المؤرخ والكوارث الطبيعية في المغرب: القصر الكبير نموذجاً

17 فبراير 2026
المؤرخ والكوارث الطبيعية في المغرب: القصر الكبير نموذجاً

د. مصطفى الغاشي

أكاديمي وكاتب من المغرب 

شهد المغرب تساقطات مطرية طوفانية في الفترة الممتدة ما بين منتصف شهر يناير إلى منتصف شهر شباط/ فبراير2025، وقد همت مختلف أرجاء الشمال الغربي للمملكة الشريفة وخصوصا مدينة القصر الكبير؛ وذلك جراء وصول أعاصير جوية قوية متتالية مما أدى إلى ارتفاع منسوب المياه بصورة غير مسبوقة في الأودية والسدود (وادي المخازن واللوكس)؛ وهو ما دفع السلطات إلى اتخاذ قرار بضرورة إخلاء المدينة التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 120 ألف نسمة تجنبا لأسوء السيناريوهات تماما كما وقع في مدينة آسفي قبل شهر.

لقد وجد المغاربة أنفسهم أمام ظاهرة طبيعية استثنائية كان لها الأثر الكبير على المواطنين بعامة وعلى ساكنة القصر الكبير بخاصة؛ وتتجلى هذه الظاهرة في اضطرار سكان القصر الكبير – ولأول مرة في تاريخ المدينة- لمغادرة بيوتهم وممتلكاتهم نحو وجهات مختلفة داخل ربوع المملكة -بحسب الإمكانات الخاصة- شملت طنجة وتطوان والمضيق الفنيدق والعرائش…إلخ. فلم يكن هذا الحدث بسيطا أو عاديا في الذاكرة الجماعية لساكنة القصر الكبير، وإنما سيبقى حدثا موشوما لدى المغاربة قاطبة خلال القرن الواحد والعشرين، بل سيظل عنوانا لفترة تقاطع فيها الزمان والمكان وأنتج فكرا وثقافة وسلوك وخيالا… إلخ، ومادة إعلامية توثيقية قوية بالصوت والصورة فضلا عن الجدل اليومي الذي صاحبه بخصوص توظيف مصطلحات عديدة كما هو الأمر مع المغادرة، والإخلاء، والنزوح، والتهجير…

إن حدث فيضان القصر الكبير هو حدث كبير من الناحية الطبيعية والبيئية والاجتماعية، خلف مادة إعلامية توثيقية في مجالات الصحافة والاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي والشهادات والاحصائيات والبيانات…إلخ، وتمكن من التأريخ لفيضان القصر الكبير حتى لا يضيع هذا الحدث ويبقى من دون تدوين وتأريخ.

وإذا كان الإعلام قد قام بدوره ونجح في توثيق الحدث، فإن دور المؤرخ ظل بعيدا أو شبه منعدم حتى لا نقول غائبا، ولم يستطع أن يواكب حدث الفيضان من حيث إنتاج سرديات تتناوله عبر مراحله المختلفة ويومياته بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية، وطبيعة انعكاس ذلك على السلوك البشري، بل والسعي إلى البحث عن التفسير والتعليل…إلخ. ومن هنا يمكننا أن نطرح سؤالا حول دور المؤرخ؟ والتدوين؟ وهل انتهى دور المؤرخ؟ وما علاقة الكتابة التاريخية بالظواهر الطبيعية؟

إن الدافع إلى هذه الكتابة وتلكم الأسئلة يصدر عن ندرة الكتابة التاريخية حول الكوارث الطبيعية في المدونات التاريخية بالمغرب الحديث والمعاصر؛ فقلما نعثر على كتابات حول الموضوع، علما أن المغرب الحديث والمعاصر قد عرف كثيرا من الظواهر الطبيعية التي تركت آثارا لها في التأريخ والمجتمع المغربيين. وسنتحدث تبعا لهذا السياق عن بعض المصادر التي اهتمت بمثل هذه الأحداث بوصفها كوارثا طبيعية ولعل أبرزها:

– زلزال فاس (1624): وهو من أشد الزلازل التي عرفها تاريخ المغرب القديم، وتميز بإحداث دمارٍ واسعٍ. ويمكن أن نشير في هذا الصدد إلى البحث الهام الذي أنجزه الأستاذ محمد ستيتو حول: “الكوارث الطبيعية في تاريخ مغرب القرن 16م”. وقد تطرق فيه إلى آثار وانعكاسات الظواهر الطبيعية والكوارث على الإنسان والمجتمع المغربيين من حيث الفكر والثقافة والاقتصاد…إلخ. 

