الأمّ ، مُوقّعة على أوتار البصيرة.. نجيب العوفي

13 مارس 2026
الأمّ ، مُوقّعة على أوتار البصيرة.. نجيب العوفي

نجيب العوفي

ناقد أدبي من المغرب  

وحين أقرن عنوان الديوان الجديد للشاعر عبد الحق بن رحمون (أوتار البصيرة ) مع عنوان ديوانه السابق (صاحبة السعادة)، الصادر سنة 2020 والذي تسكن الأم سويداءه ، تؤول صيغة عنوان هذه القراءة إلى (صاحبة السعادة، موقّعة على أوتار البصيرة). فهما معا موقّعان على وتر الأم، قصيدا موصولا مفتوحا على مفاجآت الشعر وفيوض البصيرة. 

وفي النفس أشياء من الأم، لم تُشف وغُلّة شعرية لم تبلّ. 

وبين العملين وحدة نسقية شعرية وعضوية جليّة. والوشائج قائمة بينهما أوثق وأعمق ما تكون الوشائج. فالأم هي المبتدأ والخبر وهي الشجن الجميل الذي زار الشاعر وباغته برحيلها مع طلائع جائحة كورونا سيئة الذكر.  

وفي متون وقصائد الشعر العالمي، على تعاقب الأزمنة والأعصار واختلاف الأمكنة والأمصار، كانت المرأة / الحبيبة مدار الشعر وموضوع التّوق والصبابة والهُيام، في حالي الصدّ والوصال.  

في مقابل هذه الصورة النمطية السائدة للمراة، تتجسد صورة أخرى مثالية – متعالية، هي صورة الأم الطهرانية التي تحفّها هالة المقدس.  

وتحظى هذه الصورة بمكانة خاصة وبهية في المخيال الشعري والسردي العالمي.  

لكنها مكانة ظلّية ، تبدو كاستثناء على قاعدة، فالرمزية الإيروسية هي الغالبة على المرأة في الذاكرة التاريخية.

ويبدو الشاعر عبد الحق بن رحمون، من الشعراء القلائل الذين ضربوا موعدا شعريا موصولا بميقات القلب والوفاء مع الأمّ، منذ أن فجع برحيلها مع جائحة كورونا.  

فأرخى عليه السدولَ ليلان، ليل رحيل ست الحبايب ، وليل الجائحة.  

ولم يكن من ملاذ ومعاذ من هذا الليل الأليل، سوى نافذة الشعر، نافذة الإغاثة الإبداعية والروحية، عبر تاريخ الاحتقانات الإنسانية التعيسة.  

إنه فيما يبدو ، صاحبُ مشروع شعري حميم ، آيته وغايته أن يكتب (ديوان الأم ) .  

والمفارقة الشعرية هنا ، أنه بعد رحيل الأم رحل الأب .  

لكن المرء يبقى مشدودا إلى رحمه الأولى التي أطل منها على الحياة . 

وللتأويل الفرويدي والتاريخي محلّ من الإعراب .  

لذلك يندّ ويشذّ هذا الديوان عن أغراض وتيمات الشعر النمطية ، فلا هو برثاء إذْ يأتي في سياق الرثاء، ولا هو ممّا ينفثه شعراؤنا من هواجس وشواغل وأسئلة شعرية وفكرية ووجدانية ناضحة من الوقت. 

إنه ديوان يعقد صلاة خاشعة في حضرة الأم حصرا . 

وبقية التفاصيل  تغدو وتروح في فضاء الروح والبصيرة . 

كما تغدو وتروح في فضاء الوقت السياقي – السياسي – المُحايث .  

غاية الشاعر في هذا الديوان الصوفي المفتوح للأم ، أن يكتب أمّه .  

فهو شعر غنائي بحمولة روحية – صوفية . 

لنستمع إليه ، وهو الناطق بلسان الحال /  

  • ( كتبتُ أمّي في ديوانٍ موسوم ب “صاحبة السعادة ” 

ومنّيت نفسي ، أنني سأجدها معي روحا  

وجسدا لمّا أفرَغ من آخر كلمة .. 

