العراق المختطف… هل نملك شجاعة استعادته؟

1 مارس 2026
العراق المختطف… هل نملك شجاعة استعادته؟

فاروق الدباغ

ليست كل الكوارث تبدأ بانفجار. بعضها يبدأ بفكرة، ثم تتحول الفكرة إلى يقين، ثم يصبح اليقين هوية بديلة عن الوطن. هكذا تختطف المجتمعات دون أن تشعر. في ثلاثينيات القرن الماضي لم تكن ألمانيا دولة مدمرة عسكريًا، بل كانت منهكة نفسيًا واقتصاديًا، تبحث عن معنى بعد الهزيمة والإذلال. في ذلك الفراغ صعد أدولف هتلر وأعاد تعريف معنى أن تكون ألمانيًا. لم يبدأ بالمعسكرات، بل بالمناهج. لم يبدأ بالسجون، بل باللغة. تحولت المواطنة من علاقة قانونية بالدولة إلى ولاء عقائدي للحزب. أُعيدت كتابة التاريخ، أُخضع الإعلام، وصُنِع عدو داخلي وخارجي لتبرير التماسك حول مشروع “مقدس”. شيئًا فشيئًا لم يعد الفرد يرى نفسه مواطنًا في دولة قانون، بل عنصرًا في مشروع أيديولوجي يتجاوز الدولة نفسها. عندما تُختطف الهوية بهذه الطريقة يصبح المجتمع مستعدًا لتبرير ما لم يكن ليقبله في ظروف طبيعية.

بعد عقود، وفي سياق مختلف، شهدت إيران عام 1979 تحولًا لا يقل عمقًا في هندسة الوعي. لم يكن الأمر مجرد تغيير نظام، بل إعادة صياغة شاملة للعلاقة بين الدولة والمجتمع. أُغلقت الجامعات فيما سُمّي بالثورة الثقافية لإعادة “تطهيرها”، وأُعيد تعريف الشرعية السياسية لتستند إلى مرجعية دينية عقائدية، وامتزج المقدس بالسياسي بحيث أصبح نقد القرار السياسي أقرب إلى المساس بالعقيدة. نشأت مؤسسات موازية تدين بالولاء للفكرة قبل الدولة، وتحوّل المشروع من وطني داخلي إلى عابر للحدود. هنا لا يعود الانتماء عقدًا مدنيًا، بل التزامًا عقائديًا يُقدَّم بوصفه واجبًا أعلى من حدود الجغرافيا.

ما يعنيني من هذين المثالين ليس المقارنة السطحية، بل فهم الآلية. كلما ضعفت الدولة الوطنية، وكلما شعر المجتمع بالإحباط والظلم، ظهر خطاب يقدم نفسه خلاصًا شاملًا. يبدأ بتبسيط الواقع، ثم بتقديس الفكرة، ثم بإعادة تشكيل التعليم والإعلام، ثم بتطبيع الولاءات الموازية. بعد سنوات يصبح ما كان استثناءً هو القاعدة.

العراق اليوم يعيش لحظة مشابهة في جوهرها. نحن لا نعاني فقط من أزمة خدمات أو اقتصاد، بل من أزمة تعريف: من هو العراقي أولًا؟ هل هو مواطن في دولة سيّدة ذات عقد اجتماعي واضح، أم حلقة في مشروع أوسع عابر للحدود؟ جزء من مجتمعنا انغمس فكريًا في سردية تجعل الولاء خارج الحدود فضيلة، وتجعل السلاح خارج إطار الدولة ضرورة، وتمنح القداسة لخيارات سياسية لا تخضع للنقد. ومع تكرار الخطاب، يتحول الاستثناء إلى عادة، والعادة إلى قناعة، والقناعة إلى هوية بديلة. الأخطر أن الفساد السياسي وجد في هذا الانقسام منجمًا دائمًا. كلما تعمقت الهوة الطائفية والعقائدية، ضمنت شبكات الفساد بقاءها، لأن المجتمع المشغول بصراع الهوية لا يحاسب من ينهب ثروته. هكذا يصبح الانغماس الفكري أداة، بل منهج تفريق مستدام، يُغذّي التبعية ويُضعف النسيج الاجتماعي.

لا أعتقد أن هناك حقبة أقسى من أن يفقد الإنسان ثقته بوطنه، أو أن يرى أرضه مجرد ساحة لمشاريع الآخرين. لكن التاريخ يعلمنا أن المجتمعات يمكن أن تستعيد نفسها إذا امتلكت الشجاعة. مشروع إنقاذ العراق لا يبدأ بشعار سياسي ولا بخطاب تعبوي، بل بإعادة تأسيس وعي. يبدأ من المدرسة، حين نُعلّم أبناءنا التفكير النقدي لا التلقين، ونغرس فيهم مفهوم المواطنة المتساوية لا الاصطفاف الضيق. يمرّ عبر قانون واضح يحصر السلاح بيد الدولة دون استثناء، ويجرّم أي ولاء عسكري أو تنظيمي يتجاوز حدودها. يحتاج إلى إعلام مهني يفكك خطاب التقديس السياسي ويكشف كيف تُستغل العاطفة الدينية لتبرير مشاريع لا تخدم العراق. ويتطلب قبل كل شيء حربًا حقيقية على الفساد، لأنه الوقود الذي يُبقي الانقسام حيًا.

العراق ليس قدرًا محتومًا للتمزق. لكنه لن يُنقذ بشعارات عاطفية، بل بمشروع طويل النفس يعيد تعريف معنى أن يكون الوطن هو المرجعية النهائية. السؤال ليس من ينتصر في معركة النفوذ، بل هل نملك الجرأة لنقول إن العراق أولًا، وأن أي فكرة تتقدم عليه مهما كان غلافها مقدسًا ـ هي بداية اختطاف جديد.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com