“بريجيت” والقنبلة النوويّة.. قصة قصيرة

18 مارس 2026
“بريجيت” والقنبلة النوويّة.. قصة قصيرة

“بريجيت” والقنبلة النوويّة

ناهدة عقل 

كاتبة من سوريا

كثيراً ما كانت الطفلةُ “بريجيت” تستيقظُ هي وإخوتها على صوت أبيها يشتمُ ويُجذّفُ بعباراتٍ ملؤها السخط والغضبُ والهيجان اللاواعي، كانت تنهضُ فزِعةً من فراشها وتُلصِقُ أذنها بالباب لتسمعَ بوضوحٍ كلَّ كلمة، كلّ نبرة، كل صوتٍ، حركة؛ مُحاوِلةً أن تفهمَ ما يجري. وكان صوت ” الحركة” يُرعبها أكثر من أيّ صوتٍ آخر “تكسير – تمزيق – رمي للأشياء أو تحطيم وتهشيم”.

وبالطبع لم تكنْ لتجرؤَ على فتحِ الباب ورؤيةِ المشهد، فذاكرتُها لا زالت تحتفظُ بما حدثَ حين جرّبتْ مرّةً أن تفعل؛ كانت ردّةُ فعلِ أبيها منَ الجنون حدَّ أنّها شُلّت من الذّعر، كانَ الأمرُ كما لو أنّها تشهدُ انفجار بركانٍ هائلٍ أمامها، تشهدُ واقعيّاً فتحَ صندوق “باندورا” المليءِ بشرورِ الأرضِ أمام عينيها الصغيرتين.

مع الوقت صارتْ “بريجيت” تميّزُ صوتَ الحركاتِ وتحفظهُ جيّداً، بل وأصبحت لديها القدرةُ على التنبّؤِ بها أيضاً لتحمي جسمها الصّغير الهشِّ من هذا الخطر الهائل.

كانت تشعرُ أنَّ أبيها لم يكن شريراً حقّاً، لكنّهُ يفعلُ ما يفعل رغماً عنه، كما لو كانتْ تقبعُ في داخله “قوّةٌ شيطانيّة” لا يستطيعُ احتمالَها بدون صراخٍ أو أعمال عنفٍ لإفراغِ تلك الشحنة.

لكن رغمَ هذا التعاطف والتفهُّم الطفوليّ الذكيّ، ما كانت لتستطيعَ صدَّ كلِّ تلكَ الكتلة المُبهمَة من مشاعر الخوف والقلق والشعور بالعار، العارُ خاصةً – حين يسمعُ الجيران تلك الأصواتِ تأتي من بيتهم.

حين كبرتْ، أصبحت “بريجيت”، تلكَ الطّفلةُ المذعورة ذاتها، هي عالمةُ الفيزياء النوويّة المشهورة التي اخترعتْ درعاً يصدُّ “القنبلة النوويّة” فائقةَ القدرة. قبلَها لم يكنْ يستطيعُ عالمٌ أن يتخيّلَ إمكان تَحقّقِ هكذا اختراعٍ ولو بنسبةِ 1%.

وحين سألوها في مقابلةٍ صحفيّة عن “كيف خطرَ لها أنْ تفكّر في هذا الأمر أصلاً؟”، كان جوابُها بسيطاً لكنّه صادمٌ في نفس الوقت: 

لم أُفكّرْ فيه، لكنّني وجدتُ نفسي منذ فتحتُ عينيَّ على الدنيا في عالمٍ مهدّدٍ بالزوالِ بسبب هذه القنبلة: أنا وكلُّ مَن وما أُحبُّ على هذه الأرض يُمكنُ أن يُمحى بضغطةِ زرّ!

وعن سؤالهم فيما لو كانت سعيدةً بهذا الإنجاز العظيم، ردّت “بريجيت” بنبرةٍ قطعيّة: لا، بالطبع لا؛ ربّما كنتُ لأكونَ سعيدة لو لم يكنْ هذا “المُفاعل النوويّ” قد وُجِدَ من الأساس.

                                                                                                 تمّت 

القصة خاصة لصحيفة قريش – ملحق ثقافات وآداب – لندن

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com