الدين .. علم أم فلسفة؟.. العقائد والتاريخ والمفاهيم

16 فبراير 2026
الدين .. علم أم فلسفة؟.. العقائد والتاريخ والمفاهيم

فاطمة الخراز

المغرب


خلاصة:
 
يقال أن الفلسفة تولد في أحضان العقائد، و ترتكز على عمودين أساسيين هما ” الخطيئة و العدالة”، و يقال أيضا  أن الأديان الأولى كانت تعيش في تسامح ووئام، و كانت تتعدد فيها المعتقدات، و كل مجموعة تدين بدينها الخاص، دون المساس بقدسية دين الآخر،  إلى أن جاءت الأديان الشمولية التي أشعلت الحروب، و فتنت الناس في معتقداتهم، كل منها تدعي تصدر القائمة  في  سلم التراتبية بين الأمم، بما تفخر به من حمولة الأساطير و الميثولوجيا المغرفة في الغموض، و الالتباس و الخرافات، للحد من هذا الغلواء، و تقفي الحقائق، ظهر علم الأديان حديثا، فما وجه العلاقة بينه و بين فلسفة الدين، و هل يوجد اتصال أو انفصال بينهما ؟ في هذا العرض المقتضب سيتم وضع مقاربة موجزة توضح وجه الاستشكال بينهما، و هل يوجد تقاطع بين علم الدين و فلسفة الدين؟ كيف يمكن للعلم أن يدرس الدين وبينهما صراع تقليدي طويل، و هل يمكن جمع المصطلحين في أسم واحد؟
الكلمات المفتاحية: الدين – علم الدين – فلسفة الدين .


المقدمة:
        ذهبت الأديان الإبراهيمية إلى أبعد حدود، و لم تكتف بوضح سنن أخلاقية صارمة لمطالبة مريديها بالخضوع لممارسة طقوس دينية محددة،  بل دونت روايات من وحي التاريخ و أحداثه. من بين أبرزها (حكاية الخلق،  طوفان نوح، عصى موسى ، أهل الكهف، سليمان الحكيم، يوسف الصديق، الخ…) التي نجدها بالديانات الثلاثة، إضافة إلى أساطير الشعوب و أشخاص خارقة ملأت بها الكتب المقدسة على مدار الحقب و القرون. و كان يتعاط مع الرواية الدينية كنص مرجعي و تاريخي.

إلى أن نشأ علم تاريخ الأديان ، ليعطي معايير للبحث تعتمد على المخطوطات المثبتة و النبش في الآثار القديمة، و الكشوط الأثرية، و الحفر في الوثائق  الأصلية، و فك رموز طلاسم النصوص البدائية و التمييز بين الرواية التاريخية الدينية المذكورة في الكتب المقدسة و الكثير من القصص القديمة المشتركة ، و يرجعها الباحثون إلى أديان أقدم منها، كما هو معلوم فقد وجدت  مبثوثة بالديانات السابقة عليها، لينقسم رجال الدين إلى مواضع و معارض ، و منهم من أدان الطعن في مصداقية الرواية الدينية متحججا بأن القصص جعلت لتبسيط الأفكار و تسهيل الفهم للعوام من المؤمنين، كونها عبر وكبرى و تحمل من المعاني الكثيرة الدلالات الأخلاقية و القيمية.

المحور الأول 

1 ـ تعريف الدين:


            إذا قال أرسطو بأن الإنسان حيوان ناطق، فالعلوم تأتي كل مرة بتعريف آخر، و لا حرج في إضافة تعريف يقول أن الإنسان كائن متدين1.

