تطوان في رمضان و احترافية التسول

8 مارس 2026
تطوان في رمضان و احترافية التسول

تطوان في رمضان: بين طهرانية الروحانيات وزحف “احترافية التسول”

بقلم: عبد العزيز حيون

كاتب وصحافي من المغرب 

من المؤسف حقا أن نرى ظاهرة “التسول الاحترافي” بتطوان تتحول في شهر رمضان، شهر الرحمة والمغفرة وصفاء النفوس وتقارب القلوب ، إلى نوع من “الإلحاح” الذي قد يخرج عن إطاره الإنساني والاجتماعي الصرف .

فرمضان في تطوان له “نكهة” خاصة جدا تتميز بالوقار والهدوء، إلا أن انتشار ظاهرة ” التسول الاحترافي ” بشكل مبالغ فيه يَخْدش هذا الصفاء الروحاني والجمالي الذي تتسم به “الحمامة البيضاء” كباقي المدن العتيقة للمغرب المتشبث بأصالته.

و هذه الظاهرة السلبية ، رغم أنها قد تَنبُع أحيانا من حاجة حقيقية، إلا أنها ،للأسف ، تحولت إلى “مهنة مدرة للدخل ” تستغل عواطف الصائمين ورغبة الناس في الأجر من أجل الكسب السهل والاستغناء السريع ،وتغطي في الواقع على المحتاجين الذين لا يملكون ما يكفي لسد احتياجاتهم الأساسية ولا يجدون كسبا يُغنيهم .

فبدلا من أن يكون رمضان فرصة لتعزيز التكافل الاجتماعي والتضامن و تضييق الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بين الناس وتعزيز الاستقرار المجتمعي، يبرز “التسول الاحترافي ” ،كظاهرة سلبية تُثير القلق وتُؤثر سلبا على الأجواء الروحانية في شهر العبادات .

ومن أبرز مظاهر هذه الظاهرة “السوسيواقتصادية” السلبية الاستغلال العاطفي والموسمي للأطفال والرضع وذوي الاحتياجات الخاصة، الذين نراهم في الشوارع لساعات طويلة، خاصة في أوقات الذروة (قبل الإفطار) وبعد التراويح ، لاستدرار عطف المارة ،وكذلك عبر التظاهر بالمرض أو العجز واستخدام تقارير طبية (غالبا ما تكون مزورة وغير حقيقية ) أو أجهزة طبية كواجهة لجذب الانتباه.

ويعمد المتسولون المحترفون الى إغلاق شبه كلي لأبواب المساجد وممرات الأسواق و كسر قُدسية المكان بالوقوف وإلقاء “كلام تمويهي مؤثر” لطلب المساعدة المالية واستجداء عطف المصلين وإثارة الشفقة ومُغالطة الناس .

كما يكثر للأسف في مدينة تطوان الفاضلة خلال شهر رمضان “التسول المُقنع” ،إما من خلال بيع سلع رمزية ،مثل المناديل أو الملح أو السواك ،بأسعار “رمزية”، حيث يكون الهدف الحقيقي هو الحصول على “الإكرامية” وليس بيع السلعة ..وكذا التواجد المُكثف عند إشارات المرور وفرض خدمة معينة على السائقين بشكل يصل إلى المضايقة.

وما يُميز “التسول الاحترافي” في تطوان ،كما هو الحال في باقي مدن المغرب بدون أدنى شك ،التوزيع الجغرافي المدروس والمُحكم للمتسولين والفهم العميق لتدفق الحشود وسيكولوجية العابر لتحقيق أعلى “عائد ” مُمكن .

والغريب في الأمر أن هذا التوزيع المكاني يتبع “خريطة ” زمنية ومكانية دقيقة تستغل تدفق المتسوقين والمصلين والروحانيات العالية ،كما يخضع هذا التوزيع ل”نفوذ مجالي “غير مُعلن أو مُعلن ،حيث تحتكر مجموعات أو أفراد نقاطا بعينها لمدة (أماكن سيادية) وتنتقل هذه النقاط ك”حق استغلال مُكتسب ” بين أفراد العائلة الواحدة أو “أصحاب المصالح المشتركة ” أو “المجموعات ذات النفع الاقتصادي”.

ويعمد المتسولون الى التمركز أمام المخابز وأسواق التقضية والمحلات التجاري لاستغلال حالة “السخاء” لدى الناس وهم يشترون مستلزمات الإفطار أو السحور لذويهم .

كما يتواجدون بذكاء ماكر عند مواقف السيارات وأبواب المستشفيات والعيادات الطبية والصيدليات و الصرافات الآلية وأبواب الوكالات البنكية و ترقب خروج الأشخاص بعد سحب النقود، مما يسبب إحراجا كبيرا للمواطن في شهر مبارك يزداد فيه منسوب العطاء والتصدق وصور التكافل والرحمة وإنفاق المال تقربا الى الله لدفع البلاء والفوز برضا الله ومضاعفة أجر الصيام و تكفير الذنوب.

وفي غالب الأحيان لا يميز المُتَصدق خلال شهر رمضان ،على وجه التحديد ، بين المحتاج الحقيقي والمتسول “المحترف” رغم أن الفرق قد يكمن غالبا في “الإلحاح” ،فالمُتعفف لا يسأل الناس إلحافا ولا يُلِح في طلب العطية والاستجداء من الناس وهو أشدهم حاجة ،فيما المحترف يُظهِر غير ما يُبطِن و يمتلك مهارات تمثيلية ويرفض الطعام إلا أغلاه وأجوده ويُصر على المال، ويتنقل بين أماكن مختلفة بشكل مُنَظم ومُنْتظم ومُخَطط .

وفي الحقيقة ،وأمام هذا الواقع المسيئ لحُرمة الشهر الفضيل يُسْتحَب توجيه الصدقة لمستحقيها الفعليين، و يُفضل التعامل مع الجمعيات الخيرية ودور العجزة والمسنين ودور الأيتام المعتمدة أو منصات التبرع الرسمية التي تضمن وصول أموال أصحاب الصدقات لمن هم في أمسّ الحاجة إليها فعلا .

والمتسولون في المدن العتيقة ،على وجه التحديد، لا يختارون المكان اعتباطا بل يختارون “الخلفية الرمزية والبصرية”،لتعزيز الرسالة الروحية التي يحاولون إيصالها ،مما يجعل عملية العطاء تبدو كجزء من الطقس الديني للمكان .

وإذا كان ديننا يحث على الصدقة والرأفة والإحسان ، إلا أن “الاحتراف” في التسول يجعل من الصعب على المحسن التمييز بين المحتاج الحقيقي وبين من يتخذ من رمضان موسما للربح السريع ،ما يجعلنا نلمس جوهر التناقض بين قيم العبادة وواقع الاستغلال ،في وقت يفترض أن يكون رمضان شهرا للارتقاء الروحي والسكينة .

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com