تخلي الحكومة العراقية عن حماية مواطنيها

21 فبراير 2026
تخلي الحكومة العراقية عن حماية مواطنيها


صباح البغدادي

من حيث المبدأ فإن أي دعوة صريحة وعلنية وفتح مكاتب ومراكز لتجنيد مواطنين للقيام بعمليات انتحارية أو أعمال مسلحة لصالح دولة أجنبية ؟ تُعد خرقًا خطيرًا للدستور العراقي والقوانين النافذة ، بما فيها قانون مكافحة الإرهاب ومسؤولية الحكومة — أيًا كان رئيسها أو تحالفها الحزبي — هي حصر السلاح بيد الدولة ومنع أي تشكيلات مسلحة أو جهات حزبية من العمل خارج المنظومة الرسمية.
ولكن مع الأسف أصبح الواقع السياسي منذ 2003 ولغاية الآن , قائم على توازنات طائفية معقدة بين قوى حزبية مسلحة , ويتصدر المشهد حاليآ بكل مأساوية بعض الفصائل المرتبطة بما يُعرف بـ”محور المقاومة والممانعة” لأن احد أهم مبادئ عقيدتها تترجم وترى نفسها جزءًا من صراع إقليمي أوسع ، وخاصة في سياق العلاقة مع إيران والعداء للوجود الأمريكي أو الاسرائيلي أو حتى بعض الدول العربية , ولكن في المقابل، هناك أطراف حزبية وتكتلات عراقية أخرى ترفض زج العراق في صراعات إقليمية، وتطالب بسيادة القرار الوطني وعدم تحويل البلاد إلى ساحة تصفية حسابات بين الولايات المتحدة وإيران أو غيرهما .
وهنا تبرز لنا بصورة صارخة ” ازدواجية المعايير ” التي تتبعها الاجهزة الحكومية والامنية وحتى مجلس النواب ــ أي لو كان التطوع لصالح السعودية بدل إيران ـ فما الذي تتصوره أيها القارئ ومعكم الراي العام , اليس أول تصور سوف يدور في مخيلتك أنه يعكس شعورًا بعدم المساواة في تطبيق ( القانون ) لان كثير من العراقيين، من مختلف الطوائف والمذاهب والقوميات ، يطرحون مخاوف مشابهة بشأن الانتقائية في إنفاذ القوانين، خصوصًا عندما يتعلق الأمر لجهات حزبية ومسلحة نافذة سياسيًا . ومسألة استغلال الخطاب الديني في المساجد والحسينيات والمراكز الثقافية الحزبية وتحفيز الشباب للقيام بعمليات انتحارية عبر وعود بدخول الجنة من دون أي حساب ؟  فهذه تعد إشكالية أخلاقية ودينية عميقة . غالبية المرجعيات الدينية التقليدية — سواء الشيعية أو السنية — لا تُجيز الأعمال الانتحارية خارج سياق دفاعي منظم وتحت سلطة دولة معترف بها للدفاع عن الوطن الذي ينتمي إليه المواطن وليس لصالح دولة اجنبية . لان استغلال العاطفة الدينية للشباب، خاصة في ظل البطالة والفقر، يطرح سؤالًا اجتماعيًا واقتصاديًا بقدر ما هو أمني ؟ اليوم نشاهد بأن الإعلام العراقي منقسم هو الآخر سياسيًا حول هذا الموضوع , ومع الاسف يبتعدون كليآ عن طرحه علنا للمناقشة العلنية ؟ بعض القنوات المرتبطة بأحزاب أو فصائل ولائية مسلحة ، تتجنب طرح ملفات تمس حلفائها حتى ولو كان الفعل خارج سياق القوانين ؟ وحتى ان وجدت منصات مستقلة تطرح هذه القضايا وتطالب في برامجها السياسية والحوارية بأن تعمل الدولة واجبها تجاه مواطنيها وتطالب بأن تتخذ اجراءات عقابية وفق القانون ، ولكنها غالبًا سوف تواجه ضغوطًا أو قيودًا تفرض عيلها بل وتسارع الجهات الرقابية في ” هيئة الاعلام والاتصالات ” الى توجيه فوري لغلق القناة , ولكن لإيران فهذا من المحرمات المساس بها مهما كان عنف الخطاب الإعلامي الموجه ولأن جوهر القضية يمثل بان هل الدولة هي قائمة على عمل المؤسسات وبالتالي تحتكر قرار السلم والحرب؟ أم أنها مجرد ساحة تتقاطع فيها ولاءات عابرة للحدود؟ لأن أي انخراط غير رسمي في عمليات عسكرية خارج قرار الدولة يعرض العراق لمخاطر كبيرة، سواء من حيث الردود الدولية أو الانقسام الداخلي أو حتى العقوبات الاقتصادية , ولذا يجب أن تسارع الحكومة في الوقت نفسه، الى معالجة حقيقية وجذرية لهذه الظواهر وان لا تكون فقط أمنيًا، بل أيضًا عبر العمل على ايجاد إصلاح سياسي حقيقي و فرص عمل للشباب و خطاب ديني مسؤول وقضاء مستقل يطبق القانون دون تمييز , ولذا نحن على قناعة تامة ناتجة , من حق أي مواطن أن ينتقد الحكومة ويطالبها بحماية السيادة ومنع استغلال الشباب، ولكن الأهم أن يبقى النقاش في إطار وطني جامع لا يزيد من الانقسام الطائفي الذي عانى منه العراق كثيرًا. والدستور العراقي ينص بوضوح على أن : القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تخضع