 و خصوصا في تعريف ظاهرة من أهم الظواهر الأكثر شعبية للجماعات البشرية. يقال أن الإنسان تميز من غيره من الرئيسيات العليا بصناعة الأدوات الحجرية التي نقش عليها آثار أفكاره على جدران الكهوف و الصخور، يشير فيها إلى الإرهاصات الدينية الأولى.
يقول ويليام جيمس، من المعاني المتعددة لكلمة الدين، سوف يتم اختيار معنى محدد تدور حوله المحاضرات، وهو الأحاسيس و الخبرات التي تسكن الأفراد في عزلتهم و ما ينجم عنها من تصرفات و ما بينهما من علاقة، يشعر الفرد بتفاعل بينه و بين ما يقدسه 2.
تقوم فكرة المفارق عادة بالظاهرة الدينية، أو ” فوق الطبيعة” Supernaturel بعدد من التعريفات و القول هنا يشير إلى كل ما يعجز عن استيعابه الإنسان، و يفوق مدارات معارفه العقلية، حيث يقع في حدود الغامض و المجهول، فالدين هو تفكر في كل ما استعصى فهمه على العقل و التفكير الإنساني.
يجيبنا هربرت سبنسر  في كتابه  المبادئ الأولى “أن الأديان على اختلافها، تسعى في جوهر إيمانها بأن وجود الكون سر يرتبط بالتفسير”. 
أما الأب الشرعي و المؤسس الأول في ما يتعلق بتاريخ الأديان، ماكس مولر 1822-1900 Max Muller المؤرخ الألماني و الفيلسوف ليدلي بدلوه في هذا النقاش في كتابه نحو  علم الدين :”إن الدين من أجل تصور ما لا يمكن تصوره، و قول ما لا يمكن التعبير عنه، إنه توق للانهائي3 “.بذلك نستشف أن تعريفات لا حدود لها للدين له علاقة بالحواس، و إنما هي فكرة نافذة في العمق البشري للمشاعر الداخلية و تندما تنتقل هذه الأحاسيس إلى حيز الصمت و التأمل؛ فإنها تبلورت في الذهن فكرة الخالق الغير المدرك و اللامرئي.

(1)  فراس السواح. دين الإنسان. صدر الكتاب سنة 1992 و أعيد نشره من مؤسسة هنداوي. 2022 ،ص 23

The varietes of religiou  experiences .William James pp. 31.32 (2)

 (3) فراس السواح. دين الإنسان، نفس المرجع.  ص 27

يرى مؤسس الأثروبولوجيا البريطاني إدوارد تايلور F.B.Tylor 1832- 1912 في كتابه الثقافة البدائية ” أن التوكيد على الإيمان بكائن أعلى من أجله أن يخرج المعتقدات البدائية من دائرة الدين، لذلك وجب وضع حد لتعريف يقتصر على الإيمان بكائنات روحية4“. 

يقول جيمس فريزرJames Frazer 1854- 1941 الأنثروبولوجي المعروف في كتابه الغصن الذهبي 1922 قائلا: ” هذا التعريف غير ممكن، ما يستطيع الباحث فيه هو أن يحدد بدقة ما يعنيه بكلمة الدين، فإننا نفهم الدين على أنه عملية استرضاء و طلب عون قوى أعلى من الإنسان، يعتقد أنها تتحكم بالحياة الإنسانية5 “
من المنطلق، و للحسم بين الآراء المتصارعة حول تعريف الدين نستحضر رأي أيميل دوركايم الذي قسم الأديان في كتابه ( التجارب الدينية الأولى) ” هناك أديان لا يدور محورها على أرواح مفارقة، كالبوذية بدءا من رفض فكرة الإله، و تبني الأخلاق و المبادئ و العمل. إذن فالمعتقد الديني الحقيقي في نظره هو معتقد لجماعة معينة من الناس يميزها عن غيرها، و الترابط بين الأفراد داخل وحدة خاصة بهم6

و بالتالي يصبح تعريفا، لربما يكون أكثر منطقية لما نستنتجه منه، بأن الدين نظام منسق من المعتقدات و الممارسات التي تدور حول موضوعات مقدسة يجري عزلها عن الوسط الدنيوي و تحاط بشتى أنواع التحريم، تجمع بين المؤمنين و العاملين بها في جماعة واحدة.

 انتهت الاقتباسات من المنظور الشخصي، أن الدين منذ وعي الإنسان كان فكرة سيطرة بدأت بالخوف و ردع أخطار النفس البشرية من التمادي في جبروتها، فمع تعاقب الحضارات أصبح مفهوم الدين يتلون حسب الوعي الإنساني، و نزوحه إلى السلطة و ترجمة مشاعره.

