عبد العزيز كوكاس
كاتب من المغرب
بعض الجمل في سياق إبداعي ما تبدو متنطّعة وذات كبرياء إمبراطوري، تأبى أن تكون طوع بنان الكاتب وتوقف البيضة في طست الكتابة، أعرف هذا النوع من الجُمل لقد جربته في أكثر من مناسبة، جملة تأتي متأخّرة قليلًا عن السياق أو متقدّمة عليه بحدسٍ شعري، فلا تنصاع لإيقاع الحكاية ولا تقبل أن تُختزل في وظيفة وصفية. تبدو نرجسية لأنّها مكتفية بذاتها، تملك موسيقاها الداخلية وصورتها المكتملة، فلا تريد أن تزاحمها الشخصيات ولا أن تُجاورها الوقائع. أحاول تهذيبها، أن أُنزِلها من عرشها إلى مستوى الجملة العاملة في ماكينة السرد، فأفشل. أحاول نقلها إلى قصيدة، فتفقد فجأة سلطتها، كأنّ قوّتها كانت في كونها غريبة عن بيتها، في كونها “شذرة” لا تريد أن تتوطّن.
ليست الجملة الإمبراطورية متَنطّعة بالمعنى الأخلاقي للكلمة، إنها متعالية أنطولوجيًا. تأتي من ينبوعٍ أعمق من نهر الحكاية من تلك اللحظة التي تسبق السرد وتتفوق عليه. يحتاج السرد انتظامًا، اقتصادًا، وظيفة.. أمّا هذه الجملة فتأتي مكتملة، مثل نيزكٍ سقط في حقلٍ من القمح، لا يذوب في الخضرة ولا يتحوّل إلى سنبلة.. أتذكر جملة جاءت في سياق كتابة روايتي “ذاكرة الغياب” في بداية عام 2001، بعد يباب وتوقف نسبي عن الكتابة انبثق مشهد وصفي بعبارة:
“كان المطر ينزل بخجلٍ ثم يشتدّ فجأة، كأنّ الغيم يتدرّب على البكاء.”
انبهرت بها، لم تكن مجرد جملة وصفية، إنها استعارة عن الكتابة نفسها. المطر المتردّد هو النصّ حين يتلمّس طريقه. اشتداده المفاجئ هو لحظة الفيض. والغيم الذي يتدرّب على البكاء هو الكاتب وهو يتعلّم الاعتراف. لذلك قاومت الجملة أن تُختزل في وظيفة مناخية داخل مشهد. لأنها تعرف سرّها: إنها تتكلّم عني، لا عن المطر.. لكن خيط الحكي لم يكن مدرارا كما خيوط المطر، أعجبت بشعرية الجملة لكن ما يأتي بعدها ظل أقل شعرية وكثافة منها، أحسست أنها جملةٌ لها غيرة مرضية، لا تريد أن تدخل النصّ بوصفها جسرا يعبر عليه السرد، فرضت عليّ أن تكون قوس نصرٍ وما يأتي بعدها من كلمات عليها أن تقطع أيديها كما فعلت صديقات زليخة التي غوت الفتى يوسف. ولأني عنيد أيضا ولي كبرياء كاتب بأنفة المتنبي، كنت أزيل هذه الجملة من سياق كتابات عديدة تكرر فيها وضع الاحتباس مع ذات الجملة، التي ظلت لربع قرن وحيدة في هامش دفتر الوسخ مثل ملكةٍ مخلوعَة لا تقبل أن تعيش كمواطنة عاديّة. ومع ذلك أحتفظ بها بعناية، لأنّها تذكّرني بأنّ اللغة أحيانًا تعرف طريقها أفضل من الكاتب، وأنّ النص الحكائي ليس إمبراطورية واحدة، بل تحالف هشّ بين جُملٍ تقبل الخدمة وأخرى ترفضها. تُعلّمنا الجملة الإمبراطورية تواضع الصنعة: أنّ بعض العبارات والجمل تعلّم الكاتب فنّ ترك ما يحبّ خارج النص، انتظارًا لسياقٍ آخر قد يأتي أو لا يأتي.
في كل مرة أعود إلى هذه الجملة الساحرة التي أغوتني “كان المطر ينزل بخجلٍ ثم يشتدّ فجأة، كأنّ الغيم يتدرّب على البكاء”، وأحاول إدماجها في سياق وصفي، وحين تعطل إيقاع الكتابة السردية في أكثر من محاولة، حولتها إلى شذرة شعرية:
كان المطرُ يتدرّبُ على البكاء،
ينزلُ بخجلٍ…
ثمّ، حين يتذكّر الغيمُ طفولتَه،
يشتدّ.
لكن الأمر مع ذلك لم يستقم، ظلت الجملة محافظة على كبريائها ونرجسيتها، جملة واعية بذاتها. تعرف أنها مكتملة قبل أن تحتاج إلى سياق. بينما الجملة السردية تولد ناقصة وتبحث عن غيرها لتكملها، هذه الجملة ولدت كاملة وخافت أن تُفسدها المجاورة. ولهذا ظللت أفشل في ترويضها، وربما يعود لها الفضل في أنها علمتني أسمى أشكال صنعة الكتابة: فنّ الحذف. في العمق، لأن الكاتب لا يُقاس بما يكتب بل بترك أجمل ما يعشق خارج النص. الجملة التي شطبتها ربع قرن لم تُهزم، لقد تحوّلت إلى معيار داخلي، إلى درجة حرارة أقيس بها كثافة ما يليها. كل جملة بعدها كانت تُختبر أمامها، لتكون جديرة بالبقاء. وهنا يكمن الدرس الأبهى: النص ليس إمبراطورية واحدة، إنه كونفدرالية هشّة بين جمل خادمة وجمل سيّدة. والجملة السيّدة لا تصلح دائما للحكم. أحيانًا وجودها يختلّ به ميزان العدالة السردية. مثل ملكةٍ تدخل سوقًا شعبيًا، فلا هي تتسوّق ولا السوق يحتمل تاجها، لذلك مارست عليها المنفى، عقابًا على كبريائها المتعجرف وحفاظًا على توازن المملكة.
وها أنا اليوم أقتلها خارج النص وأشطب عليها من دفتر الوسخ ومن عنايتي المركزة، لكن أحس أنها انتصرت، لأنني خصصتها لوحدها بهذا الحكي الذي لم تتوج به سيول من عبارات خططتها، ألم أقل لكم إنها جملة إمبراطورية!
وربما – وهذا ما أجرؤ على قوله لكم ولها بمحبة – هذه الجملة لم تكن تنتظر رواية. كانت تنتظر نصًّا مثل هذا. نصًّا يُفكّر فيها ولا يستعملها في قضاء أغراض الحكاية. كانت تريد أن تكون موضوع تأمّل أكثر من أن تكون مجرد أداة وصف. لذلك انتصرت الآن، لأنها فرضت حضورها ولأنها كشفت لي سرّ العلاقة بين اللغة والسلطة. فالكاتب الحقيقي لا يخاف الجمل الإمبراطورية.. يخاف أن يتحوّل هو إلى إمبراطور لها. لقد تركتها ملكةً مخلوعَة في دفتر الوسخ، لكنها صارت جزءًا من ميثولوجيا كتابتي. وهذا أعمق من أن تكون فقرة ناجحة في فصل عابر.
أحيانًا، لا نكتب الجملة كي تعيش في النص، ولكن كي تظلّ تذكّرنا بأن اللغة أكبر من مشروعنا، وأن الغيم يتدرّب على البكاء قبل أن نتعلّم نحن كيف نسرد المطر.

















































