أيمن رفعت
الولايات المتحدة
يبدو اعتداء الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران كشرارة لحرب عالمية ثالثة، فالهدف الإقليمي من هذا الاعتداء هو إزاحة أي مشروع سياسي يمكن أن يناوئ المشروع الصهيوني، لكن الهدف الدولي (بعد اختطاف الرئيس الفينزويلي) هو خنق موارد الصناعة الصينية وإيقاف نموها، فإيران وفنزويلا هما مصدرا البترول الأساسيان للصين، وإذا كان العرب قد خانوا تركيا في الحرب العالمية الاولى، فتحولوا إلى مستعمرات أوروبية، فهل سوف يخونون إيران في الحرب العالمية الثالثة؟
هناك ثلاثة مشاريع قومية وأيديولوجية تتصارع النفوذ في الشرق الأوسط الان، وهي المشروعات الاسرائيلية والتركية والإيرانية، وذلك في ظل غياب أي مشروع أو رؤية سياسية عربية، مما يجعل العرب يعيشون من أجل مجرد البقاء يوما بعد يوم، دون التوجه نحو أي أفق حضاري أو مستقبل سياسي، وهذا يجعل كل سياساتهم رد فعل على الآخرين، ويضعهم في صفوف المتفرجين، وفي موقع المفعول بهم لا الفاعلين في أي حدث، وهذه مشكلة العرب، وليست مشكلة إيران أو تركيا.
يشترك المشروعان التركي والإيراني في انتمائهما إلى أيديولوجيات الإسلام السياسي التي تعتبر الإسلام نظاماً شاملاً للحياة والدولة، وليس مجرد عبادات، ولذلك تسعى هذه الأيديولوجيات لتطبيق مبادئ الإسلام (حسب فهمها) في مجالات الحكم والسياسة. تنقسم هذه الأيديولوجيات إلى تيارين أساسيين، هما التيار الثوري اليساري والتيار الليبرالي اليميني. بلور سيد قطب في كتاباته التيار الثوري للإسلام السياسي، وطبقته الجماعات الجهادية كالقاعدة، وتبنته إيران كأيدولوجيا لدولتها بجانب المذهب الشيعي، ولذلك ترجم خامنئي بنفسه ثلاث كتب لسيد قطب إلى الفارسية.
ورغم أن التيار الليبرالي للإسلام السياسي قد استند على أفكار العديد من المفكرين الليبراليين المسلمين، مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وطه حسين وعلى عبد الرازق، إلا أنه لم يتبلور إيديولوجيا إلا بالممارسات السياسية لحزب الفضيلة ثم حزب الحرية والتنمية التركيين، وبعد نجاح هذا التيار في تركيا تبنته قطر وجماعة الإخوان المسلمون بعد أن نبذوا منهج سيد قطب.
يساوي بعض العرب بين إيران وإسرائيل مرددين “اللهم اضرب الظالمين بالظالمين”، وغالبا ما تترواح مبرراتهم بين المبررات الثلاثة التالية:
- محاولات إيران تصدير ثورتها الإسلامية ومذهبها الشيعي إلى الدول العربية، ودعم الطوائف الشيعية في هذه الدول، واستخدامهم كخنجر في خاصرة دولهم.
- قلق الجيران العرب الخليجيين – بحكم الملاصقة الجغرافية – من عدم اكتفاء إيران بتفوقها في فارق المساحة والكثافة السكانية، وأنها أخذت تطورأنظمتها التسليحية وبرنامجا نوويا.
- ارتكبت إيران جرائم في لبنان وسوريا والعراق واليمن، ولكن كذلك ارتكبت السعودية والامارات جرائم في عدة بلدان عربية، فلقد مولت السعودية الانقلاب العسكري السوري على الوحدة المصرية السورية، وحرضت أمريكا على ضرب مصر في ٦٧، وتآمرت على ثورات الربيع العربي، وتدخلت في البحرين، ناهيك عن دور الإمارات في السودان واليمن والصومال، وكذلك احتلت العراق الكويت، وتدخلت مصر في اليمن والسودان وليبيا، وسوريا في لبنان.
والحقيقة أننا لا نستطيع أن نساوي بين إيران وإسرائيل، لسببين:
- إن إيران ودول الخليج جزء أصيل من الشرق الأوسط، قد تتغير أنظمة حكمها، لكنها واقع قائم تاريخيا وجغرافيا ولا يمكن محوه، بل ولا مفر من التعامل مع ما بين العرب وإيران من اختلافات مذهبية وطائفية ظلت موجودة منذ أربعة عشر قرنا، وستظل موجودة في المستقبل، أما إسرائيل فهي دولة طارئة على الشرق الأوسط، ليس لها فيه تاريخ ولا مستقبل، وإنما هي مجرد بوتقة لمهاجرين اوروبيين يحملون عصا الاستعمار، وما بينهم وبين العرب ليس خلافا عقائديا، بل صراع وجود.
- إذا ركَّز العرب – وهم يتابعون أحداث الحرب ضد إيران – على الماضي، فسوف يرون أن إيران قتلت من العراقيين والسوريين أكثر مما قتلت إسرائيل، أما إذا ركزوا على المستقبل، فلن يروا حزب البعث ولا صدام ولا الأسد، ولن يروا سنة ولا شيعة، بل سيرون البلاد العربية من النيل إلى الفرات تتحول إلى جزء من إسرائيل الكبرى، ويفعل الصهاينة بأهلها ما يفعلون بأهل غزة الآن وبتأييد القوى العالمية.
إن المشروع الصهيوني يختلف عن المشروعين التركي والإيراني في التالي:
أ) عدم الأصالة: ينبع المشروعان التركي والإيراني من موقعين أصيلين في الشرق الأوسط تاريخيا وجغرافيا، أما المشروع الصهيوني فهو مشروع طاري غرسه الاستعمار الأوروبي في القلب العربي لتصدير المشكلة اليهودية من أوروبا إلى الشرق الأوسط، وليكون شرطي الغرب في المنطقة، ولذلك فهو ليس حريصا على استقرار أو رخاء المنطقة، بل أنه يريدها خرابا من أجل أمنه.
ب) الدعم الغربي: يدعم الغرب المشروع الصهيوني بأحدث الأسلحة والتكنولوجيا، ومحاولة تقنين وجوده في المحافل الدولية، والقضاء على أي مشروع ينازعه، مما جعل الصهيانة يتعالون على المنطقة كلها، ويرفضون التعارون معها، لأنهم لا يقبلون بأقل من الاستسلام، أما المشروعان التركي والأيراني فهما مشروعان محليان رغم أنهما قد يتحالفان مع قوى دولية.
ج) التمدد: على عكس المشروعين التركي والإيراني، فإن المشروع الصهيوني مشروع سرطاني، لا يكتفي بمد نفوذه وأذرعه إلى خارج حدوده، بل إنه يوسع حدوده كل بضع سنوات ليبتلع مزيدا من الأراضي العربية.
الحقيقة إن إسرائيل محظوظة بهذه الشعوب العربية التي تفتقد البوصلة في تحديد العدو.



















