(4) المرجع نفسه، ص 27

(5) المرجع نفسه، ص 28

(6) المرجع نفسه،ص 29 

2 ـ  علم الأديان:
          في كتابه  التعريفات، يعرف الجرجاني العلم “بأنه الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، أو هو إدراك الشيء على ما هو به”. و ظل العلم جزء من الفلسفة لقرون عديدة، إلى حدود الق ن السابع عشر مع فجر التنوير، إلى أن قطع حبل الصرة في القرن التاسع عشر لينفصل من رحم الفلسفة بصفة قطعية، و أصبح جليا، و بالإمكان تميزه عن الفلسفة، فالعلم تصفية تجريبية أو عقلية؛ لأنه يعتمد على منهج يخلص بنتائج مقبولة و صحيحة لدى علماء عصره، إلى أن يثبت العكس. و العلم يركز على الكشف بين العلاقات بين الظواهر الطبيعية، دون أن يتعدى ما وراءها من البحث في مصادرها و مآلها، مكتفيا بتتبع أسباب الظواهر القريبة الفاعلة. 

أما عن الأسباب المادية و الصورية و الغائية، كان أول من قال بها أرسطو ، فهي أهداف فلسفية لا تفيد العلم في شيء ، فالفلسفة تعتمد على التفكير و النظر  العقلي المحض و تدرس العلوم بكلياتها. أما فيما يخص الدين و علومه،  قال ابن رشد ” كل ما جرى فيه كلام عن الخالق عز و جل و عالم الغيب و ما وراء الطبيعة فهو فلسفة” . من هنا نستشف أن العلم في حدوده الطبيعية و الإنسانية لا يتعدى ظواهر الأشياء ، و يعتمد في أساسه على منهج الفينومينولوجي لتقصي الحقائق دون الغوص في  جواهرها و إغراقها في أسئلة يصعب التخلص من شراكها.

أ ـ النشأة:
كل دين محمل بالأساطير و الروايات بما يطلق عليها الرواية التاريخية الدينية، و كان المؤرخون يعتمدون عليها بصفتها واردة من كتب قديمة كوقائع في قلب نسق التطور البشري، و تستند في ذلك إلى تأسيس تشريعات و سياسات و حقوق مفروضة؛ لتضع حدودا للعلوم الطبيعية، ليتأثر تطورها بقصص بداية الخلق الدينية و كذلك المزاعم التي تربط الشعوب بالأرض ( إسرائيل ) على سبيل المثال هنا تأتي أهمية دراسة الرواية الدينية و إخضاعها لأدوات البحث العلمي و العملي بما يخدم الحقيقة التاريخية معرفيا لفهم عقلية المجتمعات القديمة التي عاصرت ظهور الديانات. 
في محاضرة للعالم العراقي القدير خزعل الماجدي يتساءل فيها عن علم الدين و يقول” هذا العلم الغريب المنبوذ من التدريس في البلاد العربية، و لا أحد يجرؤ على إدراجه في المناهج التعليمية خوفا من أن يكتسح المعتقدات الراسخة. و الحقيقة أن علم الدين يحترم كل الأديان و لا يمس أي منها و لا يقر بكذب أو صدق دين عن الآخر، فهو يتعامل مع الدين بطريقة علمية باعتباره نصا و سلوكا قابلا للمناقشة و التفسير7

(7) قناة اليوتيوب الرسمية للباحث و العالم العراقي خزعل الماجدي. 2016

فالعالم المستنير لا يخوض فيه و يعطي فيه رأيا، كي لا يزعزع عقيدة المؤمنين من الناس. الشجاع عليه اقتحام الميدان لكشف الحقيقة المستترة في الكتب المقدسة و يظهرها للعيان دون المساس بثوابتها “فالأديان لا تجرح8 و لا تنشأ و هي مدعية الكذب، و إنما تراكمت عليها العديد من الأفكار و العادات، لكنها تظل محاولة الإنسان لاكتشاف  الكون بطريقة خاصة، لكنها معرضة للنقد من قبل العلم.
ظهر مصطلح “علم الدين ” لأول مرة حين وضعه ماكس مولر في ألمانيا، وضعها كعنوان لكتابه، و هي ما تعنيه حرفيا بالدراسة العلمية للأديان، و بعدها نقلها إيميل بورينوف Emil Burnouf  إلى فرنسا 1870 ليصف مجموعة متفرقة خاصة بدراسة الأديان بكتاب تحت عنوان ( علم الأديان) مع ثورة العلوم الإنسانية في الربع الأخير من  القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين9. اتضح أن الدين كطقس سلوكي يرتبط بالإنسان وجب التعرف عليه عن قرب و محو ذاك التخوف من الاقتراب منه، و خصوصا مع بروز علماء اللاهوت في المنهج الهرمنيوطيقي ( شلايماخر، و دلثاي، و غيرهم) كونهم يساهمون في محاولة رتق ثغرات القطيعة، و شقوق  التعارض بين العلم و الدين، لذلك تسارعت الأبحاث في حفر خنادق للعلوم الإنسانية بشتى أنواعها و لم يسلم الدين من هذا الفحص و التنقيب.