لكن لم أجد أمي  

وبكيت أكثرَ ، أكثر 

أمي سافرت نحو البياض  

يا الله  

ازداد حبي لأمي أكثر في الحلم  

الحلم طريقٌ لأراها .)  ص 49 

ولعل الشاعر يرثي، من منظور تأويلي ، رمزية وطهرانية وحُنوّ الأم ، في زمن تقطّع الأرحام والتغوّل الوحشي الذي يسود العالم . 

لعل الطفل – الشاعر الذي يسكنه أقوى ما يكون إحساسا بالفقد. أقوى ما يكون إحساسا بالحاجة إلى الأم . 

ويكفي أن نحيل هنا تمثيلا إلى الآهة العفوية التي يلهج بها المرء كلما مسّه همّ وكرْب / أمّاه . وترجمتها المغربية البليغة ” أيَمّا” . 

ونصوص الشاعر في هذا العمل توْسعة وتفْضية شعرية عذبة لهذه الآهة العفوية البليغة .  

ثمة أضاءات وعتبات مناصّية أولية لا محيص من الإشارة إليها . 

في العتبة الأولى ص 3 نقرأ /  

( كُتب هذا العمل الشعري بضفتيْ جبل طارق بالمغرب وإسبانيا ، في الفترة مابين 2019 و 2020 ) . 

ولمكان وزمان النزول هنا دلالتهما بلا شك . 

وفي العمل السابق ( صاحبة السعادة ) نقرأ في ص 3 أيضا ، الإضاءة والعتبة المناصية التالية: 

(كتب هذا العمل صيف 2019 ) . 

هذا ما يجعل العملين توأمين صِنوين تجمعهما شهادة ميلاد مشتركة . يجمعهما رحيل صاحبة السعادة . 

ومع هذه الإشارة المكانية والمرجعية لضفتي جبل طارق بالمغرب وإسبانيا ، أزعم أن نصوص هذين العملين اختمرت واستوت وآتت جَنيها في ربوع مدينة شفشاون. ولا يمكن لهذا الشعر الطليّ إلا ان يكون محفوفا بشعرية وبركة شفشاون وبركة الأم صاحبة السعادة .  

وأزعم عطفا أن لأيام الحجر الطويلة يدا طولى في هذه الانعطافة الشعرية الجديدة الوارفة التي اشترَعها الشاعر عبد الحق بن رحمون، أو اشترَعها له رحيل صاحبة السعادة. والشعر بلسم وترياق لأعطاب الروح . والألم مداد القلم كما قال أبوحيان التوحيدي.

منذ عنوان العمل اذن (أوتار البصيرة / ديوان الأم)، تحضر الأمّ أوتارا دافئة تُوقّع عليها النصوص، وهاجسا شعريا مهيمنا. 

وللبصيرة هنا دلالة رمزية وشعرية، فهي تستدعي جناسيا وطباقيا طرفها المقابل، البصر..والبصيرة هي العين الباطنية للبصر. وبما أن الأم غابت عن المشهد بصرا وعيانا، فهي حاضرة ناضرة بصيرة ووجدانا.  

والطابع الوجداني الروحي تحديدا هو الذي يرخي ظلاله على هذا العمل . 

يتوزع المحفل الشعري للعمل، إلى شرفات ومقامات معنونة على الشكل التالي/لا غالب إلا الله – في جبال العزلة – باب المديح – المقامات .  

وأظن أن عناوين هذه الشرفات الشعرية كفيلةٌ بالإيحاء بالطابع الوجداني الروحي الذي أومأت إليه . 

ومجموع النصوص التي تشغل المحفل الشعري للعمل هي 68 نصا . 

ولنلاحظْ هذا الكم الوفير من النصوص الذي يشغل 177 صفحة من العمل ، بما يعني فضائيا صفحة لكل نص تقريبا . وبما يعني شعريا أنها مقطوعات شعرية قريبة من الومضات الشعرية الرائجة في مشهدنا الشعري الآن ، تحت يافطة (قصائد الهايكو).  

وبخاصة ان الطبيعة ورمزيتها تشكل موردا ثرّا لمعجم ومِخيال النصوص . وهي إحدى الشفرات السرية لشعر الهايكو . 

هي رؤى وانخطافات صوفية – إشراقية ومعزوفات متنوعة مستقلة بعناوينها . إلاّ أن جُماع ومحصول هذه المعزوفات يشكل قصيدا أونشيدا وجدانبا متناغما متلاحما، موقّعا على أوتار البصيرة . موقعا على وتر الأم. 

