الموصل… الحاضرة و الدولة

15 مارس 2026
الموصل… الحاضرة و الدولة

ربيع الحافظ

ليست كل المدن سواء. فبعضها يسكن الجغرافيا، وبعضها يصنع التاريخ. والموصل من الصنف الثاني؛ مدينة كلما ظنّ الناس أنها انكسرت، عادت لتعيد تعريف ذاتها. اليوم، وفي لحظة إقليمية مضطربة، تبدو الموصل واقفة عند مفترق تاريخي جديد، لا تسأل فيه كيف تنجو، بل كيف تستعيد موقعها.

الحواضر لا تموت حين تسقط الدولة، بل تتيتم. واليُتم في حياة الحواضر ليس نهاية، بل اختباراً لطبيعة مجتمعها. فالمجتمع هو روح الحاضرة، والدولة إطارها المنظّم. فإذا غاب الإطار، بقيت الروح تبحث عن صيغة تحفظ بها ذاتها. عندها تتقدم المدينة على الدولة، ويتحوّل المجتمع من متلقٍّ للحماية إلى منتج لها.

شرعية الحاضرة في زمن انهيار الدولة

تمثل الموصل مثالاً بارزاً لذلك. ففي عام 1743، حين حاصرها نادر شاه في طريقه لمنازلة الدولة العثمانية، تصدت له المنظومة الأسرية بقيادة حسين باشا الجليلي، فملأت الفراغ الإداري الذي خلّفه ضعف الدولة آنذاك. لم يكن صمود المدينة مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة تأسيس رمزية لعلاقة خاصة بين الحاضرة وقيادتها المحلية.

في تلك اللحظة تكرّست شرعية القيادة المحلية بوصفها الأقرب إلى المجتمع والأقدر على إدارة الأزمات عند ضعف الدولة، وتداخل المجتمع بالسلطة، وترسخت فكرة أن الأسر والأعيان يشكلون معاً بنية حماية ذاتية. كما عززت المرحلة طابع المدينة الجامع، إذ فتحت أبوابها أمام أهالي القرى المسيحية للاحتماء داخل أسوارها من سياسة الأرض المحروقة لنادر شاه، فاختار البعض الاستقرار في الموصل بعد انتهاء الحصار ليصبحوا جزءاً من نسيجها الاجتماعي، ما عمّق دورها كصمّام أمان لعموم لولايتها وليس مركزها فقط.

القائلون بأن ذاك زمن مضى بخصوصياته وظروفه مصيبون ومخطئون، صحيح أن نادر شاه فشل في اقتحام الموصل وأنها اليوم واقعة تحت نفوذ مليشيات تتحكم بمفاصل الحياة فيها، غير أن البحث عن القواسم المشتركة لا يزال مشروعاً؛ إذ قد تختلف الأشكال، لكن الآليات الاجتماعية الكامنة تتشابه.

من الإدارة الجليلية إلى الفعل الأهلي

ما قامت به الإدارة الجليلية المركزية في الموصل الحرة من ملء لفراغ الدولة، تتولاه اليوم الأسر في الموصل المحتلة بصيغة لا مركزية؛ مدينة خرجت مثقلة بخراب معارك إخراج داعش، ثم وجدت نفسها تحت سيطرة المليشيات. غير أن الغاية في الحالتين واحدة: حماية الحاضرة من السقوط في دوامة الانحلال.

ولافت أن استحضار حسين باشا الجليلي في الذاكرة الشعبية يقترن اليوم برواد العمل الخيري الذين يسعفون المدينة، كما تُستدعى رابعة خاتون الجليلي رائدة العمل الخيري في الإدارة الجليلية وذلك في سياق الحديث عن ريادة النساء الموصليات في مشاريع العمل الخيري. هذا الاستحضار ليس مجرد مقارنة عاطفية، بل مؤشر على إدراك عميق لوحدة الآلية عبر اختلاف العصور وهو _ في مفهوم التخطيط _ أكثر من نقطة المنتصف على طريق بلورة الحلول.

فقد أعيد بناء الجوامع والمدارس، ونُظّمت الحملات الإغاثية، ووُفّر الدواء المجاني للمتعففين، ورُعي الأيتام والأرامل، وأُطلقت برامج للتأهيل المهني. كما نشأت مراكز تفكير تؤدي دوراً يشبه أجهزة إدامة الحياة؛ تحفظ النبض الاجتماعي إلى أن يستعيد الجسد عافيته، إلى جانب صالونات تعقد في بيوت الأسر تحضرها النخب وتفكر لمصلحة المدينة. هذا الفعل الأهلي لا يعكس حنيناً إلى الماضي بقدر ما يعبر عن استمرار آلية اجتماعية تاريخية: إدامة أجهزة المجتمع حتى لحظة التغيير.