“… كانت الكوارث الطبيعية كالمجاعات والأوبئة أكثر فتكا بالناس من الأسلحة التقليدية ومن الحروب الكثيرة، وذلك بفعل التأثير القوي للطبيعة في الإنسان”. (مجلة كلية الآداب، وجدة،ع 2، 1991، صص 21 – 28).

– زلزال 1755 (تسونامي): دمر زلزال لشبونة أجزاء من المدن الساحلية المغربية.

– زلزالي مراكش عامي 1719 و1722: ضربا سواحل المغرب، وتسببا أيضا في خسائر جسيمة ببعض المدن الساحلية.

– زلزال 818: أول زلزال موثق ضرب منطقة جبل طارق والمناطق المجاورة. 

– زلزال أكادير (29 شباط/ فبراير 1960): وقد دمر المدينة بالكامل تقريبا، وقتل حوالي ثلث سكانها، مما جعله أعنف زلزال في تاريخ المغرب الحديث. فعلى الرغم من قوته لم تتجاوز 6 درجات على سلم رختر، فقد كان شديد التدمير، وأوقع حوالي 15 ألف قتيل، وتسبب في هدم شبه كامل لمدينة أكادير.

– زلزال الحسيمة (24 شباط/ فبراير 2004): خلف نحو 600 قتيل في منطقة الحسيمة ونواحيها.

– زلزال الحوز (8 أيلول/ سبتمبر 2023): بلغت قوته 6.8 درجات على سلم ريختر، وكان مركزه هو إقليم الحوز، ويعد الأعنف منذ قرن، وقد كبد خسائر بشرية ومادية جسيمة.

– فيضانات آسفي 2025 في 14 كانون الأول/ دجنبر 2025. وقد أسفرت عن وفاة ما لا يقل عن 37 شخصا

– فيضانات القصر الكبير بتاريخ 5 شباط/ فبراير 2026، حيث تم إخلاء المدينة بكاملها.

هذا بالإضافة إلى كوارث أخرى عرفتها بعض أقاليم المغرب كالجفاف والتصحر والمجاعات والأوبئة وغزو الجراد… إلخ.

وتذهب بعض الدراسات إلى أن المغرب قد سجل حوالي أربعمائة حادثة زلزالية ما بين القرن التاسع الميلادي وأواخر القرن الماضي، ومنها ما كان مصحوبا بأثر وأضرار مادية كبيرة بعديد من المدن مثل فاس ومليلية والحسيمة وآسفي وأكادير وغيرها، ومنها ما كان مصحوبا بأضرار مادية وبشرية لكونها بلغت درجة شدة عالية، بل منها ما كان كارثيا من قبيل زلزال عام 1624م بفاس، وزلزال عام 1755م بـ”لشبونة” الذي شهدته مناطق شاسعة من المغرب، وخلف أضرارا كبيرة في جل مدنه، بل تسبب حتى في موجات بحرية (تسونامي) جرفت وأودت بكل ما صادفته في شواطئ البلاد من طنجة إلى أكادير.

ولعل الموقع الجغرافي للمغرب جعله منذ القدم يقع في منطقة معرضة للزلازل؛ إذ نجد أن أقدم هذه الهزات العنيفة الموثقة في المصادر التاريخية، تعود إلى 28 آيار/ مايو 818م حين ضرب زلزال قوي ضفتي مضيق جبل طارق بين المغرب وإسبانيا، ولم يعرف بالضبط حجم الخسائر التي تسبب فيها، لكنه نتج عنه مصرع عديد من الأشخاص، وانهيار بعض المنارات والصوامع الواقعة في شمال البلاد.

