صِيَغ التجديد والتغيير في ديوان “لا أقبل إلا بتوابل موطني”

5 مارس 2026
صِيَغ التجديد والتغيير في ديوان “لا أقبل إلا بتوابل موطني”

عبدالنبي بزاز

كاتب من المغرب

يزخر ديوان ” لا أقبل إلا بتوابل موطني ” للشاعرة المغربية هناء ميكو بالعديد من المكونات الشعرية التي تعكس امتلاكها وتمكنها من أدوات  الشعر الأساسية ، وهو ما ينم عن قدرتها الفائقة على تطويع هذه الأدوات واستعمالها في أشكال مختلفة لتكريس رؤيتها الإبداعية القائمة على التجديد والتغيير عبرأنماط التعبير وأساليبه ، إلا أنها لم تتخل عن الضوابط والثوابت المتبعة من إيقاع ، ومجاز ، وعناصر بلاغية تساوقت مع تضمين أعلام في مجال التاريخ ، والفن ، والأدب ، وأمكنة بحمولات معرفية ، وفكرية ، وتاريخية وحضارية من خلال  ما نسجته من صور و تعابير تتوسل بالاستيحاء تارة ، وبالمجاز أخرى مما أكسب الديوان ميزات تَفَرُّد تَمَثَّل في رسم أفق إبداعي مختلف ومغاير. 

