ثمن هتاف “الموت لأمريكا” داخل البرلمان العراقي

8 مارس 2026
ثمن هتاف “الموت لأمريكا” داخل البرلمان العراقي

برلمان الشعارات… حين يعلو الهتاف ويغيب منطق الدولة

فاروق الدباغ 

ما جرى تحت قبة البرلمان العراقي لم يكن لحظة انفعال عابرة، بل مشهدًا مكثفًا لأزمة سياسية عميقة يعيشها النظام العراقي منذ سنوات. أن ترتفع هتافات “الموت لأمريكا” داخل مؤسسة يفترض أنها تمثل الدولة بكل مكوناتها، فذلك لا يكشف موقفًا سياديًا بقدر ما يكشف ارتباكًا في فهم معنى الدولة نفسها.

الدول لا تُدار بالشعارات، ولا تُبنى بالهتافات، ولا تُصاغ سياساتها الخارجية عبر الانفعالات الجماهيرية. الدولة تُدار بالمصالح، بالحسابات الدقيقة، وبإدراك موازين القوى. أما تحويل البرلمان إلى منصة لترديد شعارات أيديولوجية، فهو هروب من مواجهة الأسئلة الحقيقية التي يعانيها العراق: الفساد، السلاح المنفلت، الاقتصاد الريعي، وارتهان القرار السياسي لصراعات المحاور الإقليمية.

ردّ السفير الأمريكي الأسبق لدى العراق Zalmay Khalilzad لم يكن مجرد تعليق دبلوماسي عابر، بل تذكير فجّ بحقيقة تاريخية يتجنب كثيرون الاعتراف بها: الطبقة السياسية التي تحكم العراق اليوم وُلدت في ظل التحول الذي أعقب عام 2003. سواء اتفق العراقيون أو اختلفوا حول تلك المرحلة، تبقى حقيقة أن النظام السياسي الحالي تشكّل في سياق دولي كانت الولايات المتحدة فاعله الأكبر.

المفارقة الصارخة أن بعض القوى التي تستفيد من هذا النظام وتدير مؤسساته وتشارك في حكوماته، تواصل في الوقت ذاته استخدام خطاب عدائي شعبوي موجه لجمهورها. إنها ازدواجية مكشوفة: خطاب تصعيدي على المنابر، وتنسيق سياسي وأمني واقتصادي خلف الأبواب المغلقة.

إذا كانت الشعارات العدائية تمثل سياسة رسمية، فلماذا تستمر الاتفاقيات الأمنية؟ ولماذا يتواصل التعاون العسكري؟ ولماذا تبقى القنوات الدبلوماسية مفتوحة؟ أما إذا كانت مجرد شعارات للاستهلاك المحلي، فالأخطر أنها تكرّس ثقافة سياسية تقوم على تضليل الجمهور بدل مصارحته بحقائق المصالح الوطنية.

الهتاف أسهل من بناء الدولة. والصراخ لا يصنع سيادة. السيادة تُبنى حين تحتكر الدولة السلاح، وتفرض القانون، وتحمي المال العام، وتمنع تحويل مؤسساتها إلى ساحات نفوذ لقوى خارجية. أما الاكتفاء بالشعارات، فليس سوى تعويض لفظي عن عجز سياسي مزمن.

المشكلة ليست في اختلاف العراقيين مع السياسات الأمريكية، فهذا حق مشروع لأي شعب. المشكلة حين يتحول الخلاف السياسي إلى مسرحية خطابية، بينما تبقى بنية الدولة هشة، وقرارها موزعًا بين الولاءات، ومصالح مواطنيها رهينة صراعات لا يملكون قرارها.

ما حدث في البرلمان ليس استعراض قوة، بل اعتراف غير مباشر بضعف الدولة. فالدولة الواثقة من سيادتها لا تحتاج إلى إثبات وجودها بالصوت العالي، بل بقدرتها على فرض النظام وبناء مؤسسات مستقلة وصياغة علاقات دولية متوازنة.

العراق لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج. يحتاج إلى طبقة سياسية تتحدث بلغة الدولة لا بلغة المنابر، وتتصرف بمنطق المصالح الوطنية لا بمنطق تعبئة الجمهور، وتدرك أن العالم لا يُدار بالشعارات بل بميزان القوة والمصالح.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com