من تجسير الماضي إلى صناعة المستقبل

لقد نجح أهل الموصل في تجسير الحاضر بالماضي، مستندين إلى ذاكرة تاريخية لم تنقطع، وإلى خبرة اجتماعية راكمتها المدينة في مواجهة الانقطاعات المتكررة. غير أن استعادة الماضي، على أهميتها الرمزية، لا تكفي في زمن تتخذ فيه الغارات أشكالا متجددة، وتأتي من منافذ لم تكن مألوفة في السابق. فالتاريخ لا يُستدعى بوصفه حنينا، بل بوصفه خبرة في إدارة اللحظة الحرجة.

 إذا كان التجسير بين الماضي والحاضر تجسيراً تفسيرياً، فإن التجسير بين الحاضر والمستقبل هو فعلٌ وقائي؛ أي تحويل الخبرة التاريخية إلى بنية استمرارية تمنع الانقطاع. فالقاسم المشترك بين 1743 و2026 لم يكن حدثاً بعينه، بل آلية اجتماعية متكررة: إبقاء أجهزة المجتمع فاعلة حتى لحظة التحول، والحفاظ على انتظام الحياة العامة، وصون شبكة العلاقات والمؤسسات ريثما تمرّ العاصفة. وهذا المبدأ ذاته يمكن أن يشكّل معيار المرحلة المقبلة، كلما تجددت التحديات بأسمائها المختلفة.

فالحواضر اليقظة لا تصف الماضي فحسب وإنما تستشرف المستقبل.

الموصل كنموذج حضري ممتد

دراسات التاريخ العثماني للموصل تشير إلى مهارة أهلها في إدارة شؤونهم ضمن فضاء إقليمي أوسع من الحدود السياسية الضيقة. كانت الموصل أكبر سنجق في الدولة العثمانية، وأسند إلى قادتها أدوار عسكرية وإدارية خارجها (قاد أمين باشا الجليلي الجيش العثماني في الحرب ضد روسيا وتولى حسين باشا الجليلي إدارة ولايات في الأناضول). وبعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة، غدت الموصل درة تاج الدولة.

المدن الكبرى ليست وحدات إدارية، بل مراكز ثقل حضاري. وحين تتوافر لها شروط الفاعلية، تتحول إلى مفتاح يفتح سائر الأقفال. 

حين يعيد التاريخ ترتيب الحاضرة

 تبدّلت الموصل كثيراً حين تولى مجتمعها ملء فراغ الدولة منذ عام 2003 فقد قدم الميسورون أموالهم لتمويل إعادة البناء، وساندهم الأبناء المغتربون، فيما تجاوزت حماسة الإعمار وروح الإبداع لدى شيبها وشبابها، رجالها ونسائها، كل التوقعات ونالت الإعجاب. لقد عاد أهل الموصل كما وصفتهم الباحثة الأمريكية المتخصصة بالتاريخ العثماني للموصل في كتابها: كالنحل يشيدون خلايا مخمسة الأطراف.

غير أن تبدلات أخرى تبعث على القلق ما تزال قائمة، ولا يصح التهوين من شأنها. قسم مهم منها يرتبط عضوياً ببقاء المليشيات، فيما تتحمل الموصل قسماً آخر لسنوات قادمة ويبقى بعضها ندوباً في جسدها؛ وتلك هي من سنن الحواضر.

الغارة ومنعرجات النهوض

فبغداد بعد هولاكو لم تكن، في تكوينها الاجتماعي، بغداد ما قبله، كما تغيّرت ملامحها بعد الحقبتين البويهية والصفوية. غير أنها عادت في القرن العشرين عروسا للشرق، وحلما لمن جاورها: يشتهى الإقامة فيها، ويقتدى بطباع أهلها، ويقلد لهجتها، ويتأنَّق بأناقتها، بل ويدَّعى الانتساب إلى أنسابها. وظل اسم بغداد رديفا للرفاهية في الخيال العربي، حتى غدا التبغددُ وصفا للدَّعة ورمزا للعيش الرغيد. ومثلها القاهرة بعدما حررها صلاح الدين من الحكم العبيدي، وبلاد الشام بعد الصليبيين، وإسطنبول بعد احتلال الأوروبيين لها في الحرب العالمية الأولى؛ إذ وصف أحد زوارها الأوروبيين حالها بالقول: ذهب وقار الإسلام وبرز الإلحاد.

