الكلب الذي له سيّدان في العراق

6 مارس 2026
الكلب الذي له سيّدان في العراق

الكلب الذي له سيّدان… حين يفقد الولاء معناه ويبدأ فجر العراق

فاروق الدباغ 

المثل الموصلي القديم يقول: «الكلب الذي له أهلين ما ينحوي»، وهو وصف شعبي دقيق لحالة التمزق في الولاء، حين يحاول المرء أن يقف في منطقتين متقابلتين فيخسرهما معاً، فلا يجد لنفسه مكاناً آمناً ولا احتراماً ثابتاً. هذا المثل ليس مجرد حكمة تراثية، بل عدسة مكبّرة لفهم ما يجري اليوم في المشهد السياسي العراقي، حيث تتساقط الأقنعة ويظهر الارتباك في مواقف من اعتادوا اللعب على جميع الحبال.

لقد دخل العراق مرحلة لم يعد فيها الغموض ممكناً، ولا ازدواجية المواقف مقبولة. زمن الجلوس في المنطقة الرمادية انتهى. لم يعد ممكناً أن تُظهر وجهاً للدولة ووجهاً آخر للمليشيا، أن تتحدث بلغة السيادة وأنت تمارس التبعية، أو أن ترتدي عباءة القانون فيما يختبئ تحتها سلاح الفوضى.

التحولات الجارية اليوم ليست حدثاً عابراً، بل هي نتيجة تراكم طويل من الألم الشعبي، والرفض الصامت، والرغبة العميقة في استعادة الدولة من قبضة الفوضى والفساد. العراقيون الذين أنهكتهم الصراعات، وأثقلتهم الأزمات، لم يعودوا يقبلون أن يبقى وطنهم ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو ممراً للمشاريع العابرة للحدود.

ما نشهده الآن هو لحظة فرز تاريخية. لحظة يسقط فيها وهم القوة الزائفة، وتتراجع سطوة السلاح المنفلت، ويبدأ ميزان الدولة بالاعتدال من جديد. الجهات التي بنت نفوذها على التخويف والترهيب والولاءات الخارجية تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد: الدولة تعود، والمجتمع يستعيد صوته، ومفهوم السيادة لم يعد شعاراً بل مساراً عملياً.

وحين تبدأ الدولة بالنهوض، فإن أول ما يتغيّر هو الشعور العام بالأمان. يتنفس الناس بشكل مختلف. تستعيد المدن هدوءها. تعود الحياة إلى طبيعتها. يشعر المواطن أن القانون يحميه لا أن يُستخدم ضده، وأن المؤسسات وُجدت لخدمته لا لترويضه. هذه ليست تفاصيل صغيرة، بل هي جوهر معنى الوطن.

العراق، الذي عانى طويلاً من صراع الولاءات وتشابك النفوذ، يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة عنوانها الوضوح: ولاء واحد للدولة، وسلاح واحد بيدها، وقرار واحد نابع من مصلحة شعبها. فلا مكان بعد الآن لمن يحاول إرضاء جهتين متناقضتين، ولا لمن يعيش على ازدواجية المواقف. التاريخ لا يرحم المترددين، ولا يحفظ مكاناً لمن يقفون في منتصف الطريق.

لقد أثبتت التجارب أن القوى التي تستمد نفوذها من الخارج تفقد شرعيتها في الداخل، وأن الشعوب قد تصبر طويلاً لكنها لا تقبل أن تُسلب إرادتها إلى الأبد. العراق ليس ساحة مستباحة، ولا شعباً بلا ذاكرة. إنه بلد الحضارات العريقة، الذي يعرف كيف ينهض بعد كل عثرة، وكيف يحوّل المحن إلى بدايات جديدة.

الفجر العراقي يقترب. ملامحه تظهر في إصرار الناس على الحياة، في توقهم للاستقرار، في رغبتهم بدولة عادلة لا تُميّز بين أبنائها، وفي إيمانهم بأن المستقبل لا يُبنى بالفوضى بل بالمؤسسات. إنها لحظة استعادة المعنى الحقيقي للوطن: أرضٌ تحمي أبناءها، لا ساحة تتقاسمها الولاءات.

هنيئاً للعراق وهو يفتح صفحة جديدة من تاريخه. هنيئاً لشعبه وهو يستعيد ثقته بدولته. التغيير لم يعد حلماً مؤجلاً، بل واقعاً يتشكل بثبات. وما بين ليلٍ طويلٍ أرهق الجميع، وصباحٍ يتقدم بخطى واثقة، يثبت العراق مرة أخرى أنه أقوى من الفوضى، وأكبر من مشاريع التقسيم، وأبقى من كل الولاءات العابرة.

فمن له سيّدان… يخسرهما معاً.

أما من له وطنٌ واحد… فيربح المستقبل كله.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com