبع الملهمات.
ـ الثورة العلمية 1500: مع بداية تشريح الإنسان، و ترجمة “القانون في الطب” لابن سينا مؤسس الطب اليوناني، ابن الهيثم في علم البصريات، أبو بكر الرازي، و ابن زهر ، و اللائحة طويلة. و من جملة ما ترجم عن أعمال (الشارح الأكبر) لأرسطو، أبو الوليد ابن رشد الحفيد. و كان هؤلاء العلماء، تدرس أعمالهم في جامعات أوروبية.

 ـ ثورة الطباعة 1440: انتشار الطباعة، مع المخترع الألماني غولد سميث يوهان غوتنبرغ، و طباعة النصوص المترجمة عن العلوم و الفنون، التي انتشرت في العالم كانتشار النار في الهشيم.
ـ عصر الأنوار 1686: من أهم الأحداث العلمية و الفكرية في إرث الأنوار هو الموسوعة Encyclopédie التي أسسها الفيلسوف و الكاتب الفرنسي دينيس ديديرو  Denis  Diderot  1772-1750  حيث سماها “موسوعة الفنون و العلوم و الحرف” حيث قرب المعرفة في متناول الناس، و من حق العامة الإطلاع على كل العلوم، و تحقيقات و ترجمات، ساهم فيها العديد من الفلاسفة مثال ( فولتير و هولباخ و آخرون).

لخص الفيلسوف، و الأديب، و العالم الإيطالي، أمبرطو إيكو “تاريخ اللغة في أوروبا”، في جملة  اختصرهاLa langue de  l’Europe, s’est la traduction  

كان الرجل دقيقا في اختيار عباراته، بعد تأمل و اطلاع واسع على التاريخ الحضاري …

3 ـ فنون ترجمة في السميائيات Sémantiques :
    انتقل الإبداع في حقل السميائيات، من الرواية للمسرحية، و هذه الأخيرة تحولت بدورها  إلى فيلم سينمائي، كذلك النصوص الشعرية، تم تحويلها لوصلات موسيقية، أو لوحات تشكيلية، و هكذا دواليك.
و تعريف السميائيات، بوصفه علم يدرس الأنساق و العلامات اللغوية، و الرمزية،  فالترجمة في ميادينه، لا تقتصر على اللغة المكتوبة فحسب؛ و إنما تشمل كل العلامات التي يضعها الإنسان، لفهم دلالاتها و مقاصدها، و إذا اهتمت الترجمة في اللسانيات، بكل ما هو لفظي و لغوي؛ فترجمة السيميائيات، تنقل كل ما يتعلق بالمجتمع، من مظاهر ثقافية، و فنية إلى مجتمع آخر، أي ما يسمى بالتطور الحضاري بين الأمم، و محاكاة كل ما يسعى إليه الإنسان في تحسين طرق معاشه.
عرف القرن التاسع عشر، نقلة نوعية، في مجال الإنتاج الأدبي، كذلك عرف تطور الفنون المختلفة، و تلازم كبير بين المسرحية و الرواية، و أدرك النقاد، أن الفن الجديد، لا يمكن فصله عن المسرح، حيث تتم ترجمة  أجزاء الرواية على خشبة المسارح، و تقوم بذلك على تخليد الملحمات التاريخية، التي وردت في المتن السردي الأسطوري القديم، في محاولة جادة، لتبسيط صور الماضي في ثلاثية متناسقة ( الأدب، و الفن، و التاريخ).
أ ـ المسرح الإغريقي:
و المجتمع اليوناني، كان سباقا في استعراض الأحداث التاريخية و الإنسانية، عن طريق إعادة تجسيد أحداث، بشكل واقعي، يتغلغل في حواس و إحساس المشاهد.  
أنتجت الحضارة الإغريقية “مثالا” للصورة الأكثر إقناعا، في نقل المعارف و الرسائل الأخلاقية، و ما كان يسميه أرسطو “بالتطهير Catharsis عبر المسرح“. و المقصود بها ترجمة الأحداث التراجيدية عن طريق الفن، ينقي النفس البشرية من الأحزان و الشر، لا سيما (عاطفة الشفقة والخوف)؛ ليعود الإنسان لطبيعته الخيرة، و يتوق للسلم و الحياة الطيبة. بعيدا عن التطاحن، والحروب، و المآسي.
ب ـ انصهار الفنون بالترجمة:
من خلال الموجودات، يستطيع الإنسان الحفاظ على الصور في ذهنه، تسكنه بالخيال و الإبداع ، و للتعبير عنها، سواء بالألفاظ، أو عن طريق السرديات، أو الأشعار، أو أي فن من الفنون بشتى أنواعه، تبقى الأعمال الفنية الكبرى “الأصل” مصدر إلهام، و يأتي الاقتباس لإعادة نسخ أعمال تحاكيها، و تأخذ من روح عصرها، و تحدث ترجمة تلقائية للعديد من التحف الإبداعية ، في تداخل لانهائي بين الأعمال الأدبية، تنتقل فيه النصوص في اللغة المقروءة، إلى رحابة لغة محسوسة، تترجمها المشاعر منصهرة في سيميائيات المجتمع.