والمحفَل الشعري لذلك ، عبارة عن حوارية شعرية طويلة مع الأم ، عبارة عن نجاوى (ج نجوى) وجدانية متراوحة في المكان والزمان ، طرفاها انا الشاعر مخاطِبا ومخاطَبا ، وأنا الأم مخاطَبة ومخاطِبة أيضا. 

وكثيرا ما تتخلل النصوص لازمة (قالت وقلت ) ، قبل انثيال المقول الشعري. 

وللاقتراب من هذه الحوارية الشعرية أسوق المثالين التاليين / 

في نص (الشحرور) مثلا ، نقرأ /  

  • ( قالت ، انا دخيل عينك    

قد رحلتُ إلى مدينة العاشقين 

تعال اجلِس جنبي على الأريكة  

واسمع صوت الشحرور داخل قلب الإله ) ص 11 

وفي النص الموالي (آلة الوتر) نقرأ / 

( قالت ، قبل أن أرحل  

صنعت لك آلة الوتر التي أريد 

وكان لك ما تريد )  ص 13  

هذا يعني عطفا أن ثمّة حبلا سرّيا بين النصوص ، وفواصل هي في الآن ذاته مَواصل . 

وتضعنا النصوص لذلك في حضرة شعرية روحية وصوفية تغدو فيها الأم موضوعا لمديح عال مغمور بالصفات والنعوت والمناقب والتشابيه والصور والاستعارات..وكأنّ الشاعر يُقصي كل أغراض وأشعار المديح،ويستبقي لنفسه مديح الأم صاحبةِ السعادة.

وعند الشاعر بن رحمون يتلقّى القاريء أعذب وأرقّ مدائح الأم /  

  • ( عابرا من باب الجنة نادتْ علي  

   قالت ، يا ولبدي  

 ادخل لأراك وأقولَ لك شيئا  

أنا هنا في الجنة حيّة أُرزق  

الجنة شاسعة ، شُمّ عطرها  

وتبرك بنسيمها قبل ان تعود 

خذ معك هذا الجلباب الصوفي  

إنه من خيوط النور  

نسجته لك ، وقت مَديحك لي  

البسه وسترى ) ص 121   

واللغة الشعرية هي الرهان الأساس الذي اعتمده الشاعر في هذا العمل وفي صنوه السابق (صاحبة السعادة) ، لنفض مكنونه الوجداني واحتواء زخم تجربة الفقد. 

لغة سلسة طلْقة منخّلة صوفية إشراقية، يمتحها من المعجم الصوفي ومن المعجم الرومانسي الأثيري، ويغمسها دوما في حبر القلب، حيث تسكن صاحبة السعادة . 

وتجربة الفقد بلا شك لا يشفي غليلها ويسبر حالها مثلُ اللغة الصوفية الإشراقية المحلقة في الملكوت والمخترقة لثنائية الحياة والموت . 

ولا بدْع في هذا المعجم الصوفي الإشراقي الريّان، فالشاعر عبد الحق بن رحمون سليل مدرسة ناسك الشعر عبد الكريم الطبال ، الذاهبِ عميقا في روحانية وصوفية ورومانسية الشعر المفتقدة في الأزمنة المُوحشة. وهو إلى ذلك، ابن بيئته الأثيرية الرائعة شفشاون التي تشكل في حدّ ذاتها لوحة تشكيلية طبيعية وارفة، وقصيدة شعرية فارهة. والإنسان كما قيل، أشبهُ ما يكون بمكانه وزمانه. 

وكأنّي بنصوص الشاعر تراتيل موقعة على قياثر ابن عربي والحلاج وابن الفارض والشيرازي ومن في سِمطهم من الإشراقيين، إذ هي موقّعة على أوتار البصيرة . 

إن ثمة ينابيع عرفانية جوفية تروّي نصوص العمل . 

وفي نص (الفيض) إشارة توميء إلى منزعه الشعري /  

  • ( تظهر لي المعاني  

  في رحيق سِدْرة المخطوط  

يتوالى الكشف عن حرف يجودُ  

بجوُدِ الموجود ) ص 170  

ولعل تيمة الحُلولية التي تسري في ثنايا النصوص عبر الثنائية الحوارية ، الشاعر والام،  آية على الحضور الصوفي في العمل . 