ب ـ الرواد:  

إرهاصات ( نشأة علم الدين) و تداخل الفكر الفلسفي:
في العصور الوسطى المتأخرة، كانت الفلسفة من حيث مشكل المصطلحات، تعتبر دراسة تستدعي مجهودا كبيرا من قبل دارسيها و المنشغلين في حقلها، من حيث تناولهم لنصوص و المشكلات الفلسفية الكبرى من خلال المحاضرات و نظر لاتساع المجال الفلسفي. فقد تمت مناقشة جميع أنواع قضايا عصر النهضة و العلوم ، لكن يظل المشكل الرئيسي في كيفية اكتساب المعرفة و طرح الأسئلة التي بالغالب تبقى معلقة بدون جواب.
منذ القرن الخامس عشر رمي أول حجر لسقوط المتن الأرسطي الذي كان حجر زاوية في الدعائم الدينية المسيحية، و يميط اللثام على زيف الهالة القدسية التي نسجها “القديسين” عبر العصور…

يمكننا تتبع الخيوط الأولى التي كانت تنسج أمشاج علم الأديان حيث ظهرت بوادره الأولى و إعلان تكونه (جنينا) علميا وسط العلوم الإنسانية الأخرى. و كيف أسهمت جهود المفكرين و العلماء و الفلاسفة في “ولادة طبيعية” لعلم الأديان بمعناه العلمي10 “ 

 (8) المرجع نفسه.

(9) خزعل الماجدي.علم الأديان (تاريخه، مكوناته، مناهجه، أعلامهن حاضره، مستقبله) ط1. الناشر:مؤمنون بلا حدود، ص 50 

(10) المرجع نفسه، ص 99

1ـ نموذج لرائد علم الأديان الغربي:
مورسيا إلياد Murcia Iliade 1907- 1986 المؤرخ و العالم  الروماني و الفيلسوف المؤلف لروايات في ( الفنتازيا)، الرائد في تفسير التجارب الدينية، إذ أسفرت نظريته عن عبقرية فذة، و بعد  نظري ثاقب، بحيث  أثبت أن التجارب الدينية هي النواة الأصلية للدين و تشطر حياة الإنسان إلى عالم مقدس و آخر مدنس، اشتهر  هذا العالم المثير للجدل  بسعة علمه و إتقانه لخمس لغات ( رومانية، فرنسية، ألمانية، إيطالية، و إنجليزية).
انقسمت حياة الياذ إلى مرحلتين:
– المرحلة الأولى : عندما سافر للهند، و كان تحولا جذريا، حيث عكف عل  دراسة السنسكريتية على يد العالم سودلراناث صاحب مؤلف “تاريخ الفلسفة الهندية” و منها اعتنق مذهب (اللاعنف) و تأثر بفكر غاندي ، كذلك تفرغ لسنوات لدراسة اليوغا و فلسفتها، و كانت موضوع أطروحته في الدكتوراه11“.
من أهم أعماله الأولى( أسطورة العود الأبدي)(الشامانية)( اليوغا) (دراسة في علم الأديان)
– المرحلة الثانية: كان من أبرزها دعوة عالم الأديان الأمريكي  جواشيم واش، لإغناء جامعة شيكاغو بتحف محاضراته الرفيعة، ليؤسس بعد ذلك بشراكة معه مدرسة شيكاغو للأديان، ليحصل على منصب رئيس قسم تاريخ الأديان من نفس الجامعة، ليعمل بعد ذلك رئيس تحرير موسوعة “ماكميلان  MacMillanللأديان” و تعاون مع عالم النفس كارل يونغ في حوارات ثقافية موضوعاتها الروحانيات1933 تعقد كل عام لمدة أسبوع في 

سويسرا.