المدينة قبل النظام 

هذه الحواضر خضعت إلى اجتثاثات طائفية وسكانية وفساد إداري واقتصادي على نحو ما يحدث في حواضرنا اليوم تحت نفوذ المليشيات؛ لكنها تمسكت بسقف استعادة عافيتها كاملة.

والملاحظ أن إنقاذها كان دائماً بتدخل خارجي يتناسب مع هذا السقف، جاء من خارج حدودها السياسية، لكنه انطلق من داخل فضائها الحضاري الإسلامي. وهو ما يطرح سؤالا يتجاوز المصادفة إلى منطق الاختيار التاريخي.

الخليفة العباسي القائم بأمر الله وجه دعوة إلى القائد السلجوقي طغرل بك للتدخل وإنقاذ عاصمته من هيمنة البويهيين، وفي ذلك إقرار ضمني بأن بقاء الحاضرة يتقدم على اعتبارات السيادة. فالمدينة كائن اجتماعي قادر على إدامة نفسه عبر أنماط تنظيم مختلفة، وقادر على إنتاج نظام سياسي جديد؛ أما النظام السياسي فليس بالضرورة قادرا على إنتاج مدينة.

الموصل اليوم تطرح السؤال ذاته بصيغة معاصرة.

يقظة الموصل وتحول قواعد الصراع

لم تدرك المليشيات المتحكمة بالموصل أن سياساتها أفضت إلى ثلاثة تحولات عميقة:

أولها: إيقاظ المارد الاجتماعي والأسري للمدينة بعد عقود من السبات.

وثانيها: إحياء شعور تضامني بين حواضر الإقليم يتجاوز الحدود السياسية التي رسمتها خرائط القرن العشرين.
وثالثها: دفع المدينة إلى البحث عن ذاتها؛ فالأصل في الحاضرة أن تجد ضالتها في دولتها، فإن عجزت الدولة عن احتضانها، بدأت تبحث عن سبل صيانة كيانها بوسائل أخرى وقد ضحت الموصل كثيراً في هذا السبيل دون جدوى.

وهكذا لم تتغير موازين السيطرة فحسب، بل تبدلت قواعد الصراع ومقومات التغيير في الإقليم.

لحظة الانعطاف الحضري 

الموصل اليوم أمام فرصة استثنائية للتحول، تجتمع فيها عدة مقومات، في مقدمتها:

  • وجود مليشيات تتحكم بالمدينة تفتقر إلى القبول الشعبي والإقليمي والدولي.
  • كفاءة مدنية أثبتها المجتمع الموصلي في إدارة شؤونه والحفاظ على جذوة الاستقرار الاجتماعي والأمني التي تحتاجها المنطقة ويحتاجه العالم.
  • انسجام الحواضر المحيطة مع مطلب إزاحة المليشيات واستعادة الحياة المدنية.

صحيح أن تدبير أهل الموصل في زمن حصار نادر شاه لا يصلح أن يكون نموذجاً كاملاً في ظل احتلال ميليشياتيّ يقيم في الداخل لا على الأسوار؛ غير أن معطيات هذا العصر تبدلت هي الأخرى. فحواضر المنطقة تنظر اليوم إلى الخطر الطائفي من منظور مشترك، وتتنامى قناعتها بأن التدخل الإقليمي هو آخر الدواء والكيّ في مواجهة سرطانات المليشيات. وهي ترى أن ما جرى في سوريا أعاد إلى بعض حواضرها، في زمن وجيز، ما كانت المليشيات الطائفية قد دمرته على امتداد عقود.

غير أن العبرة لا تكمن في المثال ذاته، بل في الدلالة التي يحملها: حين تبلغ الحاضرة سقف استعادة عافيتها كاملة، فإن توازنات الإقليم تعيد تموضعها تبعا لذلك السقف. فالمدن الكبرى ليست مجرد وحدات إدارية داخل نظام سياسي؛ إنها مراكز ثقل حضاري، قادرة على إنتاج أشكال جديدة من التوازن حين يختلّ النظام.

وإذا كانت الموصل قد أثبتت عبر قرون قدرتها على إدامة أجهزتها الاجتماعية حتى لحظة التحول، فإن لحظتها الراهنة لا تبدو استثناء من سنن التاريخ. فالحاضرة التي تعلمت كيف تحمي نفسها عند غياب الدولة، قد تكون الأقدر على إعادة تعريف علاقتها بالدولة حين تعود، وعلى المساهمة في صياغة توازن إقليمي أكثر استقرارا. تلك هي لحظة الانعطاف الحضري: حين لا يكون السؤال كيف تنجو المدينة، بل كيف تعيد إنتاج موقعها في التاريخ.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com