صباح البغدادي
(*) كلما تصاعدت نبرة حدة الخطاب السياسي الموجه حول استخدام “أسلحة خارقة” أو “قدرات غير تقليدية” أو ” السلاح المربك” أو ” السلاح الفتاك ” زادت لدينا سردية بان تكون احتمالية الهدف المباشر ذات تأثيراً إدراكياً وحسيا ونفسيا بالدرجة الأساس لا عملياتياً وتقنيآ وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأهم : ” هل يُراد للأخر في عقله الجمعي والراي العام بأن يصدق بان هذا السلاح سوف يُستخدم فعلاً ضدهم ، أم أن يكفي فقط أن يُصدَّق بوجوده لغرض الذهاب الى طاولة المفاوضات والتنازل وتلبية جميع الشروط ؟ وبالتالي اعتباره بديلاً استراتيجياً عن الضربة العسكرية لا مجرد تمهيد لها ؟.
(*)العالم بأسره سيحبس أنفاسه مترقباً ما ستُفضي إليه محادثات جنيف غدا , فنتائجها لن تقتصر على إطار تفاوضي تقني يتعلق بالملف النووي فقط ، بل سترسم صورة واقعية لملامح المرحلة المقبلة : إما تثبيت مسار السلم واحتواء التصعيد، أو الانزلاق إلى مسار الحرب بكل ما يحمله من تداعيات إقليمية ودولية , وتتحول هذه الجولة بعد يومين إلى مفترق طرق استراتيجي يحدد اتجاه البوصلة بين التهدئة والانفجار المرتقب.
ففي وقت تتسارع فيه وتيرة التصعيد الإقليمي والاقتراب من بدأ العد التنازلي وساعة الصفر ، تتزايد المؤشرات على أن “إسرائيل” تدفع باتجاه تعجيل خيار الضربة الجوية الأميركية ضد “إيران” ، في محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة . غير أن المشهد في “البيت الأبيض” ما يزال يبدو أكثر تعقيداً من ما تريده حسابات “إسرائيل” فالرئيس “ترامب” ما يزال يواصل الرهان على استراتيجية ” التفاوض تحت الضغط ” مستنداً إلى مزيج من الحشود العسكرية في الخليج وبحر العرب، وتشديد العقوبات على صادرات النفط الإيرانية، على أمل تحقيق مكاسب سياسية من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة لا يمكن التكهن بتداعياتها، حتى بالنسبة لأكثر مراكز القرار خبرة في “واشنطن” لان هذا التوجه يحظى، بدرجات متفاوتة، بتقاطع مصالح مع قوى دولية وإقليمية كبرى، من بينها دول الاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة، وروسيا، والصين، فضلاً عن دول الخليج العربي، التي ترى جميعها أن كلفة الحرب الشاملة قد تتجاوز بكثير عوائدها السياسية أو الاستراتيجية.
ولكن وحسب متابعتنا عن كثب لهذا السجال وما يغيب عن كثير من التحليلات هو البعد الأكثر خفاءً وتأثيراً والذي يتمثل حاليآ بـ”الحرب النفسية” فإلى جانب أدوات الضغط التقليدية، يوظّف “ترامب” خطاباً إعلامياً ممنهجاً يقوم على التلويح بامتلاك “سلاح سري خارق” قادر على شلّ الدفاعات الجوية للخصوم، في إشارة إلى ما قيل عن تعطيل أنظمة دفاع جوي في فنزويلا عبر وسائل غير تقليدية تقترب من الهجمات السيبرانية أو تقنيات التشويش المتقدمة. ورغم غياب أي توثيق علمي أو تقني مستقل يؤكد طبيعة هذا السلاح أو فعاليته، فإن مجرد الترويج له يحقق هدفاً نفسياً مزدوجاً : أولاً: إرباك الخصم عبر زرع الشك في جاهزية منظوماته الدفاعية ، وثانياً : تعزيز صورة الردع الأميركية أمام الرأي العام الداخلي والحلفاء على حد سواء. في هذا السياق، تتحول الغموضية المقصودة إلى أداة استراتيجية؛ فكلما ازداد الغموض حول طبيعة القدرات الخارقة السرية التي تمتلكها أمريكا ، تضاعف أثرها الردعي على نفسية وعقلية الاخر لان الرهان هنا لا يقوم على تدمير البنية العسكرية للخصم بقدر ما يقوم على إضعاف ثقته بقدراته في مواجهة العسكرية ، ودفعه إلى إعادة حساباته من موقع الشك والقلق والريبة . وهذه تاتي من خلال استراتيجية اخرى وإنها محاولة لكسب المعركة قبل أن تبدأ، عبر تحويل الإدراك الحسي والتشكيك بقدرات الخصم إلى ساحة قتال موازية لا تقل أهمية من الضربة العسكرية الجوية المرتقبة .
ومن خلال منظور استباقي ، يمكن القول إن تصاعد هذا النمط من “الحرب النفسية ” قد يشكّل سمة رئيسية للصراعات المقبلة في المنطقة. فبدلاً من الضربات المباشرة، قد نشهد توسيعاً لاستخدام أدوات الحرب السيبرانية، والتشويش الإلكتروني، والتسريبات الإعلامية الموجّهة ، بما يخلق بيئة ضبابية ومشوشة تدفع الخصم إلى التراجع تحت وطأة الشك بنفسه وبقدراته العسكرية التي يملكها لا تحت وقع القصف الجوي الصاروخي , وفي المحصلة، يبدو أن إدارة الرئيس “ترامب” تسعى إلى هندسة معادلة ردع جديدة قوامها “ التهديد بمغموض سلاحها السري ”، حيث تصبح سردية الكلمة المدروسة، والتلميح المقصود، والعبارات والجمل المباشرة التي تستهدف الخصم قبل غيره جزءاً لا يتجزأ من ترسانة لا تقل أثراً عن الصواريخ والطائرات والبارجات وحاملات الطائرات .