للسلطة المدنية. و لا يجوز تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار الدولة. وقرار السلم والحرب من اختصاص السلطات الدستورية التشريعية وبمعنى قانوني صريح بأن: أي نشاط عسكري منظم خارج منظومة الدولة، أو أي تجنيد للقتال دون تفويض رسمي، يُعد خرقًا لمبدأ احتكار الدولة لقرار السلم والحرب. وقانون مكافحة الإرهاب (المادة 4 إرهاب) يجرّم صراحة كل من : التحريض و التمويل و التخطيط و التنفيذ أو حتى التهديد بأعمال إرهابية والمسؤولية لا تقع فقط على المنفذ، بل تشمل المحرض والممول والمنظم. و إذا كان التطوع يهدف إلى تنفيذ عمليات انتحارية أو هجمات مسلحة خارج قرار الدولة، فهل ينطبق عليه وصف العمل هذا الفعل بالإرهابي؟ لان القانون صريح وواضح وكما يقال في الفقه القانوني ” لا اجتهاد في النص ” والحكومة مسؤولة عن توفير حماية الأمن الداخلي ومنع أي نشاط مسلح خارج إطارها ومنع استخدام الأراضي العراقية لشن هجمات على دول أخرى , لأن التقاعس الحكومي عن اتخاذ أي اجراء قانوني بحق مراكز ومكاتب التطوع سوف يُفسر سياسيًا على أنه  عجز وفشل وخضوع لتوازنات سياسية وقبول ضمني بالأمر الواقع .
العلاقة بين دولتين يجب أن تُدار عبر مؤسسات رسمية، لا عبر فصائل مسلحة أو تعبئة شعبية عابرة للحدود. وإذا تحول العراق إلى ساحة مواجهة بين إيران وخصومها، فسيكون مسرحًا للردود وليس صاحب قرار , وهنا يكمن الخطر الحقيقي , فقدان الاستقلال الاستراتيجي. وجوهر المشكلة والقضية ليست فقط في “من يدافع عن من” لأن القضية هي بالأساس تنحصر : ” بمن يملك قرار الحرب والسلم ؟ هل الدولة أو الفصائل الولائية المسلحة ” وإذا لم يكن القرار حصريًا بيد الدولة، فإن مفهوم السيادة يصبح نظريًا.إذا لم يكن قرار السلاح موحدًا داخل الدولة، فإن أي شرارة إقليمية قد تتحول إلى أزمة داخلية عميقة. ولذا فإن الصمت الحكومي لغاية الان هو أخطر من الفعل ذاته ؟ لان في أي دولة تحترم نفسها، لا يمكن أن يُترك ملف تجنيد الشباب للقتال خارج الحدود، أو الزج بهم في عمليات انتحارية ذات طابع إقليمي، بلا مساءلة ولا موقف رسمي واضح . ولكن في العراق، يبدو أن الصمت أصبح سياسة، والتغاضي أصبح منهجًا، وكأن دماء الشباب سلعة تفاوض في بازار الصراعات الإقليمية. وحين تُفتح مكاتب لتسجيل أسماء “متطوعين” للقتال دفاعًا عن إيران، وحين يُستثار الخطاب الديني لتأجيج الحماسة الطائفية والعاطفية واسترجاع موروث ال البيت وسيرة ثورة الحسين لدى شباب يعانون أصلًا من بطالة وفقر وانسداد أفق، فإن السؤال لا يكون فقط: من يقف خلف هذه الدعوات؟ بل الأهم: أين المؤسسات الامنية والرقابية من كل ما يجري ؟ بل أين اصبحت الحكومة والتي أقسمت على حماية مواطنيها ؟ وأين الأجهزة الأمنية التي تطبق قانون مكافحة الإرهاب بحزم عندما يتعلق الأمر بخصوم سياسيين ، لكنها تبدو مشلولة عندما يتعلق الأمر بفصائل مسلحة ولائية نافذة أصبحت تحتكر لنفسها قرار السلم والحرب ؟ بل أين الادعاء العام ؟ أين القضاء؟ أين مجلس النواب من كل ما يجري ؟ لغاية الان لم نسمع منه أنه أتخذ أي أجراء فعلي لغرض التصدي لظاهرة فتح مكاتب التطوع للقيام بعمليات انتحارية ؟ لأن الصمت هنا ليس حيادًا. الصمت موقف ترضى به وحين تصمت الدولة أمام دعوات تدفع شبابها إلى محرقة إقليمية، فإنها ترسل رسالة خطيرة الى المواطن : ” إما أنها عاجزة، أو أنها متواطئة، أو أنها خاضعة لمعادلات قوة لا تجرؤ على كسرها” ومفهوم السيادة ليس شعارًا انتقائيًا تروج إعلاميا وإذا قام شاب عراقي أخذته العزة بالإثم  بعملية انتحارية ضد مصالح الولايات المتحدة داخل الأراضي العراقية، فهل ستكون النتيجة مجرد بيان إدانة ؟ أم أن العراق سيدفع الثمن سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا ؟فهل تتحمل البلاد عقوبات جديدة ؟ تصعيد عسكري ؟ ضربات انتقامية ؟ ومن سيتحمل النتائج ؟ هل القادة الأمنيين والوزراء ؟ قادة الفصائل ؟ أم عوائل الفقراء الذين يُدفع بأبنائهم إلى الخطوط الأمامية ؟ مفهوم السيادة لا تتجزأ. لا يمكن أن تكون صارمة عندما يتعلق الأمر بطرف ، ومتراخية عندما يتعلق الأمر بطرف آخر. 

