يونس طير

كاتب من المغرب
إلى سيليا الروزي، تلك الصغيرة التي توازي الدنيا عند عمر؛ والدها الخيميائي
” حاولت غير مرة، أن أنغلق داخل نسق؛ كي أمارس الوعظ من داخله “
شارل بودلير
هذيان شبيه بالدواء:
مر المساء بسرعة العمر كله. عبر – أو هكذا تهيأ لي – من زمن يتأَفَّف نحو آخر يتجهم بوجهه كقيظ الصيف القديم. درَّب ملامح وجهه مرات ومرات، ليرسم ابتسامة لهذا المنفى الفجائي الشرقي والبارد جدا. وأشعل سيجارة في وجه تمثال يمجد ملامح جافة وسط كلية الصيدلة. حضرته شمس البلد البعيد، فانقبضت أساريره مذاك وللآن.
في هذا اليوم المسكون ببخور الأدوية تأخر الرحيل – رحيله- نحو الهاوية المعتادة. سينتظر إذن بوصلة القدر الأعمى، ومجازا ما عابرا. قرر حينها أن يلهو في ذهنه بصورة نهر/ نهد بارد كأيام مواعظ الطفولة..
خاطب التمثال البارد:
يا الدواء؛ يا ثعبانا يحرس التركيبة.
يا الخيال الذي يعرفني.
يا منفى الخيال الذي لا أعرفه: دع صورة صاحبي الذي يظهر ويختفي يسرق ذُرة الحقل الأصفر. وقصِّر سُمك جدار هذه الحياة، حتى يتسنى له أن يقفز نحو جلباب الجندي المرقع بجلد الأنبياء. دعه – باسم الكلمة- يملأ رئتيه برائحة الصلاة القديمة، ويتلمس حائطا يؤدي لفناء تحرسه زيتونة.
أم كلثوم: الحياة التي كانت، وسكنت فجأة تربة المكان المقدس.
هي/ هو:
يا لوعة الزمن المسكون بالبرد والفقد.
يا الهواء الرطب.
يا كابوس الحياة حين صبغها حزن الأبد.
يا الغياب الذي يَهتِرُ به كل نفَس.
يا اليوم الذي أشعل النار في العواطف
ولوح القدر
والأحلام
والأشياء
والزمن كله.
أم كلثوم: يا مقبرة الروح والجسد معا..
رتيب هذا العبث، وهذا الحريق لا ينفك يتمدد في العروق
والصحف الأولى.
في كلمات الله
وجنبات الخمارات البئيسة.
سيان،
لا جدوى،
أُفولٌ ولا شيء..
أم كلثوم: تلك التراتيل التي اضمحلت لحظة الولادة. لماذا تحضره كبرد الشرق؟
هزأ صاحبي -كعادته- بالعاطفة، ورمى بنَربَزة معطف اللعنة الشبيهة بالأزل على ظهره. وصار رفيقا لبئر يتعرى لجوفه المترب دون احتشام.
كان يشتم الحقيقة كما لم يفعل أحد، ويدنس الفضيلة التي تبدت له ذات بعض صلاة غارقة في الغباء.
مزق ورقة توت كانت تربطه بالسكينة،
وأكل نصف صدره، وأتبعه ربعه الآخر،
ونام مثل نجمة بعيدة.
- ما أمَرَّ لحم الحقيقة وما أتعس المفاهيم التي يسكنها الغبار..
– الزمن؟
– لا حيلة مع الزمن..
سافر أو اضمحل مع لحن يتغنى بالهوية أو ربما بالهاوية، واختار فتنة النهر الذي تحرسه ابتسامة سيليا؛ النهر القريب / البعيد من الجبل.
تبخر ليُشكل مثل فدائي مطر الشتاء المقبل. امتلأ فمه بالنبيذ المر ودفن جذر ليمونة في نعشه. ومثل المجنون تذكر حقل الذاكرة الذي زرعه في فناء حديقته، ودندن لِحِنَّاء تصبغ شعره وما تبقى من اللغة:
هو/ هي:
صاحبي الذي يظهر ويختفي.
يتيم كالزمن الذي كان،
كَمكِيدة في الصحراء.
وكشهوة يفتك بها الليل.
غابة سوداء: والهواء كان ملامح أمه،
ولا أطراف لهذا الجسد..
لا جسد يحمل جوقة أطرافه.
غائبة كل اللغة وهذا العالم بلا جدوى.
الصاحب الذي يقتل ظله حين تحضر أم كلثوم.
وهذا العمر الذي يسكن حليب المرأة الأولى،
ويسكنه
جف كوعد كاذب.
جف، جف
يحمل دمعته اليتيمة ويهرع لخصلة تتسرب من قبر ما، يتلو صلاة، ويبتسم للذكرى . يحرق مِلْحا وقطعة خبز ويتبع طريق العشب الأصفر، أو ربما كان أخضرا: الحلم مقبرة الألوان ، ربما.
يصرخ الكيان الذي يقتات على ظله: هنا، لا سلطة للراوي، حضوره كغيابه..
صار الحلم ذاكرة مهجورة. شعر بالجوع والْتَهم سحابة تسكن عُش عصفور. لملم بقاياه ولعن أرضا أصابته بالحُمى. غاب في دوامة قصيدة وابتسم نصف ابتسامة لفتنة الطريق.
شرود آخر في الظل..
هزيمة كاليَبَاب،
ورقصة أخيرة تشبه سيليا؛
تشبه الحب.
لا عرس في القبيلة.
حرائق/ صفحات كتب يداعبها الريح،
لا أيادي لتدفئها..
ولا جدوى، كصوت السماء.
لا جدوى.
ومرة أخرى كان الشعر وليد النهود الممتلئة بالحليب، ومرادفا للاشيء. والنثر كان كلمة الله الأولى والأخيرة وكل شيء.
الراوي؟ على غير عادته: لا ملاذ له هاهنا. هكذا نادى المُقْتات على الظل. كان يدخن كأحمق، ويحملق في الكيان الشبيه بالفرح والمكيدة والكلمة.



















