خلاصة القول:
بالعودة إلى أفلاطون و نظريته “عالم المثل”، فقد تنطبق على عالم التراجم، و المترجمين، فإذا كان هذا الفيلسوف، معادي للشعراء؛ كونهم يضللون الناس بشعرهم وخيالهم، و لا يقولون  الحقائق، فقد نبهنا الجاحظ في كتاب (الحيوان) باستحالة الترجمة في الشعر، لما يحمل من نظم و أوزان.

و لا يسعني في هذا التأمل الطويل، سوى الوقوف على كتاب عالم اللسانيات، و المترجم الفرنسي جورج مونينGeorges Mounin  في كتابه المعنون:

 “الجميلات الخائنات Les belles infidèles ” و يخلص إلى أن الترجمة، غير قادرة على إعادة إحياء النص، إلا بمعايير محدودة محددة…

الخاتمة:
من خلال هذه الرحلة القصيرة التي أخذتنا إلى عوالم الترجمة المجهولة، بعود لتعريف برلمان، أن الترجمة هي جسر تواصل، كان و لا زال بين الأمم، تتنقل فيها المعرفة و العلوم و الفنون عبر اللغة و مفرداتها، و تلعب دورا أساسيا في تقريب صورة واضحة عن “الغريب”، و حافظت على ترابط الإرث الحضاري الإنساني، الذي يورث جيلا بعد جيل، الترجمة إنقاذ لفكر من الاندثار و الذوبان في ذاكرة التاريخ، هي البحث عن الحقيقة بين الكلمات. نعيد تعريف الترجمة، و نقول عنها طائر حر يحلق باللغات، في سماء النصوص و خيال المبدعين.
لا نستطيع الآن القول؛ بأن الترجمة علم  و فن و حسب؛ و إنما هي روح البشرية التي تربط الإنسان بالأرض، و تعيده لطبيعته الخيرة، للتعايش و التفهم، بعيدا عن لغة الغموض و سياسة المركزية، إذا كانت الآلة الحربية تعمل على فصل الإنسان من جذوره، فآلة اللغة في المفردات الرقيقة  تستطيع تحطيم هذه الآلة.
من المحزن في وطننا العربي تراجع في هذا الميدان الخصب، حيث يوجد الكثير من الكتب الراقية، في اللغات الأجنبية، تنتظر من يفك أسرها، تنتظر حنكة المترجمين، و نزاهة الأقلام و رقي الإبداع ، بعيدا عن هزال الأسلوب، وتجارة الإبضاع.

                                                         21\ 06\2024                   

                              فهرس العرض

الخلاصة

المقدمة

المحور الأول:

1 ـ تعريف الترجمة

2 ـ صعوبة الترجمة

3 ـ إشكاليات الترجمة

4 ـ من هو المترجم

المحور الثاني: 

1ـ العلم و الترجمة:

         ا ـ كيف وصلنا الموروث الحضاري

 ب ـ ظهور علم الترجمة

2 ـ الثورات الفكرية في الترجمة

3 ـ فنون ترجمة في السميائيات Sémantiques :

           أ ـ المسرح الإغريقي

           ب ـ انصهار الفنون بالترجمة

الخاتمة

                                 المراجع المعتمدة

1) ـ الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين ( الكتاب المقدس).

2) ـ         “La traduction et la lettre” ou l alberge du lointain, édition Iras- Europ- Repères. Mauvezin 1985

3) ـ بول ريكور (عن الترجمة)  ترجمة حسن خميري. منشورات الاختلاف. ط .1. 2008

4 ) ـ  محمد الحيرش ( تأويليات الترجمة) المرجعيات و المنعطفات. منشورات باب الحكمة.ط1. 2023 

5 ) ـ محمد عناني (فن الترجمة) صدر الكتاب 1992. و أعاد نشره مؤسسة هنداوي 2017

6 ) ـ  زيغريد هونكه (شمس العرب تسطع على الغرب). ترجمة عن الألمانية فاروق بيضون و كمال دسوقي. الناشر: دار الجيل. ط 8 . 1993

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com