ما بَعدَ الغُبار… للكاتبة الجزائرية شميسة غربي

23 فبراير 2026
ما بَعدَ الغُبار… للكاتبة الجزائرية شميسة غربي

شميسة غربي

/ سيدي بلعباس/ الجزائر

في جلسةِ استراحةٍ قصيرة؛ لاحَظ شُرودَ ذِهْن جليسِهِ.. سألهُ مُبْتَسِماً: ” أينَ أنت..؟ بمَ تحلم هذه المرّة؛ يا صاحبي..؟” أجاب “إدريس” وهو ينفض يديْهِ مِنْ بقايا تراب؛ كان قدْ علِقَ بإحْدى راحتيْهِ: ” أنا لا أحْلُمُ… أنا أتمنّى….!” إعْتدل “سليْمان” في جلسته وكأنّه يسْتعِدّ لسماعِ مُحاضرة… – وهو الذي اعتاد على تلك الشطحات الفكرية؛ التي تُلازم صديقه منذ أنْ تعرّفَ عليْه – استفْسَرَهُ باهتمام واضح: “أنت تتمنّى…! وهلِ الحُلْمُ شيء…. والتّمنّي شيء آخَرَ؛ لا أعرفه…؟!” تأفّفَ “إدريس” ثمَّ سأل: ” وَهلْ سيُفيدُكَ الفرْق؟ المُهِمّ؛ أنّني أتمنّى..!”

بعْد صمْتٍ قصير؛ سأله “سليمان” من جديد وكأنّهُ يُسايِرُهُ: ” وماذا تتمنّى يا صاحبي..؟” ببطءٍ لافتٍ؛ رفع “إدريسُ” عيْنيْهِ إلى الأعْلى، ثمّ أشار:” أتمنّى ألّا أسقط يوماً من ذلك المكان العالي….!” انتفض “سُلَيْمانُ” وصاحَ مُسْتغرباً: ” أُصْمُتْ يا إدريس… ما هذا الفألُ؟ ألا تعْلَم أنّ أقدارَ النّاسِ على أفواهِهِمْ…؟” بعْد ابْتسامَة باهتة؛ عقّبَ “إدريس” : “أنا لا أخشى السّقوط.. أنا أتمنّى ألّا أسقط..!..”  ينهض “سليمان” مُمْتعِضاً ويُعَلّق ساخراً: ” فلسفتُكَ عقيمة؛ يا صاحبي… قُمْ.. قُمْ.. فقدِ استهْلكْنا فتْرَة الرَّاحَة والجدل لا ينفع معك…”

يعملُ الشّابّانِ في ورشة بناء؛ تابعة لأحد الخواصّ؛ منذ ما يزيد على ثلاثِ سنوات.. ورغم المشاكل الصحّية التي كان “إدريس” يُعاني منها؛ إلّا أنّه أحبَّ حِرْفة البناء، أتْقَنَها، بلْ وتفنّنَ فيها؛ حتّى أصبح موضع استشارة بين بقية العاملين معه؛ خاصة أولئك الذين يُعْتَبَرون حديثي الانضمام إلى الورشة. كذلك صاحبه “سُليْمان”؛ لم يكن أقلّ مهارة منه… اخشوْشنتْ أيْديهما، غاب صفاء بشرة وجْهَيْهِما بلَهيبِ الشمسِ صيفاً، وبقسْوة البرْدِ شتاءً.. جمعتْهُما صداقة فريدة؛ قدّرَها جميع من عرفهما. درسا معا المراحل الأولى من حياتهما؛ ولمْ يُكتبْ لهما مُتابعة الدراسة؛ فاختارا الانضمام إلى مؤسسة التكوين المهني في سنٍّ مبكّرة؛ وتخرّجا  بشهادة ِمهَنِية في حِرْفة البناء…

جلْسَةُ الرّوح….

اليوم؛ يجلس “سليمانُ” وحيداً، شارد الذّهن، يُغالبُ دمعةً… دمْعتيْنِ.. يتبلّلُ كفُّهُ وهو يُسارع إلى إخفاء آثار العَبَرَاتِ المُنْسابة على وجْهِه… صامتٌ صمْتَ الحكيم الذي لخّص الحال وقال: ” الصَّمْتُ أفصـحُ الكـلام..!” 