وهنا لا بد من الإشارة إلى الأكاديمي المغربي محمد حبيدة سبق وأن نشر مقالا مفيدا حول تاريخ المناخ بالمغرب، وقد تحدث فيه عن حالات المناخ المختلفة التي عرفها المغرب من جفاف وفيضانات ومد كبير للبحر… تركت بصماتها في الذاكرة الجماعية الشعبية للمغاربة:  

“لم يكن تاريخ المناخ في المغرب دائما تاريخ جفاف.. دورات كثيرة كانت رطبة، بل رطبة جدا.. أمطار غزيرة وفيضانات وموجات ثلج متكررة. مهما طالت دورات الجفاف، كانت الأمطار والسيول الجارفة تستعيد طبيعتها، وتتَّبع مجاريها الأصلية. ظروف مناخية تركت بصماتها ليس فقط في النصوص التاريخية، وإنما في الثقافة الشعبية أيضا: أسماء مثل “أبو الشتاء/ بوشتى”، أو “أبو الغيث/مُغيث”، والتي ترتبط إما بصلحاء تُرجى “بركتهم” لنزول المطر، أو بأشخاص تصادف ولادتهم أوقات سقوط أمطار غزيرة، تمثل إشارات هامة في هذا الباب.. وثمة أخبار مفيدة أخرى، مرتبطة بذاكرة جماعية احتفظت بها النصوص، مثل “عام كحيكحة” الذي يشير إلى تفشي مرض السعال والزكام بسبب اشتداد الريح والبرد، أو “عام الأبيار”، حيث يمكِّن المطر الغزير من امتلاء الآبار والعيون. وحتى من جانب الطقوس: غالبا ما تم التركيز على “الاستسقاء”، الذي يرمي إلى جلب المطر. لكن أليس من المفيد أيضا التنبه إلى العكس؟ أي الحاجة إلى الجو الجميل، أو ما يسميه عامة الناس بـِ “اطْياب”. في منطقة جبالة مثلا، كما تنبَّه إلى ذلك ليفي بروفانسال، كانت هناك طقوس للحد من المطر، في إشارة إلى مدى الشبع المائي”. محمد حبيدة: التاريخ والمناخ، مجلة “المناهل” (1996)، ص 202-212.

ولهذا، يعد التأريخ للكوارث الطبيعية عملية لتوثيق مدى تأثير الكوارث الطبيعية سواء أكانت عبارة عن زلازل أم جفاف أم فيضانات…على تطور المجتمعات اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسلوكيا، بل وحتى من ناحية المعتقد والدين، وهو ما يسهم في عملتي الفهم والتفسير تجاه عديد من الحقائق المرتبطة بضعف التدبير وسوء البنيات التحتية، وتغير السلوك البشري، وآليات المواجهة. ولا يقتصر الأمر على هذه الجوانب، وإنما يتعداها صوب استخلاص الدروس العلاجية والوقائية للمواجهة…إلخ.

وبناء على ذلك، فإن دراسة المؤرخ للكوارث الطبيعية تبقى مسألة بالغة الأهمية، فإلى جانب عملية توثيق وتحليل المعطيات التاريخية والجغرافية والميدانية هناك أيضا عامل التأثير الاجتماعي والاقتصادي الذي يعد مسألة أساسا في دراسة النواتج التي تصاحبها الكوارث الطبيعية من قبيل الهجرة، أو الهيجان الاجتماعي جراء الغصب، أو التضامن الجماعي أو حتى التضامن بين الدول وتقديم المساعدات…إلخ. لقد كانت هذه العملية حاضرة بقوة في حالة زلزال أكادير، وزلزال الحسيمة وفيضانات القصر الكبير. 

إن اهتمام المؤرخ بالكوارث الطبيعية يقود حتما إلى الوقوف على تطور نظرة الإنسان الى الكوارث الطبيعية، بل وتمكنه من رصد تحول النظرة من كونها غيبية وقدرية إلى فهمها بوصفها ظواهر جيو-فيزيائية ترتبط بدورات المناخ (الفيضانات) أو جيولوجية (الزلازل)، أو هما معا في بعض الحالات…إلخ.كما أن هناك إمكانات أخرى للمؤرخ يمكن أن يوفرها مثل دراسة المعلومات التي تسهم إلى حد كبير في تعرّف الكيفيات التي تؤطر عمليات التدبير المؤسساتي للمخاطر؛ ذلك أن الاعتماد على المعطيات التاريخية وإدراجها في التحليل الاستراتيجي وإعداد البيانات والخرائط لمواجهة الكوارث تبقى مسألة لا غنى عنها في مواجهة عقلانية للمخاطر البيئية في المستقبل.

