بعد إيران… هل يفتح التاريخ نافذة العراق؟

13 مارس 2026
بعد إيران… هل يفتح التاريخ نافذة العراق؟

فاروق الدباغ 

في عام 1989، حين سقط جدار برلين، لم يكن المشهد مجرد حدث ألماني. في تلك اللحظة كانت دول أوروبا الشرقية تخرج ببطء من ظل قوة كبرى هي الاتحاد السوفيتي. لعقود طويلة كانت تلك الدول تدور في فلك موسكو سياسياً وأمنياً واقتصادياً. الحكومات تتشكل وفق ميزان الولاء، والمؤسسات تُبنى بما يخدم النفوذ الخارجي، والقرار الوطني يبقى دائماً محدود السقف. لكن ما إن ضعفت تلك القبضة حتى بدأت مرحلة طويلة من إعادة بناء الدولة والمجتمع، مرحلة لم تكن سهلة، لكنها أعادت لتلك الدول شيئاً من سيادتها ونسيجها الوطني.

هذه القصة ليست بعيدة تماماً عن العراق اليوم.

فعلى مدى أكثر من عقدين لم يكن العراق يعيش مجرد أزمة حكم أو فساد إداري، بل كان يعيش ما يمكن وصفه بـ اختطاف الدولة. فالمؤسسات لم تعمل بوصفها مؤسسات دولة حديثة، بل تحولت إلى مساحات نفوذ لشبكات حزبية وميليشياوية ومالية تشكلت في ظل نظام المحاصصة. هذا النظام لم يكتفِ بتقسيم السلطة، بل أعاد تشكيل مفهوم الدولة نفسه: الدولة لم تعد مشروعاً وطنياً بل أصبحت غنيمة موزعة بين القوى المتنفذة.

لكن هذا النموذج لم يكن قادراً على الاستمرار لولا عامل إقليمي حاسم: النفوذ الإيراني. فمنذ عام 2003 تشكلت في العراق منظومة سياسية وأمنية وثقافية مرتبطة بطهران بدرجات مختلفة. ومع مرور الوقت لم يعد هذا النفوذ مجرد علاقة سياسية، بل تحول إلى بنية نفوذ عميقة داخل القرار العراقي.

اليوم، ومع الحرب الدائرة وما قد ينتج عنها من إضعاف استراتيجي لإيران، يقف العراق أمام لحظة مفصلية. ليس لأن واشنطن ستعيد تشكيل المنطقة بالضرورة، بل لأن المعادلة التي حكمت العراق طوال عقدين قد بدأت تهتز.

إذا خرجت إيران من هذه المواجهة وهي منهكة اقتصادياً وسياسياً، فإن قدرتها على إدارة شبكة نفوذها الإقليمية ستتراجع. وفي تلك اللحظة ستظهر في العراق مساحة سياسية جديدة، مساحة لم تكن متاحة سابقاً. السؤال الحقيقي ليس إن كانت هذه المساحة ستظهر، بل من سيملؤها.

التاريخ العراقي يعلمنا أن الفراغ السياسي لا يبقى طويلاً. إما أن تملأه قوى وطنية قادرة على إعادة تعريف الدولة، أو تعود القوى نفسها لإعادة إنتاج النظام القديم بوجوه جديدة.

لكن ثمة فرصة حقيقية هذه المرة. فالمجتمع العراقي نفسه تغيّر. جيل كامل نشأ بعد 2003 لم يعد يحمل نفس المسلمات القديمة. هذا الجيل رأى نتائج المحاصصة، ورأى كيف تحولت الأحزاب إلى شبكات توزيع للمناصب والموارد، ورأى كيف تم استخدام الدين والطائفة كغطاء لصراع السلطة.

ومن هنا تبدأ المسألة الحقيقية: معركة الوعي.

فالعراق لا يحتاج فقط إلى تغيير سياسي، بل يحتاج إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. دولة تقوم على الكفاءة لا الولاء، على المواطنة لا الطائفة، وعلى الاقتصاد المنتج لا اقتصاد الغنيمة.

ولن يكون الطريق سهلاً. فالنظام الذي تشكل خلال عقدين لن يتخلى عن امتيازاته بهدوء. ستظهر مقاومات، وستظهر محاولات لإعادة تدوير النخب نفسها تحت شعارات جديدة.

لكن اللحظات التاريخية لا تأتي كثيراً. وإذا دخلت المنطقة فعلاً مرحلة ما بعد إيران كقوة مهيمنة في العراق، فإن البلاد قد تجد نفسها أمام نافذة نادرة لإعادة بناء الدولة.

السؤال الذي سيحسم المستقبل ليس ما الذي ستفعله واشنطن أو طهران، بل سؤال أبسط وأصعب في الوقت نفسه:

هل يملك العراقيون هذه المرة الشجاعة السياسية والفكرية لتحويل الفرصة إلى مشروع وطني؟

فالتاريخ يمنح الفرص… لكنه لا يضمن لمن لا يستعد لها أن يحتفظ بها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com