مَن يستطيع تلبية شروط “ترامب” لتولي رئاسة الوزراء ؟ 

9 فبراير 2026
مَن يستطيع تلبية شروط “ترامب” لتولي رئاسة الوزراء ؟ 


صباح البغدادي  

(*) هل النظام السياسي الحالي يسمح أصلًا بظهور شخصية سياسية قوية قادرة فعلآ على حصر السلاح المنفلت بيد الدولة ؟ أم أن المشكلة أعمق من أسماء الأشخاص وتكمن في حقيقية الامر وجوهره بالهيكل والبنية وأساس هذا النظام الذي أوجده بعد عام 2003 و المبني على المحاصصة الطائفية والقومية وتحالفات الكتل والاحزاب المفروضة من الخارج أكثر مما هي من الداخل ؟

يوم 5 تموز 2025 كان تحول مفصلي في تعاطي قيادات الفصائل الولائية المسلحة في مواجهة الشخصيات الدينية والسياسية المعارضة بشدة لوجود سلاح منفلت خارج الشرعية الدستورية ولذا عبر لنا “ابو علي العسكري” في رده وهجومه المباشر وعبر قنوات تليغرام الرسمية لكتائب حزب الله العراقي و على دعوات “مقتدى الصدر” وممثلي المرجعية الدينية العليا في النجف (مثل عبد المهدي الكربلائي) لحصر السلاح بيد الدولة ونزع سلاح الفصائل، بنشر بيان ناري جاء باهم فقراته بان :” سلاح المقاومة في العراق وديعة الإمام المهدي (عج) عند المجاهدين، والتخلي عنه لا يكون إلا بيد الإمام المعصوم او نائبه الولي الفقيه ” .

لذا ومن هذا المنطلق يجب على وسائل الاعلام العراقية مناقشة الموضوع بصورته الحقيقية أمام جمهور الراي العام بدون اي تمويه لان السؤال الحقيقي يجب ان يكون صيغته بهذه الصورة : ليس من سيكون اسم شخصية رئيس الوزراء ؟ بل : من يملك القدرة الفعلية على إنهاء سلاح الفصائل الولائية المسلحة؟ وهنا يكون جواب خطورة المرحلة القادمة , ففي كل استحقاق سياسي جديد، ينشغل الإعلام العراقي – ومعه الرأي العام – بتداول أسماء المرشحين لمنصب رئاسة الوزراء، وكأن المشكلة تكمن في الاسم فقط لا في القدرة الفعلية التي تتوفر له لتنفيذ السياسة الحكومية وردع تدخلات الخارج قبل الداخل , غير أن هذا الانشغال يُغفل السؤال الأهم والأخطر، والذي يتجنب كثيرون في وسائل الإعلام طرحه بصراحة : ” من هي الشخصية القادرة فعليًا على إنهاء سلاح الفصائل الولائية المسلحة وحصره بيد الدولة من دون أن تكون هناك حرب أهلية تدق على الأبواب ؟ نحن لا نريد أن يتكرر لدينا السيناريو السوداني وما يجري حاليا بين الجيش النظامي وميليشيات الدعم السريع لا سامح الله ؟وهنا تحديدًا يكمن مربط الفرس، وهنا تتضح صورة الأزمة العراقية بكل تعقيداتها وتجلياتها. فأي رئيس وزراء، مهما كان اسمه أو تاريخه، لا يمتلك القدرة السياسية والأمنية والمؤسساتية على ضبط السلاح خارج إطار الدولة، سيبقى مجرد مدير أزمات، لا قائد دولة والمنصب بحد ذاته لا يمنح القوة، ولا يصنع السيادة، ما لم يُسند بإرادة سياسية صلبة، ودعم شعبي واسع، ومؤسسات أمنية مهنية، وبيئة سياسية تسمح باتخاذ قرارات سيادية حقيقية وتردع معها أي تدخلات خارجية , ولذا يجب أن يكون السؤال الاخر كذلك و الأكثر وضوحا : لماذا يتجنب الإعلام العراقي من طرح هذا السؤال بوضوح، من دون لبس أو تورية؟ والجواب الاستباقي والقراءة  يكمن في أن هذا السؤال ليس تقنيًا ولا عابرًا ، بل سؤال وجودي يهدد توازنات قائمة. طرحه يعني فتح ملفات حساسة تتعلق بشرعية السلاح المنفلت ، وازدواجية القرار السياسي والأمني ، وحدود الدولة الشرعية ، والارتباطات الخارجية. كما يعني تسمية المشكلة باسمها الحقيقي، وهو ما قد يضع وسائل الإعلام – أو العاملين فيها – في مواجهة مباشرة مع قوى نافذة تمتلك النفوذ والسلاح والقدرة على الترهيب السياسي أو الإعلامي وليس اقلها التهديد بغلق القناة تحت ستار تهديد الأمن القومي او السلم المجتمعي. ولهذا، يفضّل كثير من الإعلام الخوض في الأسماء والتحليلات الشكلية، بدل الاقتراب من جوهر الأزمة. فالحديث عن الأشخاص آمن، أما الحديث عن السلاح المنفلت بوضوح ومن دون تورية او مجاملة مكلف وعواقبه وخيمة اكثر من العواقب الامريكية المنتظرة .
إن استمرار تجاهل هذا السؤال الجوهري لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها، مهما تغيّرت الوجوه والاسماء والشخصيات . الدولة التي لا تحتكر السلاح لا تستطيع فرض القانون، ولا حماية سيادتها، ولا بناء ثقة بين الحاكم والمحكوم. وكل رئيس وزراء يُدفع إلى الواجهة من دون معالجة هذه المعضلة، يُحكم عليه بالفشل مسبقًا. وعليه، فإن النقاش الحقيقي الذي يجب أن يتصدر المشهد الإعلامي ليس: اسم من سيحكم؟ بل: هل يملك النظام السياسي الحالي القدرة على إنتاج سلطة تحصر السلاح بيد الدولة؟
وإذا لم يكن الجواب نعم، فالمشكلة أعمق من الأشخاص، وأخطر من مجرد أزمة حكم، إنها أزمة دولة وشعب وحكومة .

