لهيب حرب إيران يلفح المغرب

15 مارس 2026
لهيب حرب إيران يلفح المغرب

..5000 معتمر مغربي محاصرون بمكة ينتظرون الإجلاء

بقلم: عبدالرحيم أريري*

إعلامي من المغرب  

مع اندلاع الحرب بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي في 28 فبراير 2026، وإغلاق الأجواء في العديد من دول الخليج جراء القصف الصاروخي الإيراني، وتوقف حركة الطيران في عدد من المسارات الحيوية،  يعيش  المعتمرون المغاربة بمكة أزمة إنسانية ولوجيسيكية صعبة بسبب استعصاء العودة إلى بلادهم.

المعتمرون  المغاربة يناهز عددهم 60 ألف شخص، معظمهم حل بالسعودية في إطار رحلات جوية مباشرة من المغرب تؤمنها “لارام” أو الخطوط السعودية. لكن المغاربة المعتمرين الذي يواجهون المشكل ويوجدون في حالة حصار فيقدر عددهم بحوالي 5000 شخص، لأنهم وصلوا إلى الأراضي السعودية عبر خطوط جوية غير مباشرة. إذ سافروا قبل اندلاع الحرب عبر طيران الإمارات؛ الاتحاد للطيران؛ الخطوط القطرية؛ طيران الخليج؛ الخطوط الكويتية.. إلخ، خاصة أن هذه الشركات أصبحت خلال السنوات الأخيرة خيارا مفضلا لدى وكالات الأسفار المنظمة لرحلات العمرة من المغرب. غير أن اندلاع الحرب في منطقة الخليج أحدث ارتباكا كبيرا في هذه الشبكة الجوية، حيث أُغلقت مجالات جوية وتوقفت رحلات عديدة نتيجة التصعيد العسكري والهجمات الصاروخية الإيرانية على دول الخليج، مما وضع المعتمرين المغاربة في قلب أزمة لوجستية معقدة لم تكن في الحسبان، لأن الطائرات التي يفترض أن تقلهم إلى المغرب( عبر ترانزيت بالمنامة أو أبو ظبي أو دبي أو الدوحة)، عاجزة عن التحليق عبر الممرات الجوية المعتادة.

لقد كان من المتوقع، حسب البرنامج المسطر، أن يبدأ المعتمرون مغادرتهم للديار السعودية يوم الاثنين القادم (16 مارس2026) لينتهي موسم عودة المعتمرين للمغرب في 8 من أبريل 2026. غير أن إغلاق الأجواء في الإمارات وقطر والبحرين والكويت، قلب هذا البرنامج رأسا على عقب، وفتح مرحلة انتظار ثقيلة من المنتظر أن يعيشها المعتمرون المغاربة، علما أن الفنادق التي تأويهم خلال فترة أداء المناسك تستعد وفق جداول دقيقة لاستقبال أفواج جديدة من المعتمرين، لأن حركة العمرة تقوم على نظام دوري يعتمد على تعاقب الوفود، كما أن موسم الحج على الأبواب (15ماي 2026)، مما يمنح الأزمة بعدا معقدا.

كل ذلك يمثل تحديا حول إمكانية تمديد الإيواء والإطعام بالنسبة لهؤلاء المعتمرين إلى حين عودة حركة الطيران، خاصة أن نسبة كبيرة من المعتمرين المغاربة هم كبار السن الذين سيضطرون، إذا لم يتم حل المشكل، إلى مواجهة وضع مرهق من حيث الحركة والانتظار. كما أن المطارات السعودية ( في حالة طرد المعتمرين المغاربة من الفنادق)، ستتحول إلى فضاءات مكتظة بآلاف المعتمرين الذين لا يتوفرون على أي موعد محدد للإقلاع، مما سيخلق ضغطا بشريا وتنظيميا يصعب على السلطات السعودية تدبيره بالمطار.

ومن هنا، تضع هذه الأزمة حكومة أخنوش في واجهة المسؤولية التنظيمية، خاصة وزارة الأوقاف باعتبارها الجهة المشرفة على قطاع الحج والعمرة في المغرب ووزارة الخارجية باعتباره لسان المغرب على المستوى الدولي، مما يستدعي من الحكومة المغربية فتح حوار جدي وسريع وآني مع وزارة الحج السعودية، يسمح بوضع ترتيبات مؤقتة تستحضر هذا البعد الإنساني المترتب عن الحرب، وتضمن تمديد إقامة المعتمرين المغاربة المحاصرين داخل الفنادق إلى حين استعادة الملاحة الجوية لنسقها المعتاد، علما أن التمديد يرتبط بتكاليف إضافية تتطلب تسوية واضحة. ومن هنا، فإن وكالات الأسفار التي نظمت الرحلات تتحمل جزءا من المسؤولية بحكم العلاقة التعاقدية التي تربطها بالمعتمرين؛ كما أن شركات التأمين السياحي تشكل بدورها طرفا يمكن أن يساهم في تغطية جزء من النفقات الطارئة التي تفرضها الظروف الاستثنائية، فضلا عن تدخل الدولة المغربية الذي قد يأخذ شكل دعم مؤقت يهدف إلى حماية المواطنين خلال الأزمة، وهو إجراء شهدته حالات سابقة حين واجه مسافرون مغاربة أوضاعا مشابهة في مناطق توتر أو كوارث طبيعية، مثلما وقع بالنسبة للطلبة المغاربة في أوكرانيا أو ببؤر التوتر بإفريقيا أو حين كان مغاربة عالقون في زمن جائحة كورونا أو أثناء فوران بركان إيسلندا.