 كسَرَهُ غيابُ رفيقه… اسْتوْحَشَ المكان والناس والزمان… وتبعْثَرَتْ أفكارُهُ جرّاءَ مُساءلاتٍ عميقة حول كُنْهِ الوُجودِ وحقيقة الغِيابِ ونقطة الصّراعِ بين أحلامٍ مرسومة وأمْنِياتٍ يتَقاذفُهَا المجْهولُ منْ رَصِيف التّوقّعاتِ إلى قلْعَة المُفاجَآت… اليوم.. يتذكّر كيف كان يسخَرُ منْ رفيقه دائماً، ويتّهِمُهُ بالتفلسُفِ العقيم حتّى أثناء تلك  الجلسات المَرِحَة، يتذكّر كم كان يُعاتِبُهُ على بعض الأفكار التي تُنَغِّصُ جلساتِهِما الجميلة وحَكاياهُمَا عن الأهل والمستقبل وعن ذكرياتهما في المدرسة؛ رغم قِصَرِ المدّة التي قضياها بيْن الأتراب والمُعَلّمين…يتأوّهُ “سُليْمان” وقد تمثّلَ أحد المشاهد أمام ناظِريْه.. حُبُّ رفيقه الصّغير “إدريس” لِإحْدى مُعَلّماته؛ تلك التي عوّضَتْهُ عن فقدان الأمّ؛ حينَ سقطتِ الأمُّ المِسْكينة في بِئرٍ بالجوارِ؛ في يومٍ عاصف؛ هاجتْ ريحهُ، واكفهرّتْ سماؤه، واشتدّ حنق طبيعته، وعزف الكَوْنُ مُوسِيقاه الجنائزية بينَ عويلٍ وإغماءاتٍ؛ شهِدتْها المنطقة بسبب اشتعال النيران في الرُّبوعِ المُحاذية.. وقْتَها كان في العاشرة منْ عمره؛ إذْ هو أوسطُ إخوته… بكى قلْبُهُ الصّغير، ومرض حتّى أُدْخِلَ المُسْتشْفى لأيامٍ عديدة، وكانتْ زيارات المُعلّمة لهُ؛ أعمق دافع لاسْتِعادة الرّغبة في الحياة… يوم خرج من المُسْتشفى؛ فاجأتْهُ بتقديم كرتونٍ كبير مملوء بألعاب مُختلفة؛ هدية له ولبقية إخوته.. ويوم عاد إلى المدرسة؛ فاجأَهُ الزُّملاء الصِّغار باستقبالٍ جميل؛ خطّطتْ له المعلّمة الطّيّبة؛ فاشترتْ كل ما يلزم لهذا الاستقبال… أثلجتِ المُعلّمة قلب الصبيّ، ومرّرتْ رسالة إنْسانية إلى عقول الصّغار وقلوبهم: “المحبّة”، “المواساة”، “المشاركة الوجدانية”، أفعالٌ ومشاعر تسمو بالروح إلى المُثُلِ العليا حيث الجمال والسلام.. 

موعدٌ مع اللحظة.. الفارقة…

يُقْبل التلميذ الصغير على التّعَلّم بكلّ أريحية… يجتهد… ينْشرحُ صدره.. يُفْضي إلى زميله “سليْمان” بِأمْنيته:  أن يُصْبحَ أستاذاً في المستقبَل.. يضحك “سُليمان” ضحْكته الطفولية؛ ويُفضي هو الآخر: “أنا أُحِبُّ أن أصْبح صحفياً محترفاً؛ أُغطّي أخبار العالَم بالصوت والصّورة..” غير أنّ حِبالَ الأمْنيات؛ سُرْعانَ ما يتقطّع…!

ذات يوم؛ تهتزّ المنطقة على وقْعِ فاجعة.. فبيْنما كانت المعلّمة الطيّبة؛ عائدة منَ المَصْرِف؛ فرِحة بتقاضي راتِبها الشهري، يُلاحقها لِصّان… يُحاوِلانِ افتكاك حقيبتها. وهي تتعارك معهما وتُحاولُ التّخلّصَ من ضرباتهما العنيفة على وجهها؛ إذْ بها تفقد توازنها فتسقط من فوق الجسر…! يلوذُ اللصان بالفرار.. ولكنّهُ فِرَارٌ مُؤقّت… 