ويبرز هنا سؤال مكمل لا يقل خطورة عن السابق : ” من هي الشخصية القادرة على تلبية الشروط الأمريكية الصارمة المتعلقة بنزع سلاح المليشيات والفصائل الولائية المسلحة ، من دون أن يُدفع العراق إلى سيناريو صدام داخلي أو حرب أهلية، فالمعادلة شديدة التعقيد : المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، يربط الاستقرار السياسي والاقتصادي، والدعم المالي، ومستقبل العلاقات الاستراتيجية، بملف حصر السلاح بيد الدولة. لكن تنفيذ هذا المطلب بالقوة أو من دون توافق وطني عميق قد يفتح الباب أمام انفجار داخلي مدمّر، ويحوّل عملية بناء الدولة إلى ساحة اقتتال أهلي . وفي المقابل، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو الاكتفاء بنزع سلاح شكلي وصوري، يُستخدم للاستهلاك الإعلامي وطمأنة الخارج، من دون أن ينعكس واقعًا ملموسًا على الأرض. هذا الخيار لا يحل المشكلة، بل يؤجلها، ويجعلها أكثر تعقيدًا وانفجارًا في المستقبل لان البيت الابيض لا يسمح بان يتم العب عليه بهذه الصورة الساذجة ؟ الرئيس ” ترامب ”  لا يقبل “بالأبيض والأسود” يكره المناطق الرمادية ، وأبرز شروطه هو إصدار قانون ملزم بحل المليشيات والفصائل الولائية كافة، وتسليم أسلحتها الخفيفة والثقيلة ومعداتها الحربية ومواقعها ومقراتها ومعسكراتها إلى الجيش العراقي النظامي. أي تهاون في هذا الشرط قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، ليس فقط على الحكومة المقبلة، بل على العراق ككل (عقوبات اقتصادية، قطع دعم أمني، أو تصعيد عسكري محتمل) وحتى اذا خرج من رحم الاطار التنسيقي “رجل التوافق” داخل الإطار، لكن الرئيس “ترامب” قد يرفضه إذا لم يلتزم بحل المليشيات بشكل جذري. ويبقى الضغط الإيراني على تشكيل الحكومة  حتى وان لم يكن في الصورة  فما يزال يُعد العامل الأكثر حسماً وتأثيراً في المشهد السياسي الحالي، وهو يتجاوز بكثير الضغط الأمريكي من حيث القوة التنفيذية داخل البيت الشيعي والإطار التنسيقي. إيران تمتلك أدوات متعددة تجعل تأثيرها مباشراً وعملياً، وغالباً ما يكون حاسماً في نهاية المطاف وحتى مع انشغالها في المفاوضات حول برنامجها النووي في العاصمة العمانية ” مسقط ” فإنها تملك اليد العليا داخلياً في العراق حالياً، لأن أدواتها (الفصائل، النفوذ الاقتصادي، الضغط السياسي) أكثر فعالية من الضغط الأمريكي (الذي يعتمد على العقوبات والتهديدات) ترامب قد ينجح في منع “المالكي”، لكنه لن يستطيع فرض بديل “مثالي” دون موافقة إيرانية أو تفكيك حقيقي للفصائل (وهو أمر مستبعد في المدى القريب) والأشهر القادمة قد تشهد :  إما حكومة “توافق هش” بقيادة شخصية غير المالكي لكن مقبولة إيرانياً (مثل السوداني) أو أزمة مطولة تؤدي إلى حكومة تصريف أعمال طويلة الأمد , وإذا لم يكن الجواب نعم، فالمشكلة أعمق من الأشخاص، وأخطر من مجرد أزمة حكم، إنها أزمة دولة. ويبقى الضغط الإيراني حتى ولو كان غير مرئيا هو الذي يحدد فعلياً سقف الخيارات، وحتى لو كان الرفض الأمريكي أعلى صوتاً ومسموعآ للجميع .

sabahalbaghdadi@gmail.com

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com