إلى جانب الحلول المرتبطة بتمديد الإقامة، يبرز سؤال العودة إلى المغرب باعتباره الهدف النهائي لكل الجهود المبذولة، خاصة أن استئناف حركة الطيران الدولية عبر المسارات الخليجية يظل مرتبطا بتطورات الوضع العسكري في المنطقة، وهو معطى خارج نطاق التحكم المباشر لشركات الطيران. لذلك يطرح احتمال البحث عن مسارات جوية بديلة تمر عبر مطارات في دول أخرى، مثل تركيا أو مصر أو السعودية نفسها عبر خطوط مختلفة، وهو ما يتطلب تنسيقا دقيقا مع شركات الطيران التي تمتلك القدرة على تشغيل رحلات في مسارات آمنة. فقد أظهرت تجارب سابقة في إدارة الأزمات إمكانية استئجار المغرب لطائرات خاصة لإعادة مواطنين عالقين في الخارج. ويمنح هذا الخيار الدولة قدرة مباشرة على تنظيم رحلات استثنائية عبر الخطوط الملكية المغربية أو عبر شركات شريكة، يسمح بإعادة 5000 معتمر تدريجيا إلى وطنهم، وفق جدول يأخذ بعين الاعتبار أعمارهم ووضعهم الصحي.

وإذا كان المعتمرون المغاربة على موعد مع الأزمة يوم الاثنين 16 مارس 2026، فإن المغاربة المقيمين في دول الخليج (مستخدمون، أطر عليا، طلبة، إلخ…)، يعيشون وضعا مختلفا، لأن ارتباطهم بالإقامة والعمل والجامعة، داخل دول الخليج يمنحهم مرونة أكبر في اختيار مسارات السفر. إذ يلجأ المغاربة المقيمون في الإمارات مثلا إلى التوجه عبر البر إلى مسقط بسلطنة عمان، ومنها إلى جدة، حيث يستقلون الطائرة إلى مصر ثم إلى المغرب، أو إلى فرنسا ومنها إلى المغرب.. إلخ.. أما مغاربة الكويت فيذهبون إلى “مطار القيصومة” الذي يوجد على الحدود الكويتية السعودية، ومنه يطيرون إلى مصر او تركيا، في اتجاه المغرب، وهكذا دواليك، مما يعكس قدرتهم الفردية على التكيف مع الظروف الطارئة، بينما تظل وضعية المعتمرين المحاصرين أكثر حساسية وحادة بحكم طبيعة رحلتهم الجماعية وارتباطها ببرنامج منظم.

ومن ثم، فإن السيناريو الأقرب إلى الواقع لحل هذه الأزمة الطارئة يتشكل عبر تضافر الجهود، عبر إجراءات عملية مباشرة تتضمن:  تسجيل المعتمرين، وتوفير إيواء مؤمن وممول، وإطلاق المغرب لرحلات استثنائية أو تأمين مقاعد على رحلات بديلة عبر محاور آمنة، خاصة أن المغرب يتوفر على خبرة واجه من خلالها أزمات مماثلة وله سوابق مشرفة في إجلاء مواطنيه، مما يقدم الدليل على  أن سرعة التنسيق بين السلطات المغربية ووكلاء محليين، فضلا عن الاستجابة المالية الطارئة، كلها إجراءات تصنع الفارق العملي للوصول إلى حل، وهو ما يتطلب إعلان خطط فورية تضع تفاصيل الإيواء والتعويض والطوارئ الطبية والاتصالات القنصلية والديبلوماسية، والبدء الفوري في مفاوضات مع السلطات السعودية من أجل رزمة التسهيلات المؤقتة، إضافة إلى تفعيل أدوات الطيران البديلة عبر شركات تملك قدرة تشغيل على مسارات غير محجوزة يوفّر متنفسا استرجاعيا مع تقليل تكاليف الإقامة الممتدة.

* مدير نشر أسبوعية “الوطن الآن” وموقع أنفاس بريس مقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com