بهاء الدين محمد
التحليلُ العلميُّ للواقعِ التاريخي يمكن أن يوصلنا إلى فهمٍ دقيقٍ لحقيقةِ الحدثِ التاريخي، أو أن يُقرِّبنا من حقيقته ما أمكن. ولعلّ ثورةَ رمضان فيها من الإشكالات أكثرُ من بقية الثورات التي سبقتها، مثل: ثورة تموز 1958 أو 1941، أو التي جاءت بعدها، مثل ثورة 18 تشرين من نفس العام 1963؛ لكن ليس أقلّ من انقلاب المخابرات الأمريكية المباشر في 17 تموز 1968.
والمهم، إذا أردنا الانتباه إلى حقيقة الثورة أو الانقلاب — وككلِّ حدثٍ تاريخي — فيجب أن نضعه في سياقه التاريخي، حتى تظهر جوانب تأثيره، فيُقيَّم تقييماً دقيقاً.
وثورة رمضان، أو انقلاب شباط الأسود — كما يسميها الشيوعيون وأذنابهم، أو المتأثرون بإشاعاتهم — جاءت في سياق مسارٍ تاريخيٍّ لتخليص العراق من إفرازات الحقبة الاستعمارية التي عصفت بالعراق منذ عام 1917، وخلفت نظام حكمٍ تابعاً رُسِم على هامش الحكم الملكي في بريطانيا، الذي هو مركز الماسونية العالمية، والذي أصدر وعد بلفور باغتصاب فلسطين وإنشاء الكيان الصهيوني في نفس سنة احتلال بغداد، آذار 1917.
فكانت هناك ثورة النجف 1918، ثم ثورة العشرين الكبرى، ثم المقاومة السياسية لمشروع الاحتلال والانتداب ومعاهدته الجائرة، وحتى فرض الحكومة المأجورة، وصولاً إلى مؤتمر كربلاء الذي عقدته المرجعية المجاهدة بقيادة الإمام المجاهد الشيخ محمد مهدي الخالصي الكبير، والذي عُقد تحت شعار: «صدّ عدوان الإخوان»، وهم الحركة السلفية الوهابية؛ حيث كانوا قد هجموا على قرى جنوب العراق في غرب الفرات، وبتحريضٍ من الإنكليز، لإلجاء العراقيين إلى طلب العون من المحتلين والخضوع لخططهم.
فبادر الإمام الخالصي إلى عقد المؤتمر العام للشعب العراقي، ودعا أكثر من خمسمائة شخصية إلى كربلاء، فحضر أكثر من مائتي ألف زائر من كل أنحاء العراق، ومن كل طبقات الناس وطوائفهم، تحت رايةٍ واحدة عنوانها: الإسلام والعراق.
وقد أدّى هذا الحدث، وإصرار المرجعية المجاهدة على تحقيق الوحدة الوطنية والاستقلال الناجز، ورفض مسرحية الانتخابات المزيّفة التي أُريد منها تمرير معاهدة الانتداب البريطاني الجائرة، إلى أن انتهت المواجهة بنفي الإمام الأكبر ومرجع الأمة المجاهد الخالصي الكبير. أعقبها خروج أكثر من سبعة عشر عالماً من كبار علماء حوزة النجف الأشرف احتجاجاً على نفي المرجع القائد، وكان على رأس المجموعة المحتجة ثلاثةٌ من كبار الأساتذة والمراجع في النجف، وهم: الآيات محمد حسين النائيني، والسيد أبو الحسن الأصفهاني، والخراساني نجل صاحب الكفاية. فقام المحتلون بنفيهم خارج العراق، وقالوا: «لقد أعدناهم إلى بلدهم إيران بناءً على رغبتهم»، في واحدةٍ من أكبر أكاذيب الاستعمار عبر التاريخ.
واستمر نهج المقاومة حتى وفاة الملك فيصل في سويسرا، وبظروفٍ غامضةٍ مشبوهة. وجاء بعده ابنه غازي، الذي أحسّ بثقل المؤامرة على العراق والأمة، وحتى على أبيه وجدّه وعائلته، فكان يُظهر الكراهة للإنكليز ومخططاتهم؛ فقاموا بتصفيته بكذبةٍ أخرى، وهي حادث سيرٍ مفتعل.
واستمر النهج حتى ثورة 1941، حيث ثار ضباط الجيش العراقي في أبرز تحرّكٍ عسكريٍّ لمواجهة قوات الاحتلال البريطاني. ثم جاءت حرب فلسطين والنكبة فيها، فأيقن الضباط المخلصون — وعلى رأسهم رفعت الحاج سري — بوجوب قيام الجيش بحركةٍ ثوريةٍ تغييرية، فبدأ بمفاتحة زملائه في فلسطين، وكان عددهم كبيراً، لإنشاء تنظيم الضباط الأحرار، فاستجابوا له بحرارة، بعد أن شاهدوا بأعينهم المؤامرة الخيانية التي أدّت إلى قيام الكيان الصهيوني، وحصول النكبة الكبرى للأمة، التي ما زالت آثارها خانقةً إلى اليوم.
لقد زاد الغضب الشعبي العارم على الحكم الملكي من إصرار الضباط الأحرار على القيام بتحرّكهم الثوري، وكانوا يتحيّنون الفرصة المناسبة، ويضعون الخطط المختلفة. ولم تتح الفرصة إلا على يد أحد أشجع هؤلاء الضباط، وهو عبد السلام محمد عارف، الذي عُرف بالشجاعة والتديّن، ومن أصولٍ عربيةٍ معروفة، دون أن يشكّل هذا تشدداً قومياً في تعامله مع أبناء القوميات الأخرى.