فعلى مستوى الإيقاع الذي توزع بين ما هو داخلي في مثل : ” قلب حمامة في جب يمامة ” ص11، بحيث توالت حروف الباء ، والميم ، والتاء لخلق إيقاع موسيقى داخلية تكررت أيضا في حرف السين : ” قواميس تتسابق / حروف تتجانس / معالم تتآنس ” ص16، وخارجي كما في : ” نحن الجمال في حد ذاته / في عقر داره / في مكامن جوهره ” ص31، باختتام مقاطع النص بحرف الهاء ، والقافية المشكلة من اللام والألف : ” أبسط له الحبر مقلا / لعله يغرف المعاني جملا ” ص35، وتتابع التاء التي تختتم بها الكلمات في : ” حروف محلقات وكلمات حرات / كوريغرافيا حركات وسكنات ثملات …” ص45، ليتداخل الإيقاع داخليا وخارجيا عبر حرف التاء ، وهو ما يتكرر مع نفس الحرف ، أي التاء ، في نص” فن الميم ” : ” أرغب بحروف محلقات / وكلمات حُرّات / بركان من حركات وسكنات / وحقيبة مطرزة بالبرديات ” ص59، كروي تنتهي به : محلقات ، حُرّات ، سكنات ، بالبرديات ، وتتابعها ، أي التاء، في : كلمات ،  حُرّات ، حركات وسكنات  ، وهو ما يضفي  على بعض مقاطع النص تمازج الإيقاع الداخلي بالخارجي مما يمنحه تنوعا في النبرة  والجَرْس . وموازاة مع ما هو إيقاعي يبرز الجانب البلاغي ، وتحديدا في بعض عناصره  من جناس : ” قطعت أشواطا وأشواطا ” ص 39، وفي قولها : ” أعشق دموعي حبات وحبات … ” ص40، وهو جناس تام ، وطباق في قصيدة ” طعم الخروب ” : ” لها طعم الخروب بين خيال وواقع ” ص38، في مقابلة الخيال للواقع ، والفرح للقرح : ” نغرد الفرح والقرح ” ص30، وتشبيه مرتبط بالأداة : ” انغمست فيه كطفلة فرحة بسكاكر العيد ” ص8، ومجرد منها : ” اشتقت إليك أبي / شوق الزلال إلى مائه ” ص 49، باستعمال المشبه به ( كشوق الزلال ) دون اعتماد الأداة . وارتباطا بما هو بلاغي تضمنت نصوص الديوان تعابير غنية بصور شعرية تعتمد على الاستعارة ، وهو ما يطالعنا بدءا من النص الأول ” صرت امرأة يا أمي” إلى آخر نص ” طيور وماء الخاطر” ، حيث تقول في الأول : ” أداعب الإنسانية بكيان الرحم / أرتدي يقين الإحساس …/ يأخذ الكلمات من ثغر الشمس وحلقوم العتمة… ”  ص5، بمداعبة الإنسانية ، وارتداء يقين الإحساس ، وانتزاع الكلمات من شمس يصبح لها ثغر ، وعتمة يصير لها حلقوم كما تنتقل المداعبة من فعلها البشري بين الأفراد ( كمداعبة طفل صغير مثلا  ) إلى مداعبة مفهوم شامل يتمثل في الإنسانية ، وليقين الإحساس لباس يُرْتدى ؛ وهي استعارة توحي بدلالات رمزية وجمالية متعددة ومتشعبة . لتتوالى الصور داخل نسق مجازي ، مثل ما نقرأ في قصيدة ” زمن اللغط ” : ” جهشت السماء / بندى الأمل / سطر الحلم / أحجام أكوان باسمة ” ص10، في استعارة فعل جهش للسماء وليس بالبكاء بل بندى الأمل ، وتسطير الحلم لأحجام أكوان يفتر ثغرها عن ابتسامة ، وهي صورة متعددة الأوجه والأبعاد ، منفتحة ومتشعبة المعاني لما ترسمه من أشكال وصفية وتصويرية . ونقرأ كذلك : ” لم تبلل مسامع الروح بعطر الأقحوان ” ص27، في استعارة المسامع للروح والتي تبلل بعطر الأقحوان عبر وصف استعاري بنفحة رومانسية تتكرر في قول الشاعرة : ” أجمع ورودا حمراء من ثغر النسر ” ص 28، وما تثيره الصورة والتصوير من تعبير جمالي يتمثل في جمع ورود حمراء مصدرها ثغر نسر ، وإزالة الحزن / كنسه الرابض على مقربة من الغيم : ” أراك تكنس الحزن قرب الغيم ” ص38. وتتوالى الصور بشكل مُطّرد وغزير مما يصعب معه مقاربتها بشكل جامع وشامل ؛ في مثل استعارة البدر للقَدَر: ” قدر …اكتمل بدره ” ص73، وما ينجم عن ذلك من أبعاد ودلالات عديدة ومتنوعة . وهو ما يتواصل إلى آخر نص في الديوان  ” طيور وماء الخاطر ” ، والذي تتعدد فيه الصور بشكل مجازي استعاري : ” أشباح الوجد ترقص على خيباتها ” ص77، فالوِجْد كإحساس يصبح له أشباح ترقص على إيقاع الخيبات والانكسارات ، وللشجر حاسة سمع وإنصات تغوص في الأغوار البعيدة : ” لحاء الشجر … / تنصت لصمت الأعماق/ وتغوص في هدوء صخب الروح  … ” ص79 ، مصيخة السمع ، متعمقة في سراديب أجواء روح مفعمة بهدوء صاخب ، وسكينة متعددة الأصوات .