عبد العزيز كوكاس

كاتب من المغرب
يعتبر مجيد بلال الكاتب المغربي المقيم بكندا، واحدًا من الأصوات الأدبية التي تكتب في الهامش وأحد أبرز الكتاب الفرنكفونيين المهمشين في الداخل، لأن الأضواء نادرًا ما تلتفت إلى ما يُنتَج خارج دوائر التلقي المعتادة. ومع ذلك، فمن يقترب من نصوصه يكتشف بسرعة أنه أمام تجربة سردية وشعرية خاصة، تنتمي إلى الأدب المغربي الفرنكفوني، لكنها تشتغل خارج قوالبه الأكثر تداولًا. يكتب مجيد بلال بلغة فرنسية أنيقة في تركيبها كثيفة في إيقاعها، أناقة لا تُفضي إلى تزيين الواقع أو تلميعه، ترافقها رؤية وقحة في كشف ما يُوارى عادة: هشاشة الكائن، قبح العلاقات، عري الرغبات وانكسارات اليومي.
المفارقة والسخرية المرة
في نصوص مجيد بلال، تتجاور الرهافة الأسلوبية مع فظاظة المضمون في مفارقة جمالية لافتة، حيث أن شعرية الأسلوب وجمال اللغة لدى مجيد بلال لا تخفّف من قسوة الواقع بل تضاعف أثرها، كأن الكاتب يعمد إلى تعرية العالم بأدوات بلاغية مصقولة. هذه المفارقة تمنح كتابته طابعا تراجيديًا عميقًا، حتى حين تتوسّل بالسخرية. فالسخرية المرة عند مجيد بلال ليست ضحكًا مريحًا بقدر ما هي قناع شفيف لألم وجودي كثيف، سخرية تُخفي في عمقها إحساسًا بالفقد والتيه واللاجدوى، وتحوّل المأساة اليومية إلى مشهد قابل للكتابة والاحتمال.
أحد عناصر فرادة تجربة كتابات مجيد بلال التي اشتغلت على ترجمة كتابين منها رفقة الناقد والمترجم سعيد رباعي، هو اشتغالها على لغة “المحكي الشعري” داخل الفرنسية نفسها: لغة تقترب أحيانا من الشفوي ومن النبرة اليومية، لكنها في الآن ذاته تغوص في إيقاع شعري واضح. جمل قصيرة أحيانًا، متدفّقة أحيانًا أخرى، تتناوب فيها كثافة الصورة مع انسياب السرد، في تركيب يجمع بين موسيقى الشعر وتداعي الحكي. لا توجد في كتابات بلال لا السردية ولا الشعرية، لغة فرنسية نخبوية باردة إلا في حالة جعلها موضوعا للسخرية، بل نعثر على لغة حسّاسة تلتقط ارتعاش الداخل وتوتر العلاقة بالعالم، وتمنح التجربة نبرة حميمية أقرب إلى الاعتراف منها إلى الخطاب.
شروط التلقي
كلما قرأت نصوص مجيد بلال التي أشاد بها أكثر من كاتب أجنبي، استمتعت بلغة فرنسية شفيفة وبرؤيا وجودية فيها الكثير من العبث، من السخرية من الإنسية والكوسمبوليتية الكونية، ومع ذلك تظلّ هذه التجربة، على جماليتها وفرادتها، شبه مجهولة لدى الكثيرين بالمغرب. وهو ما يطرح سؤالًا مؤلمًا حول شروط التلقي والاعتراف داخل الفضاء الثقافي المغربي: كيف يمكن لكاتب يُنتج نصوصًا بهذه الكثافة الجمالية والوجودية أن يظلّ في الظل؟ بالنسبة لي، لا يبدو مجيد بلال مجرّد اسم واعد، إنه كما أكد المبدع محمد نضالي، أحد أكبر الكتّاب الفرنكفونيين بيننا اليوم، من حيث اشتغاله على اللغة بوصفها تجربة داخلية واجتراح أسلوب خاص به يتميز ويرتقي في مصاف الإبداع المغربي المكتوب بالغة الفرنسية في المهاجر.
جغرافية المقروءات
من هذا الوعي بأهمية تجربته، جاءت رغبتي في الاشتغال على ترجمة بعض أعماله إلى العربية، رفقة الصديق المترجم والمبدع سعيد رباعي، في محاولة لردم فجوة التلقي بين لغتين وفضاءين ثقافيين. وقد أصدرت منشورات النورس ترجمة كتابه الأول الذي أنجزه رفقة الكاتب الدكتور محمد مهيب حول “ميدلت: رؤى ووجهات نظر”، قدمه الراحل علي حسن برشاقة أسلوبية وعمق رؤيوي فاتن، ثم مشروع كتاب ثانٍ بدعم من مجلس الجالية المغربية بالخارج بعنوان “ملجأ الهويات التائهة”، أكل من عمري سنتين بالتمام والكمال وأنهكتني لغته الشعرية التي تعكس جغرافية واسعة من المقروءات المتنوعة من أجناس مختلفة
“ملجأ الهويات التائهة” عنوان يلخّص بدقّة أحد خصائص كتابة مجيد بلال: الإقامة في التخوم، في المسافة بين الانتماءات، حيث تتحوّل الهوية إلى سؤال مفتوح، وتصبح الترجمة أكثر من نقل لغوي، فعل اعتراف متأخّر بتجربة تستحق أن تُقرأ على نطاق أوسع، وأن تُدرج في خريطة الأدب المغربي المعاصر بوصفها صوتًا متفرّدًا في حساسيته وجرأته وجماليته. ولا يمكنني إلا أن أتوجه بالشكر إلى مجلس الجالية المغربية بالخارج وقائد سفينته الصديق إدريس اليزمي الذي التفت لصوت مجيد بلال ودعم نشر إبداعين له بالفرنسية وبالعربية.


















