ففي مراجعة بسيطة لكثير من التغطيات الإعلامية العربية وحتى الأجنبية ، التي غالباً ما تنشغل حاليآ ومن خلال ممثليها في برامجهم السياسية باحتمال الضربة العسكرية نفسها دون الاشارة أو حتى التفكير ومن خلال تفكيك البعد النفسي كأداة مستقلة بحد ذاتها ويغيب عن كثير من التحليلات توصيف ما يجري بوصفه حرباً نفسية مكتملة الأركان . صحيح أن بعض الأدبيات الغربية تحدثت عن “ الردع المركّب ” و“الإكراه دون حرب” غير أن الطرح الصريح للحرب النفسية كخيار استراتيجي مستقل بحد ذاته ، يُراد له أن يحقق أهدافاً سياسية دون إطلاق رصاصة على الخصم ، ما يزال نراه أنه لم يحظ بالقدر الكافي من الوضوح الصريح والواضح والمباشر في الخطاب الإعلامي العربي والغربي على حدأ سواء والمقاربة الحالية التي نطرحها بصورة أوضح , تنطلق من سردية قراءة تعتبر الغموض المقصود ، والتلويح بقدرات غير تقليدية ، وصناعة صورة ردعية مبالغ فيها، وأدواتٍ عملياتية تهدف إلى إخضاع الخصم إدراكياً ونفسيآ قبل استهدافه عسكرياً، وهو ما يضع “الحرب النفسية” في موقع القلب من المعادلة لا على هامشها وبهدف التأثير في حسابات الخصم وصياغة بيئة تفاوضية تكون مشروطة مسيقا أكثر ملاءمة من نهج التدخل العسكري وتعيد ترتيب الأولويات التحليلية عبر وضع الحرب النفسية في صدارة أدوات إدارة الأزمة , وبينما تتجه الأنظار إلى جنيف التي تستضيف الثلاثاء المقبل جولة محادثات مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة من سلطنة عُمان، تبدو هذه الجولة اختباراً حاسماً لإمكانات التهدئة وإعادة ضبط مسار الملف النووي. التفاؤل الحذر يرافق الاستعدادات، وسط رهانات على أن تكون هذه المفاوضات بوابة تسوية نهائية تنهي مرحلة التصعيد المتدرج . غير أن حسابات التفاؤل تصطدم بمخاوف من استمرار سياسة المماطلة التي تتهم بها القيادة الإيرانية، وهي سياسة قد تقلب الطاولة على مسار التهدئة إذا ما فُسرت في واشنطن بوصفها محاولة لكسب الوقت وتحسين الشروط التفاوضية. عند هذه النقطة، لا يعود الفشل مجرد تعثر دبلوماسي، بل يتحول إلى عامل ضغط يقرّب ما يمكن وصفه بـ“ساعة الصفر” عقب محادثات جنيف.
المفارقة أن هذا السيناريو لا يبدو خياراً مفضلاً حتى لدى إدارة دونالد ترامب، التي دأبت على تقديم التفاوض تحت الضغط بديلاً عن الانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة. لكن السياسة، حين تبلغ حافة الاختبار، قد تفرض قرارات لا تنسجم بالضرورة مع الرغبات المعلنة. فإذا ما انتهت محادثات جنيف دون اختراق ملموس، قد تجد الإدارة الأميركية نفسها أمام مفترق حاسم: المضي نحو خيار الضربة، أو تأجيلها مع ما يحمله ذلك من كلفة ردعية وسياسية. وهكذا تتحول جنيف من مجرد ساحة حوار إلى محطة فاصلة في مسار الأزمة؛ فإما أن تكرّس منطق التسوية، وإما أن تُسرّع العدّ التنازلي لقرار لن يكون سهلاً على أي من الطرفين.
في المحصلة النهائية ، قد لا يكون السؤال الحاسم هو متى تُطلق تحين ساعة الصفر لاطلاق وابل الصواريخ ، بل متى يقتنع الخصم بأنه خسر الرهان قبل أن تُطلق . فحين تتحول التصريحات إلى أدوات ردع ، ويغدو الغموض سلاحاً سريا للخصم ، وتصبح تشكيل الصورة الذهنية في العقل الجمعي للخصم جزءاً من موازين القوى ، فإن ساحة الصراع تنتقل من الميدان إلى العقل . عندها، لا يعود التفوق مرهوناً بعدد الطائرات أو الصواريخ، بل بقدرة طرفٍ ما على إعادة تشكيل إدراك الطرف الآخر لواقعه وخياراته . وهنا تحديداً تتجلى خطورة الحرب النفسية : إنها معركة تُحسم في الحسابات قبل أن تُحسم في الخرائط ، وقد تُخضع الخصم سياسياً من دون أن تُستنزف عسكرياً والذي سيحدد مسار المرحلة المقبلة ليس فقط : هل تقع الضربة ؟ بل أيضاً: إلى أي مدى يمكن للحرب النفسية أن تحقّق ما عجزت عنه القوة الصلبة عبر التاريخ ؟.


















