وكان تحرّك هذا الرجل مع صديقه الوفي عبد الكريم قاسم، آمر اللواء التاسع عشر، كما عبّر عنه في رسالته إلى والده ليلة الانقلاب. فدخل اللواء العشرون — بعد أن سيطر عليه عارف — إلى بغداد، وأسقط الحكم الملكي، وأذاع بنفسه بيان الثورة الذي ألهب جماهير الشعب، فنزلوا إلى الشوارع بأعدادٍ غفيرة، فرحين وغاضبين؛ مما أدّى إلى حصول جرائم قتلٍ خطيرة، وممارساتٍ وحشية، من سحل الجثث وتمزيق الموتى، كما حصل لبعض المسؤولين ومن أفراد العائلة المالكة.
وعلى كل حال، استقرت الأحوال دون حسم الأمور وتحقيق العدالة ومحاسبة المقصرين بشفافيةٍ وإخلاص؛ لكن الاستقرار لم يستمر؛ إذ دبّ الخلاف بين رجلي الثورة، عبد السلام وعبد الكريم، وانقسم الناس إلى قسمين: شيوعيين وأذنابهم انضموا تحت راية قاسم، وبقيةٌ أيّدوا عبد السلام عارف لمواجهة الشيوعيين وجرائمهم، وانحرافات قاسم وجرائمه المتراكمة، خصوصاً إعدام زملائه الضباط الأحرار، وعلى رأسهم مؤسس التنظيم الأول.
فصار الحسمُ لازمًا بين الجهتين، حتى عبّر عن هذه الأزمة مؤسّسُ حزب البعث في العراق، وابنُ مدينة الناصرية، بأنّ «الحلَّ الأوحد — وعلى وزن الزعيم الأوحد — هو اغتيال الزعيم»، وبشكلٍ قاسٍ وعنيف. وهو ما جرى في شارع الرشيد، والذي جوبه باعتراض قادة المواجهة من العلماء والسياسيين. حتى إنّ القيادة القومية لحزب البعث أصدرت قرارًا بفصل الركابي ومنفّذي عملية الاغتيال من الحزب.
إلّا أنّ الصراع ظلّ متصاعدًا، وكان لا بدّ من حسمه بأيّ شكل؛ لأنّ الطرفين لم يتمكّنا من إيجاد مشتركاتٍ للقاء أو للحوار. وهكذا اتجهت الأحداث إلى ثورةٍ جديدة، هي التي تفجّرت في صبيحة يوم الجمعة، 14 رمضان، الثامن من شباط 1963.
كانت ثورةُ رمضان تتّسم بميزتين: مشاركةٌ شعبيةٌ من شباب العراق، حيث قاتلوا مع وحدات الجيش التي اتسمت بمشاركةٍ واسعةٍ من ضباطٍ إسلاميين وقوميين عروبيين، بما فيهم بعثيون معروفون. فبدأ الهجوم على مقرّ قاسم، الذي تحصّن في وزارة الدفاع، وقام الطيارون بدورٍ كبيرٍ باستخدام الطائرات؛ إذ قُصفت الوزارة بقوةٍ وعلى عدّة مرات، وجرى الهجوم البرّي بعد القصف الجوّي ليُحاصَر الزعيم نفسه داخل الوزارة، وقاعة الشعب المجاورة، وإلى المحكمة التي كانت جزءًا من بيت الحكمة الملاصق للوزارة والمطلّ على نهر دجلة. وتمّ القبض — في مراحل قاسيةٍ وحزينة — ويتحمّل الزعيم الأوحد، كما سمّى نفسه، الجانب الأهمّ من المسؤولية في كوارثها ومآسيها…
والآن نسأل ونحاور المهتمّين: هل كانت ثورة رمضان خطوةً تحرريةً تاليةً لتصحيح ثورة تموز، أم كانت ارتدادًا عليها وعلى زعيمها؟ نحن — حسب تقييمنا — نرى أنّها كانت خطوةً تحرريةً لازمةً لإنقاذ الثورة الأولى من الطغيان والاستبداد، بل ومن الاختراق المشبوه الذي انحرف بالثورة وكاد يودي بها. واستمرّت العملية لتتمّ بالخلاص من وجود البعث والحرس القومي وقياداته المنحرفة وممارساته القاسية، بحركة الجيش الثالثة في 18 تشرين الثاني من نفس العام، وبقيادة نفس المجموعة البارزة من ضباط الجيش الأحرار، ليدخل العراق بعدها في مرحلةٍ من الاستقرار سُمّيت بالعهد العارفي، ولم تنتهِ إلا في مؤامرة 17 تموز 68… بعد اغتيال بطل الثورات الثلاث بإسقاط طائرته غدرًا وخسّةً.
إنّ ثورة رمضان كانت — بحقّ — عمليةً عسكريةً شجاعةً أنقذت العراق من تسلّط الغوغاء والمنحرفين، ومن انفعالات الحاكم نفسها، والتي اكتملت في الثورة الثالثة ومجيء الحكم الوطني، الذي كان يحتاج إلى دعمٍ وتوجيه، وليس إلى معارضةٍ وتشويه.



















