أعدّتْ لها المدرسة تأبيناً؛ لمْ يلبثْ أنْ تحوّلَ إلى فضاء للشهيق والإغماءات.. انهار الصَّغير “إدريس” ولمْ يعُدْ قادراً على شيء…. حتى الدّمع هرب منْ مُقْلتيْه. لا يدري كيف عاد إلى البيت…. لا يدري كم طال مُكوثه تحت الشجرة المُحاذية لقاعة الدّرس؛ شجرة كانت المعلمة تُحبّها كثيراً وتقفُ تحْتها ريْثما يدخل جميع الصّغار إلى القاعة.. وكانت تُردّدُ في كذا مرّة وهي تنظر إليْها من وراء زجاج النافذة: “هذه الشجرة؛ تختصر غابة بكاملها…” وكأنها بهذه الصورة؛ تُعلِّمُهمْ تلخيص الجمال في حُدود ما يسْتوْعِبونَه… من المُعلّمة؛ تعلموا حُبّ الطبيعة، وشاركوا بسواعدهم الصغيرة في عمليات التّشْجير التي أُعْتُبِرتْ من الأنشطة الهامّة في المؤسّسة. عاد “إدريس” إلى البيت…. ولمْ يعُدْ إلى المدرسة….! حَدَثَ الغياب… فألغَى كلَّ الأمنيات.. رفيقُهُ “سُليمان”؛ درس عاماً آخر؛ ثمّ توقّف نهائياً عن المُتابعَة؛ بعد أن توفي والدهُ وخرجتْ أمُّه للِشُّغل؛ قرّر أن يشتغل هو الآخر رغم رفض والدته. كذلك فعل “إدريس”، حين استجاب لرغبة رفيقه؛ فأصبحا يشْتغلان معاً في متجرٍ كبيرٍ لبيع الخردوات.

كان صاحب المحلّ “الحاج محمّد” رجلاً تقيّاً، وَدوداً، كريماً معهما ومع كل الذين يشتغلون عنده. ولِصِغر سنّيْهِما؛ شغّلَهما في الطابق الأول من المتجر، بدلا من الصعود إلى الطابق الثاني حيث الأشياء الثقيلة وهو ما لا يتناسب وبِنْيَتَيْهِما الجسَدية. كان يتأمَّلُهُما ويسْعَدُ بضحكاتِهِما وحركاتِهِما وتنقّلاتِهِما في المكان وهو الذي حُرِمَ من نعمة الذّريّة. فوّض أمره لله، واقتنع بفكرة الاطمئنان: “الخيرة فيما اختاره الله”. بعد مدّة مُعْتَبَرَة من تشغيلِهِما؛ اقترح عليْهما وُلوجَ إحْدى مؤسّسات التكوين المِهَني، لِضمانِ مُسْتَقْبَلٍ أفضل.. وتعهّد بمتابعة الأمر حتى انضمّا فعْلاً إلى إحدى تلك المؤسّساتِ. بعد استيفاء مدّة التكوين؛ عادا إلى الرّجلِ التّقيّ؛ ليتوسّط لهما من أجل إيجاد عمل… شغَّلَهُما في البداية؛ في بيوت ودكاكين؛ تحتاج إلى ترْقيعات خفيفة؛ هذه الترقيعات ستُساهم في تدْريبِهِما وفي فتْحٍ مجالات لِتَجاربَ جديدة؛ حتّى حان موعد إدْماجِهِما في ورشة بناء؛ تعود ملْكيَتُها إلى أحد أصدقاء “الحاج محمّد”.. يعكفان على العمل وكُلّهُما حماسٌ وحيوية.. مع مرور الأيام؛ يَذيعُ صيتُهما؛ يُبارِكُ “الحاج مُحمّد” عملهما كلّما زارَاهُ في متْجرِه.. في آخر زيارة؛ لاحظ الحاج سهْوَ “إدريس” وقلّة كلامه.. سألهُ… فهِمَ أنّه يشُعر بضعْفٍ صحّي؛ بين الفينة والأخرى؛ وأنّ مردّ ذلك؛ هو التّعب؛ لا أقلّ ولا أكثر..  نصحه بفحص طبّي سريع؛ بُغْية الاطمئنان فقط…

ويسُلُّ الغُبارُ سيْفَه…

يُغالِبُ “إدريس” ضعْفَهُ، يتحامل على نفسه، ويستمرُّ ورفيقه في العمل بأرْيحية.. إلا أنّ هذه الأريحية لا تلبث أنْ تتعكّر مع مرور الأيام.. فقد أضحى الألمُ أقوى من الكتمان. بعد التّشْخيص الطّبي؛ كانتِ النّتيجة: تآكلُ أطراف إحدى رئتيْهِ. أسَرَّ إلى رفيقه؛ أنّهُ ومنذ الصّغَر؛ كان يستشْعِرُ بين الفينة والأخرى؛ ضيْقاً على مستوى الصّدر، وأنّ جهازهُ التّنَفُّسي لم يكن على ما يُرام. وقْتَها لم يقصدِ الأطباء إلّا نادراً، لأنّ عائلتهُ استبْدلَتْ علاج العيادات بعلاجِ الأعشاب حسب تقاليد المنطقة؛ ولأنّ عمل الأب كان يتطلب غيابا طويلا عنِ البيْت.