وأجتزيء هنا تمثيلا بالمثالين التاليين /  

  • (قالت لله درّك من شاعر  

  ها قد صرنا روحين  

في حرف الطين )   ص 17 

  • ( روحي تجسمت في روحها  

   وصارتا في بدني تتحاوران )  ص 74 

هذا إلى أن استقراء أوليا لدوال المعجم الشعري في هذا العمل ، يضعنا في المناخ الصوفي والأثيري الذي يكتنف النصوص، وهي مفاتيح الولوج إلى هذا العمل، أو بالأحرى إلى هذا المنسَك الشعري الوجداني الصوفي. 

وأودّ في ختام هذه القراءة إثارة سؤالين متواشجين/ كيف تُصاغ الجملة الشعرية، وكيف يُؤسس النص عند الشاعر؟  

والنصوص كما ألمحت قبلُ ، قصيرة – مقصّدة تقترب من ضفاف القصيدة – الومضة أي الأبيغراما أو قصيدة الهايكو. وطبيعي أن تكون الجملة الشعرية على نفس المنوال والمقاس، تعتمد نظام السطر الشعري، ومعظم النصوص موزعة إلى أسطر قصار . بيد أن الجملة الشعرية لا تتقيد بنهاية السطر ، بل تفيض عنه عبر أسطر لاحقة حتى تستوفيَ وقفتها الدلالية. 

وليس ثمة وقفات إيقاعية – عروضية ناظمة يلتزم بها الشاعر ، فالتدفق النثري هو قسيم التدفق الوجداني، فيما خلا بعض الإيقاعات العرَضية المأنوسة في هذا الصدد كإيقاع المتدارك والمتقارب والرجز ، وهي في منزلة بين الشعر والنثر . 

هي اذن جمل شعرية محدّدة مقصّدة لا هي قصيرة فتُخل ولا هي طويلة فتُمل ، مشكولة إعرابيا، وهذا ما يعضّد رصيد الشعرية في هذه الجملة بما يمكن نعته بالشعرية النحوية.  

وكأنّ الشاعر يستعيض عن الإيقاع العروضي بإلإيقاع اللغوي وإيقاع الشكل .  

معنى هذا أن هناك تفكيرا قبليا في الجملة الشعرية وإحساسا بأهمية اللفظ الشعري . 

لكن على مستوى الدلالة الشعرية لا مناص من سوْق ملاحظة نقدية ـ وهي أن الشيء دائما إذا زاد عن الحدّ آل او مال إلى الضدّ . 

ونظرا للهيمنة الوجدانية لتيمة الأم على العمل ، فإن كثيرا من النصوص والجمل الشعرية تعيد إنتاج الدلالة الشعرية – الشعورية في صور واستعارات تشبه العزف على وتر واحد. علما بأن صيغة العنوان (أوتار البصيرة) بالجمع توسّع احتمالات وانتظارات العزف .  

لكن الشاعر كان لبيبا كعادته، ففتح نوافذ شعرية موازية لتجديد وتهْوية تيمة الأم المركزية، وذلك بانفتاحه على ذاكرة وجنان الأندلس من جهة ، وتفاعله مع بعض الهموم والأحداث الكارثية العربية التي اجتاحت الوطن العربي في العشرينية الأولى من الألفية الثالثة من جهة موازية .  

وأزعم عودا على بدء ، أن هذه الهموم والنوائب والفواجع التي ما فتئت تطحن الوجدان العربي ، وفي مقدمتها الفاجعة الفلسطينية مشفوعة بفقدان الأم الحضن الرؤوم لكل أنسان، هي التي ألجأت الشاعر إلى هذا الحضن ليلتمس بعض عزاء عن البلاء كضرب من التطهير الشعري – الصّوفي catharsis يتحرّر فيه من الترابي، ليُحلق في الملكوت النوراني . 

وصدق الروائي البيروني ماريو فارغاس يوسا في قولته الحكيمة / 

( إن الأدب أعظم ما اخترعه الإنسان لمقاومة التعاسة ) .  

إحالة /  

  • عبد الحق بن رحمون / أوتار البصيرة – ديوان الأم. ط 1 – 2024 – مكتبة السلام الجديدة . الدار البيضاء – المغرب . 
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com