فاروق الدباغ
في العراق، لم تكن المأساة مجرد احتلالٍ عابر، ولا انهيار دولةٍ فحسب، بل كانت لحظة تاريخية كُتبت فيها بداية فصلٍ طويل من الفوضى المُدارة بعناية. لم تسقط بغداد وحدها عام 2003، بل سقط معها ميزانٌ كامل، وتحوّل الفراغ إلى مساحة مفتوحة لمن يجيد قراءة اللحظات الرمادية بين الحرب والسياسة. هناك، في تلك المساحة، لم تكن البنادق هي الأداة الأكثر فاعلية، بل العقول التي تعرف كيف تُحرّك البنادق دون أن تُمسك بها.
في تلك السنوات الثقيلة، كان العراق يُعاد تشكيله ببطءٍ مُقلق. لم يكن التغيير صاخبًا دائمًا، بل كان يتسلل كالماء إلى الشقوق: شبكات تُبنى، ولاءات تُزرع، ومؤسسات تُفرّغ من معناها. لم يكن المشهد بحاجة إلى قائد ميداني بقدر ما كان بحاجة إلى عقلٍ يُدير الفوضى ويحوّلها إلى نظام بديل. من هذا النوع من الرجال، برزت شخصيات مثل علي لاريجاني؛ لا بوصفه رجل مواجهة، بل بوصفه جزءًا من ذلك العقل البيروقراطي الهادئ الذي يجلس بعيدًا عن الضجيج، لكنه حاضر في كل قرارٍ يترك أثره على الأرض.
لم تكن الفوضى في العراق نتيجة خطأ، بل بدت في كثير من مراحلها وكأنها سياسة. ومع مرور الوقت، أصبح واضحًا أن ما جرى لم يكن نهاية حدث، بل بداية نموذج. وحين اندلعت الاحتجاجات في سوريا بعد سنوات قليلة، لم يكن المشهد جديدًا بالكامل. كان هناك تردد، حسابات، انقسام في مراكز القرار، ثم لحظة حسم. تلك اللحظة التي لا تُطلق فيها الرصاصة، بل يُتخذ فيها القرار بأن تُطلق. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد سوريا أزمة داخلية، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع النفوذ، وتُدار فيها الحرب بمنطق أبرد من الدم نفسه.
ما بين بغداد ودمشق، ثم لاحقًا في صنعاء وبيروت، أخذ النموذج شكله الأوضح. لم يعد الأمر يتعلق بدعم طرفٍ ضد آخر بقدر ما أصبح إعادة تعريف لمفهوم الدولة ذاتها. دولةٌ تُستبدل بأخرى غير معلنة، وسلطةٌ تُزاح لصالح شبكة، وحدودٌ تبقى على الخرائط لكنها تتآكل في الواقع. في هذا السياق، لم يعد الدم مجرد نتيجة جانبية، بل تحول إلى رقم داخل معادلة أكبر، تُحسب فيها الكلفة والعائد ببرودٍ شديد.
ورغم كل ذلك، ظل الخطاب المعلن يتحدث بلغة مختلفة تمامًا: نصرة المستضعفين، الدفاع عن القضايا الكبرى، ومواجهة الأعداء. لكن الشعوب التي عاشت التجربة لم تعد تنظر إلى الخطاب، بل إلى ما خلّفه على الأرض. في الموصل، وفي حلب، وفي أحياء بغداد وصنعاء، لم تكن الشعارات هي التي تُرى، بل المدن التي تغيّرت ملامحها، والمجتمعات التي أثقلها الخوف والانقسام.
لهذا، لم يكن غريبًا أن يبقى التعاطف العربي والإسلامي مع هذا الخطاب محدودًا، بل ومشككًا. فالتاريخ، بكل ما يحمله من طبقات التوتر بين العرب والفرس، عاد ليُقرأ من جديد، لكن هذه المرة ليس كحكاية قديمة، بل كتجربة معاصرة تُلمس آثارها يوميًا. لم يعد السؤال متعلقًا بالنيات، بل بالنتائج، ولم يعد الحكم يُبنى على الأقوال، بل على ما جرى ويجري.
قد يبدو للبعض أن اختزال هذا المشهد في اسم رجل واحد يمنح القصة وضوحًا، لكنه في الحقيقة يُبسطها أكثر مما ينبغي. فالمسألة لم تكن يومًا في شخص، مهما كان موقعه أو تأثيره، بل في طريقة تفكير كاملة، ترى في الفوضى أداة، وفي النفوذ غاية، وفي الشعوب تفاصيل يمكن إعادة ترتيبها وفق مقتضيات المشروع. هذه العقلية لا تحتاج إلى ضجيج، بل إلى هدوءٍ كافٍ لاتخاذ القرار في اللحظة المناسبة، ثم ترك الوقائع تتكفل بالباقي.
وهنا تكمن المفارقة الأشد قسوة: أن أخطر ما واجهته هذه المنطقة لم يكن الانفلات، بل إدارته. لم تكن الفوضى عشوائية دائمًا، بل كانت في كثير من الأحيان محسوبة، تُفتح أبوابها بقدر، وتُغلق بقدر، بما يكفي لإبقاء الجميع داخل دائرة التأثير.
يبقى السؤال معلقًا، لا كخاتمة بل كبداية تفكير: كم من المدن يجب أن تُجرّب هذا النوع من “إدارة الفوضى” حتى ندرك أن ما يبدو كاضطرابٍ عابر قد يكون، في جوهره، نظامًا كاملًا يعمل بصمت؟


















