يُفكِّرُ “سُليْمان”: لعلَّ غُبارَ المباني هو السّبب في تفاقم وضْعِه؛ فبعْضُ المِهَن تؤثِّرُ على صحّةِ مُمْتَهِنيها.. يشيح بوجهه عن سرير رفيقه؛ وكأنّهُ يطرد هذه الفكرة. تدخل الطبيبة “شُكران” وخلْفها سِرْبٌ من الممرّضات والمُمرِّضين، يُطلَبُ منه الخروج والانتظار في الرّواق. بعد فترة مُعْتَبَرة من المعاينة؛ تخرج الطبيبة “شكران” وتطلبُ من “سليمان” أن يلحقها إلى المكتب. تُبَلِّغُهُ خطورة الوضع، وتشير عليْه بضرورة استدعاء عائلته؛ مادام قد أدلى في البداية؛ بأنه رفيقه فقط. يشعر “سليمان” وكأنه مقصوص الجناح.. كيف يتركه وَحْدَه؛ ويذهب لإخْبارِ عائلته.؟ و.. يُخْبِرُ مَنْ…؟ أخواهُ “جلول” و”رشيد”؛ غرِقا في عالمِ المُخدّرات وأضْحَيا من أصْحاب السَّوابق القضائية… أبوهُ أصيبَ بشلل نصْفي؛ بسبب أخويْهِ؛ زوجة أبيهِ أرْهَقَها الوضْع؛ ولم تعُد تحْتملْ حتّى أنّها طلبتْ منْ أخيها الأكبر أن يسكن معها ليُعينَها على مهّمتها في العناية بالمريض.. لمْ يتوانَ “سليمان” في الرجوع إلى مكتب الطبيبة؛ وإخبارها بهذه الحقائق… اكتفتْ “شكران” بالسماح له بالبقاء ريثما يُحَوّل المريض؛ إلى مصلحة استشفائية أخرى؛ أكثر تخصُّصاً في مثلِ حالته.. 

يومان في العلاج بالمصلحة المختصّة؛ ويفارق الحياة… يهرع “سليمان” إلى “الحاج محمّد”؛ يطلب المساعدة والاسترشاد…. يتكلّفُ الرّجل التّقيّ بإبْلاغ الوالد المشلول… يتكلف بتشييع جنازة “إدريس” على أكمل وجْه.. جنازة؛ يحْضُرُها جمعٌ كبيرٌ من عمّالِ ورشة البناء ومِنْ خارجها.

غُصّة الرّحيـــــل السريـــــع..

اليوم.. وهو مُنْحَنٍ على قبر رفيقه؛ تسرح أصابعه بين حبّاتِ التُّراب.. يجمعه تارة في إحدى كفّيْه، يتأمّلُه، تحرقه الزفرات، يُحدّثه: ” كيف حال رفيقي يا تراب…!؟ غيّبْته عنّي يا تراب..!  ألمْ يكْفِكَ أنّه عاش في التّراب…! أكَلَ التّراب… تنفّسَ التّراب… رِئتاهُ تُراب…!ِ ليْتَهُ يسمعُني مِنْ تحتك.. يا.. تراب…! أبْلِغْهُ أنّهُ لم يمُتْ حتّى وإن كان تحْت التّراب..! ” انهمرتْ دموع “سليْمان”، خُيِّلَ إليْهِ فجأة؛ أنّ إدريس “الفيلسوف”؛ قدْ تلبّسهُ.. خيِّلَ إليْهِ أنّهُ يُمازحُهُ.. أنّهُ يدعوهُ إلى إحدى جلساتِهِما المحفورة في الذاكرة… أرْهَفَ السّمع؛ ومن بعيدٍ وصله صوت “إدريس” :  ” أنا أتمنّى… أنا لا أحلـــم…”!

بخطواتٍ بطيئة؛ يسيرُ “سليْمان” بين القبور وكأنّه يراها لأوّل مرّة… يتساءل عنْ ساكنيها، يُغالب صرخة مكتومة بداخله: ” فعْلاً يا رفيقي.. وُلِدْتَ من تراب… وأسْقَطكَ التُّراب.. وعُدْتَ إلى التّراب…!” يُخيّلُ إليْه أنّه يسْمعُ درويشاً يُدنْدن:

من ترابِ خُلقتَ لا شكّ فيه    *    وغداً أنتَ صائرٌ للِتُّرابِ !

يخرج من المقبرة؛ يُلاحقه همسُ الدَّرويش:

رجع التُّرابُ إلى التّراب كما اقتضتْ   *     في كلّ خلْقٍ حكمة الخلّاق.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com