وفي حالة مدينة القصر الكبير التي تعد من أقدم المدن التاريخية في المغرب؛ حيث تمتاز بموقع استراتيجي بوصفها ملتقى يربط الشمال والغرب أو الداخل، ولها إرث حضاري كبير يعكس تعاقب حضارات وثقافات عديدة عليها. فقديما، كانت تُعرف في العهد الروماني باسم “أبيدوم نوفوم”؛ أي القلعة الجديدة، بعدما استوطنها الرومان، كما استوطنها قبلهم الإغريق والقرطاجيون. لكن اسمها ظل مرتبطا أكثر في الفترة الحديثة بمعركة وادي المخازن أو معركة الملوك الثلاثة بين المغرب -في المغرب السعدي- ليوم 4 أغسطس/آب 1578 والتي انتهت بانتصار المغاربة ومقتل ملك البرتغال سيباستيان الأول. 

ومن مميزات الموقع الجغرافي لمدينة القصر الكبير أنها تقع في مجرى وادي نهر اللوكوس الذي يشكل حدودها من الجنوب والغرب، وتتأثر بشكل مباشر بمساره وتجاورها السهول الفيضية، مما يجعلها أكثر هشاشة عند ارتفاع منسوب المياه. وقد أسهم بناء سد وادي المخازن الذي يقع على بعد بضع كيلومترات عن المدينة في زيادة الأراضي المسقية للمدينة والحدّ من مخاطر الفيضانات التي كانت تحدث بشكل تقليدي.

لذلك اعتبر بعض المنتسبين الى المدينة أنها كانت مدينة الفيضانات، ولها ذاكرة مائية، وأن لها تاريخ فيضي؛ إذ ظلت الأودية والأراضي المنخفضة شاهدة على فيضانات متكررة، لكن من دون أن تتسبب في خسائر كبر. لهذا يعتبر بناء سد “وادي المخازن” عام 1979م حدثا كبيرا أسهم بشكل كبير في التقليل من خطر الفيضانات. علما أن المدينة تضم أحياء منخفضة تقع تحت منسوب مجرى الوادي، وهو ما يجعلها عرضة للغرق السريع عند ارتفاع منسوب المياه، إضافة إلى مدى التأثير التراكمي الحالي لسد “وادي المخازن” الذي أدى إلى فتح السدود الأخرى، وزاد من تدفق المياه نحو المدينة. تماما كما حدث في فيضانات عام 1963م.

ويذكر بعض العارفين بأحوال المدينة “أن التوسع العمراني داخل المناطق المنخفضة والمعرَّضة للغرق شكل خطرا حقيقيا و”فجوة عميقة بين الترسانة القانونية التي تحيط بعمل السدود وإدارة الموارد المائية، وما يجري تطبيقه فعليا على الأرض؛ إذ ما تزال الرقابة غير كافية لضمان تطبيق النصوص الزجرية (القوانين الرادعة) في المناطق التي تشكّل مجاري طبيعية للمياه”.؟؟

والملاحظ أن الأحوال المناخية الأخيرة نزلت بضغطها المناخي الكبير على حقينة السدود، مما أدى الى وضع خطير في كيفية تصريف الحقينة والتعامل العقلاني مع المجاري والأودية ومناطق التوسع الحضري الهشة التي لها قابلية للغرق؛ وهي في غالب الأحيان مناطق يوجد بها سكن رخيص وغير لائق للسكن بالنظر إلى الكلفة الرخيصة للسكن.   