وكما سبقت الإشارة فإن العنصر المجازي برز بشكل كبير داخل المتن الشعري للديوان من خلال ما رسمه من صور وأشكال وقد مثلنا لبعضها حسب ما تسمح به حدود هذه القراءة . بالإضافة إلى عناصر وموضوعات أخرى ساهمت في تنويع نسيج المتن الشعري بما أضفته عليه من معاني ودلالات ، منها ما هو تاريخي مستوحى من التراث العربي مثل حرب البسوس التي دارت رحاها بين قبيلتيْ بكر وتغلب في العصر الجاهلي وهي حرب سببها مقتل ناقة لجار امرأة من بكر تدعى البسوس ، وامتدت لأربعين سنة : ” لا خوف عليه من حرب  البسوس ” ص56، استلهاما لحدث تاريخي مستوحى من الحقبة الجاهلية . واستيحاء لأسماء أعلام بارزين في مجالات متعددة ؛ كعلي بن أبي طالب في مجال الدين والسياسة  في قولها : ” صدق علي بن أبي طالب … ” ص7، والإسكندر المقدوني ملك مقدونيا وأحد قادتها العسكريين المرموقين : ” صرت تخبط خبط عشواء والإسكندر الأكبر شاهد !!!” ص 18،والنبي أيوب الذي ارتبط اسمه عقديا ودينيا بالصبر على بلاء المرض ، وتحمل مضاعفات آلامه : ” ترسم صبر أيوب / مدادا متوغلا / في بحر الآهات … ” ص38، وأدباء من التراث الإغريقي القديم كصاحب الأوديسة  هوميروس  : ” أستشعر أوديسة هوميروس ” ص75، والتراث الصوفي العربي ممثلا في الحلاج أحد رموزه وأساطينه ، والشعر العربي الحديث في إشارة لأحد أكبر أعلامه وهو الشاعر الفلسطيني محمود درويش : ” تصوف حلاج / وحداثة درويش ” ص 76، مع ذكر أنماط لمنجزات أدبية في قصائد كالمعلقات في الشعر الجاهلي ، وقصيدة البردة لكعب بن زهير في مدح الرسول (ص) ، والأديب والروائي الفرنسي إيميل زولا  وروايته الشهيرة جيرمينال : ” يكتب معلقة أو بردة أو يصمت / يقرأ جيرمينال ” ص56، وفن الموسيقى العربية في شخص الرحباني كأحد أعلامها الكبار: ” يعزف موسيقى الرحباني ” ص58، فينتقل الاستيحاء إلى الأمثال العربية الشائعة ،والمأثورة وما تختزله من حِكَم ، وعِبَر كما نقرأ في : ” لا يعرفها إلا من بلغ به السيل الزُّبى ” ص25، في دلالة على تجاوز الحدود المسموح بها ، ويُسْتَشَهد به في وقائع وأحداث تفرزها سياقات معينة . ومن النص القرآني حيث تقول : ” يمينها وشمالها برزخ لا يبغيان ” ص27، المأخوذة من سورة “الرحمن” : ” بينهما برزخ لا يبغيان ” . كما ورد ذكر أسماء أنهار مغربية وعربية ؛ كنهر أم الربيع ، وأبي رقراق ، والنيل ، والفرات . وجبال مثل الهمالاليا الواقعة بنيبال ، والهند ، والصين ، وبوتان ، ومآثر تاريخية لمدينة مكناس المغربية كباب منصور ، وصهريج السواني ، وروامزين ، وباب بردعاين ، وباب بوعماير ، وحمرية وعين السلوقي التي تزخر بحمولات رمزية ، وتاريخية وحضارية شكلت عراقة وأثالة  الحاضرة الإسماعيلية. واحتوت كذلك  ثنايا النص العديد من الثنائيات الضدية صيغت بأساليب تعبيرية مختلفة  في مثل : ”  فصاحتي تتلعثم ” ص15، وهو تعبير يثير العديد من تساؤلات لا تخلو من استغراب  إذ كيف للفصاحة بمرجعياتها البيانية أن تتلعثم ، وتتعثر في الإفصاح ؟! ومتضادات أخرى تتمثل في الوهم والحقيقة : ” كن وهمك … / كن حقيقتك … ” ص22، والفرح والقرح : “نغرد الفرح والقرح ” ص30، والحركات والسكنات : ” بركان من حركات وسكنات ” ص59، بما تحمله من أبعاد دلالية ورمزية منفتحة على شتى أنواع القراءة والتأويل . ومن ضمن العناصر التي استخدمتها الشاعر عنصر السؤال كمكون مرتبط بأمكنة ذات مغزى فني  ومعرفي حيث تتساءل : ” أين مرسمي ؟ / أين مشتلي ؟ / أين مكتبي المهترىء ؟ ” ص 63 ، وما يرمز إليه المرسم كفضاء لتشكيل اللوحات، والمشتل كتربة لزرع الأفكار والخواطر … ومن ثمة تغذيتها بروح الحس والفكر لتنمو وتتطور وتتبلور  ، وتصوير المكتب في حالة مزرية ، وما يعكسه ذلك من عدم عناية واهتمام بشكله ومظهره ، وهو ما يجسد التركيز على العمق والجوهر بدل الصورة والهيئة الخارجية ، وهي أسئلة تذود عن ثبات المواقف ، وتتصدى لكل أساليب الاختراق والمناوشة التي تروم زعزعة أسسها ، وتقويضها ، كما تشكل حصنا منيعا لما تنتجه الذات المبدعة من معاني تنشد التعبير الهادف والصادق كما يختزل ذلك قول الشاعرة : ” أسئلتي ترابط في الجبهة / تحرس المعاني ” ص63.

لنخلص في الأخير إلى أن ديوان ” لا أقبل إلا بتوابل موطني ” يصدر عن حس جمالي غني ومتنوع اعتمد عناصر إيقاعية وبلاغية ودلالية بلغة تجديدية في عمقها ومعانيها تتغيا آفاق التغيير عبر صِيَغ وأنماط مختلفة في التشكيل والتعبير الشعريين.

عبد النبي بزاز

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لا أقبل إلا بتوابل موطني ( ديوان شعري ) هناء ميكو / مطبعة دار القلم ــــ الرباط 2026.

ـ

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com