فاروق الدباغ
في السويد، خطأ تقني في ملف أُرسل إلى البنك يؤخّر رواتب 12 ألف موظف يومًا واحدًا. تقوم الدنيا ولا تقعد. يخرج المتحدث باسم الشركة، يعتذر علنًا، يشرح السبب، ويعد بإجراءات تمنع التكرار.
اعتذار رسمي… لأن موظفًا قد يتأخر عليه إيجار شقة أو قسط سيارة.
وفي العراق؟
يتأخر راتب المتقاعد لأيام… لأسابيع… أحيانًا لموعدٍ لا يعرفه أحد.
ولا بيان.
ولا تفسير.
ولا حتى اعتذار.
الفارق ليس في المال.
الفارق في احترام الإنسان.
في بلدٍ يُفترض أنه دولة نفطية، يعيش المتقاعد وهو الفئة الأضعف اقتصاديًا على حافة القلق الدائم. ينتظر رسالة مصرفية كما ينتظر المريض نتيجة فحصٍ خطير. يسأل: هل نزل الراتب؟ هل أستطيع شراء الدواء هذا الشهر؟ هل أدفع الإيجار أم أؤجل فاتورة الكهرباء؟
تأخير الراتب في العراق ليس “خللًا تقنيًا”.
إنه خلل إداري مزمن.
إنه ثقافة ردّ الفعل بدل التخطيط.
إنه غياب نظام إدارة أزمات حقيقي.
إنه دولة تُدار أحيانًا بتغريدة على منصة X بدل أن تُدار بمؤسسات راسخة وأنظمة واضحة.
أي مفارقة هذه؟
شركة خاصة تعتذر عن يوم تأخير.
ودولة كاملة لا تعتذر عن إرباك حياة ملايين.
المشكلة ليست في يومٍ أو يومين.
المشكلة في القلق المتراكم الذي يسكن صدور الناس.
في الشعور بأن حياتك معلّقة بقرارٍ مفاجئ، أو بتوقيعٍ متأخر، أو بمزاج سياسي متقلب.
في غياب جدول واضح مقدّس لا يُمسّ: “الراتب في هذا اليوم… مهما حدث”.
الدولة التي لا تضمن انتظام الرواتب، لا تضمن الاستقرار النفسي لمواطنيها.
وحين يعيش المواطن في توتر دائم، ينهار الإحساس بالأمان، ويحلّ محلّه الغضب الصامت.
العراق لا يحتاج تغريدة جديدة.
ولا يحتاج تبريرًا موسميًا.
يحتاج نظامًا إداريًا يحترم الوقت.
يحتاج خطة مالية واضحة لا تتبدّل بتبدّل المزاج السياسي.
يحتاج ثقافة اعتذار حين يخطئ، ومحاسبة حين يتكرر الخطأ.
ربما لا يحتاج العراق اعتذارًا من منصة X.
بل يحتاج قرارًا حكوميًا يُغني الناس عن انتظار أي منصة أصلًا.
الراتب ليس منّة.
إنه حق.
والحق حين يتأخر… يتحول إلى وجع.
فاروق الدباغ



















