وتأسيسا على ما سبق، يمكن القول إن خبراء البيئة والتعمير بالقصر الكبير يعتبرون “أن “التخطيط الحضري يجب بالضرورة أن يأخذ بعين الاعتبار الظروف الطبيعية والتاريخية… لذا وجب إنجاز خرائط الأخطار وخرائط الأماكن القابلة للفيضان، وبناء عليها تُمنح التراخيص للبناء السكني”.؟؟؟ وبالعودة إلى فيضانات القصر الكبير، وفي مشاهد غير مألوفة لدى المغاربة، تم إخلاء المدينة للمرة الأولى من ساكنتها التي تبلغ أكثر من 120 ألف نسمة، وهو ما حولها إلى شبح؛ حيث توقفت الحياة بشكل كلي. وتم نقل السكان إلى مخيمات إيواء وإلى مدن أخرى عبر القطارات والحافلات، وانقطعت خدمات المياه والكهرباء بشكل كامل. وبالإضافة إلى خلية الأزمة التي تم إنشاؤها بغرض الإنقاذ، حلت بالقصر الكبير عناصر القوات المسلحة الملكية، ولا سيما وحدات الهندسة العسكرية والإغاثة، من أجل التدخل السريع في الأزمات مثل الفيضانات، حيث تقوم بإجلاء المتضررين في إطار مهامها الإنسانية.

وعلى سبيل الختم، يسجل عديد من الملاحظين الغربيين أنه منذ نهاية القرن العشرين، وبداية القرن الواحد والعشرين برزت إلى واجهة الاهتمام العام عديد من الظواهر المقلقة أو المأساوية، مما وضع قضايا المناخ والمخاطر الطبيعية والصحة في الصدارة كالاحتراز المناخي، والأعاصير والعواصف الكبرى، والفيضانات، والزلازل المدمرة، والتسونامي، والانفجارات البركانية، ومرض “جنون البقر”، وأنفلونزا “الطيور” و”الخنازير” وكورونا…إلخ.

ولعل هذا الاهتمام الذي يوليه الرأي العام الدولي والمنظمات السياسية لهذه القضايا أصبح تحديا أمام “الجماعة العلمية” التي ينتظر منها أن تغني النقاش بواسطة البحث والبيانات الدقيقة والموثوقة… فإذا كانت أعمال علماء المناخ وفيزيائيي الكرة الأرضية والبيولوجيين تسهم في فهم أفضل للآليات الفيزيائية أو الفسيولوجية الكامنة وراء الظواهر المرصودة، فإنها تغطي جزءا فقط منها، ويبقى البعد التاريخي والاجتماعي-التاريخي لهذه الظواهر غير بارز إذ يعد جوهريا عندما نغير المعيار ونرغب في التفكير “معيار إنساني”.

لذلك، يتوجب على الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية وبخاصة المؤرخين، أن يعملوا على سد هذه الفجوة؛ لأن لديهم الخبرة الخاصة اللازمة -ليس فقط لاستغلال المعلومات المحفوظة في الذاكرة البشرية بأقصى مصداقية ممكنة- وإنما لوضع هذه الظواهر في إطار مكاني وزماني مناسب حتى يمكن إدراك الأثر الحقيقي للعوامل الطبيعية أو العوامل ذات المنشأ البشري بوضوح على سير المجتمعات. وهنا لا بد من الاعتراف بأنه في هذا الميدان لا يزال هناك الكثير مما ينبغي إنجازه، وخصوصا بالنسبة إلى العصور السابقة.

وبناء على ذلك، إن فيضانات القصر الكبير بوصفها حدثا طبيعيا وتاريخيا واجتماعيا، تسائلنا باعتبارنا مؤرخين حول إشكالات التدوين ودور المؤرخ في تفاعله مع الحدث/ الظاهرة والكوارث الطبيعية؟ وفي مقابل ذلك، ستبقى الذاكرة الشعبية للقصر الكبير حافظة لتفاصيل حدث الفيضانات، وخصوصا وأنها وثقت ذلك بالصوت والصورة والروايات الشفاهية…متأثرة بما وقع فرادى وجماعات… وكامتداد لذلك سوف تبرز حكايات وقصص بوصفها سرديات لمخيال شعبي جماعي عن أيام الفيضانات والغرق والهجرة أو الإخلاء… وليس فقط حكايات للمتعة وإنما للتاريخ والوعي الجماعي القصري.

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com