صورة مُهانة ورخصة مسحوبة: أين ينتصر القانون؟

13 فبراير 2026
صورة مُهانة ورخصة مسحوبة: أين ينتصر القانون؟

فاروق الدباغ 


في مدينةٍ عراقيةٍ مثقلةٍ بالصمت، نشر ضابط تحقيق صورًا خاصة لطليقته الطبيبة انتقامًا وابتزازًا، وحين انفجرت الفضيحة لم يتقدّم القانون إلى الواجهة بقدر ما تقدّمت “الخلافات الأسرية” و“الأعراف والتقاليد” كمظلّة تبرير؛ تحوّل الفعل الجنائي إلى شأن عائلي، وتحوّلت الضحية إلى متهمة لأنها طالبت بحقها، بينما احتمى المنصب بهيبته وكأن السلطة تمنح حصانة أخلاقية. في المقابل، وفي بلدة هادئة في السويد، أُوقف مدير شرطة لأنه كان يقود بسرعة 69 كيلومترًا في منطقة حدّها الأقصى 30، لم يكن في مطاردة ولا في مهمة طارئة، بل في طريقه إلى العمل، فكانت النتيجة سحب رخصة قيادته فورًا، ثم خروجه إلى الإعلام ليقول ببساطة: أتحمّل ما فعلته. لا تبرير، لا رواية بديلة، لا استدعاء للمكانة الوظيفية.

المفارقة هنا ليست بين جريمة مرورية وجريمة أخلاقية، بل بين مفهومين للمنصب: هناك يصبح المنصب درعًا يحجب المساءلة، وهنا يتحوّل المنصب إلى مسؤولية مضاعفة تُلزم صاحبها بأن يكون قدوة قبل أن يكون صاحب سلطة. رخصة القيادة في السويد ليست قطعة بلاستيك، بل عقد ثقة بين الفرد والمجتمع؛ حين تُمنح لك فهذا يعني أنك التزمت بقواعد تحمي الجميع، وحين تُسحب منك فالمعنى واضح: الثقة مشروطة، والقانون أعلى من الأشخاص. أما حين تُختزل جريمة انتقام وتشويه وابتزاز في “شأن عائلي”، فالمعنى أن الضعيف يُترك وحيدًا أمام نفوذ الأقوى. المجتمعات لا تُقاس بخلوّها من الأخطاء، بل بطريقة إدارتها لها: هل يُحاسَب المسؤول لأنه مسؤول، أم يُعفى لأنه مسؤول؟

بين صورةٍ استُبيحت باسم الأعراف، ورخصةٍ سُحبت باسم القانون، تتحدد المسافة بين ثقافة تحمي النفوذ وثقافة تحمي القاعدة، وبين نظام يبرّر الخطأ إذا صدر من القوي، ونظام يعترف به ويعاقب عليه ولو صدر ممن يطبّق القانون نفسه. هنا فقط يمكن فهم الفرق الحقيقي: العدالة ليست خطابًا أخلاقيًا، بل ممارسة يومية تبدأ حين يخضع الجميع للقانون، دون استثناء.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com