الآن تعال معي أيها القارىء الكريم , وأنتم اهل الراي والحل والعزم , ولنتحدث بصراحة أكثر ومن دون لف أو دوران في حلقة مفرغة , لو افترضنا سيناريو معاكسًا : فتح مراكز تطوع  في المحافظات السنية للقتال دفاعًا عن دولة أخرى مثل ” السعودية ” على الرغم من أنها دولة عربية نتشارك القومية واللغة والدين وليس دولة أجنبية مثل إيران ، فهل الموقف الحكومي سيكون ذاته ؟ أم كانت القوانين ستُستحضر فورًا ، وحملات الاعتقال ستنطلق ، وحالة الطوارئ ستُناقش في مجلس النواب العراقي خلال ساعات ليتم تنفيذها فورآ وبأثر رجعي  ؟ وليس خلال أيام ؟ ويتم فرض الأحكام العرفية في المحافظات السنية ؟ ويتم تطويقها بقطعات الجيش والحشد الشعبي ؟ ويمنع التجول ؟ ولزج الشباب والشيوخ في المعتقلات والسجون ويتم محاكمتهم وفق قانون مكافحة الإرهاب ؟ هنا نستطيع أن نقول ومن دون مجاملة لاحد ؟ ولأنها الحقيقية المجردة ومن دون أي مواقف مسبقة سوف تتجلى بكل وضوح وجرأة في ازدواجية المعايير لانه ستكون أخطر من الفوضى نفسها ، ولأنها سوف تقتل فكرة الدولة العادلة أمام مواطنيها من جذورها .
الشباب العراقي لا يحتاج إلى من يقنعه بالموت. يحتاج إلى من يمنحه سببًا للحياة وأمل بمستقبل مشرق .واليوم تقف بغداد أمام اختبار تاريخي وإما أن تكون عاصمة دولة تقرر مصيرها بنفسها، أو ساحة تُدار فيها المعارك بالوكالة. المعركة المرتقبة — إن اندلعت — لن تكون دفاعًا عن كرامة العراقيين، بل ستكون امتدادًا لصراع أكبر منهم. والخاسر الأول سيكون الداخل العراقي : أمنًا، وانهيار اقتصادًا، وتشتت لوحدة وطنية.
اليوم السكوت الحكومي لا يفسر بانه حيادًا … بل موافقة ضمنية ومشاركة فعالة لغرض الزج بالشباب العراقي في معركة خاسرة حتى قبل أن تبدأ ؟ فحين لا تُغلق مكاتب التجنيد ، وحين لا يُستدعى المحرضون إلى القضاء، وحين لا يصدر موقف رسمي واضح يرفض زج العراق في حرب ليست حربه، لذا فإن الرسالة المفهومة شعبيًا هي أن هناك ضوءًا أخضر غير معلن. وهذا الضوء الأخضر هذا قد يقود إلى نفق مظلم لا خروج منه , وما يزال العراق يعاني ولم يتعافَ بعد من حروب الأمس الطائفية ، ولا يحتمل مغامرات جديدة تُكتب بدماء شبابه. لذا فإن الدولة التي لا تحمي أبناءها من الاستغلال ، ولا تحمي سيادتها من التآكل ، سوف تفتح الباب واسعًا أمام فقدان الثقة وحين تفقد الشعوب ثقتها بدولها وحكوماتها ، يبدأ الانهيار الحقيقي لمفهوم الوطن والمواطنة ؟ ونتمنى على الحكومة أن تعالج هذا الموضوع قبل فوات الاوان !

sabahalbaghdadi@gmail.com

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com