بقلم عبدالعزيز حيون
كاتب وإعلامي من المغرب
لعبة “البارتشي” (El Parchís) في تطوان ليست مجرد تسلية عابرة، بل هي طقس رمضاني بامتياز يجمع بين الحماس و روح الجماعة،و لا تكتمل السهرة إلا بصوت طقطقة “الدادو” (Dado)، المكعب الصغير الذي يولد الأرقام المحددة لتحرك الأقراص الى غاية تحقيق الفوز .
و هي ليست مجرد لعبة حظ، بل هي نبض المقاهي التطوانية العريقة في ليالي رمضان بعد صلاة التراويح ، حيث تمتزج الاستراتيجية بضحكات الأصدقاء، وتتحول “الخمسة” و”الستة” وأحيانا “البيطو” (رقم واحد)إلى مفتاح للفوز أو مادة للمزاح الذي يمتد حتى وقت السحور .
و هي اللعبة التي يعتبرها أهل تطوان ،ومدن أخرى من شمال المغرب ،”تراثا محليا” وهي توحد الأجيال، فتجد الشاب والكهل يتنافسان بكامل التركيز، في أجواء تطبعها روح المنافسة المعنوية و الذهنية من أجل نيل “شرف” الفوز والانتصار على الخصوم بعد مقابلة حامية الوطيس تستعمل فيها كل التقنيات لتجاوز الخصم وتجعل ليل عشاق السمر طويلا بالضحك والمنافسة.
و “ظاهرة” لعبة “البارتشي” ،كهندسة الروابط الإنسانية ،تجعل مقاهي كثيرة من تطوان تتحول إلى “منتديات” مفتوحة، حيث تلعب اللعبة أدوارا شتى ،منها على الخصوص تعزيز التماسك الاجتماعي، فليس غريبا أن تجد شابا في العشرين يلعب ضد رجل مُسِن مما يذيب الفوارق الجيلية ويخلق لغة مشتركة ..
كما أن طاولة اللعب في رمضان تشكل مساحة لتداول الأخبار المحلية و مناقشة أمور سياسية واجتماعية قد لا تخطر على البال ولتبادل القفشات ذات الألفاظ والمعاني الغريبة ،دون الحديث عن ارتباط عشاق “البارتشي” بمقاهٍ مُعينة يمنح الفرد شعورا بالانتماء للمجتمع الصغير .
واللعبة ،التي انتقلت الى تطوان عبر الإسبان الذين سكنوا المدينة ، تحمل في طياتها ميكانزمات نفسية “تساعد” عشاق اللعبة على تحقيق توازن داخلي ،من خلال تفريغ الشحنات و التنفيس .. كما توفر اللعبة قناة آمنة لتصريف التوتر والضغط اليومي من خلال “المنافسة الشرسة ” والمغلفة بالضحك ،وقد يمنح تجاوز أو “قتل”الخصم (معنويا) شعورا لحظيا بالانتصار والتفوق والرضا النفسي.
وقد تعتمد لعبة “البارتشي” على “الزهر” (الحظ) ويتعلم من خلالها اللاعب تقبل “سوء الحظ” والتعايش معه لحظيا ونسبيا ، رغم أن المبدعين في هذه اللعبة والعارفين بخباياها يؤكدون أن اللعبة تعتمد على الاستراتيجية والذكاء ،ويرون أن التركيز في الحسابات والخطوات القادمة هو مفتاح النصر وليس شيئا آخر.
و لا يمكن فصل لعبة “البارتشي”،التي غالبا ما تلعب بأربعة لاعبين (كل اثنين يشكلان فريقا “Compañeros”) ،عن الهوية المحلية ،وهي اللعبة التي انتقلت عبر الاحتكاك ب”الثقافة” الإسبانية وعادات الإسبان في تجزية وتمضية الوقت ، لكن تطوان جعلتها مغربية وأصبحت جزءا من “الأناقة الاجتماعية” ،إذ أن اللعب بالطريقة التطوانية أصبح له قواعد “إتيكيت” خاصة يعتمد على الكلام المُنمق و الفكاهة الذكية وتقبل الخسارة بروح رياضية في انتظار انتصار قادم .
وتكمن الإثارة في كيفية سد الطريق أمام الخصم (“البارّيرا”) وتنسيق الحركات بين الشريكين بشكل ذكي وهو ما يتطلب التجربة والحنكة والخبرة والكثير من الذكاء والممارسة ..و يستخدم اللاعبون مصطلحات إسبانية مُحَرفة أحيانا، تعكس التعايش الإنساني بين الإسبان والمغاربة في المدينة دون الحديث عن أمور تتجاوز نطاق اللعبة في بعدها الثقافي والترفيهي .
وتبقى لعبة “البارتشي” في تطوان خلال رمضان مرادفةً لدفء اللقاءات الإنسانية واللمة الاجتماعية ،و هي خيط رفيع يربط الحاضر بالماضي، ويحول ليالي رمضان في فترات خاصة إلى ذكريات محفورة بصوت “النرد” (الدادو) وطرطقاته وضحكات الأصدقاء التي لا تنقطع .
و هكذا تستمر لعبة “البارتشي” كجزء لا يتجزأ من الهوية الرمضانية التطوانية، صامدة في وجه الألعاب الرقمية الحديثة ،وتعكس خصوصية “الحمامة البيضاء” في “الاحتفاء” بالشهر الفضيل، حيث تمتزج الروحانية بالترفيه الراقي، وتتحول المقاهي إلى فضاءات مفتوحة تصون تراثا لاماديا يتوارثه الأحفاد عن الأجداد بكل شغف .
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