يمكن اعتبار الياذ، أحد الآباء المؤسسين الكبار المعاصرين لعلم و تاريخ الأديان، باستطاعته لفت الأنظار، في نظره “المقدس” ليس مادة تنكب فيها الدراسات العلمية، و إنما هي عنصر في تكوين الطبيعة البشرية لصيقة لفطرته و بنيان وجوده، كذلك يعد مورشيا إلياذ فيلسوف أديان؛ لأنه نبش في الظواهر الدينية بروح فلسيفيه حكيمة، ليخلص أن الإنسان يجب عليه التصدي لعبودية الأفكار الدينية، و كشف حقائقها، و نبذ الخرافات و الأساطير المخيفة للناس. بلا شك أن هذا العالم بأصول الأديان كان يطبق المنهج الفينومينولوجي في حقل دراساته الدينية، بدل المنهج التفسيري السائد في تلك الحقبة، لأنه كشف عن علاقة الحنين بالماضي و كيف يرتبط بأعماق الذات الإنسانية كلما أعادت شريط الذكريات في ذهنها لاستحضار تلك اللحظة الأولى، و هو ما أطلق عليه”بالعود الأبدي12“. 

(11) المرجع نفسه، ص 129

(12)  المرجع نفسه، ص 135

2 ـ نموذج لرائد علم الأديان العربي: 

 “بطلميوس العرب” القائل بدوران الأرض حول نفسها، أبو ريحان البيروني٣٦٢-٤٣٥ الفيلسوف و الرحالة و العالم الموسوعي الكبير، يعتبر سابقة، في عبقريته و شساعة علومه، و يصنف من القلائل الذين يعدون “مرجعيات” العلوم سواء الطبيعية أو الإنسانية ليوم الناس هذا. كتب ما يفوق المائة كتاب، و أتقن ما يفوق العشر لغات أهمها السريانية والسنسكريتية، ولد في خوارزم و في سن الخامسة و العشرون، رحل إلى جرجان حيث كتب أولى كتبه (الآثار الباقية عن القرون الخالية) .و الشهرة التي حظي بها هي لقب ” العالم في الهنديات” و ذلك عندما كتب تحفته الخالدة ( تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة) في هذا الكتاب يصنف البيروني من زعماء الأنثروبولوجية؛ بحيث مكث فيها زهاء أربعين سنة يدرس و يوثق الحياة الهندية ( العلمية و الثقافية و الدينية) ليكتشف أن الدين في سياقه الثقافي يكون ثريا، و على سبيل المثال لا الحصر يوضح البيروني كراهية الهندوس للمسلمين، راجع للهجمات الوحشية التي تعرضت لها الهند، و تم تدمير مدن برمتها و سبي العديد من أهلها و تهجيرهم لبلاد فارس…
بهذه التحاليل و هو العالم المسلم كان محايدا غير متحيز ما جعله يستحق أن يكون المؤرخ المهتدى به، لأنه اهتم بتدوين تفاصيل دقيقة و ملاحظات حول سلوك جماعة معينة بكل ظواهرها و نشاطها.
في زحام و كثافة علومه و مدارك أبحاثه، نسلط الضوء على ما أنجزه و أثرى به خزانة “تاريخ الأديان” بصفته مصدرا من أهم المصادر التاريخية الإسلامية في مقارنة الأديان، بإطلاعه على كل الأديان دون استثناء. و تعامل معها باحترام و تفهم محاولا التقرب إلى فهم و تفسير الأفكار الجوهرية فيها دون إصدار أحكام مسبقة و إنكارها، و بهذا المنهج التفسيري يصنف البيروني رائدا علميا في مجال مقارنة الأديان13.
و خلاصة أبحاثه في هذه الأديان مفادها أن ظواهر الأديان برمتها، بغض النظر عن ثقافتها و انتماءها تعد شمولية يجمع بينها عنصر” القرابة” مهما تباعدت و تشعبت، و مهما اتفقت أو اصطدمت.

(13) المرجع نفسه، ص 89

المحور الثاني:

1 ـ تعريف فلسفة الدين:
إن الدارس للتاريخ الفلسفي، و المطلع على مواقف الفلاسفة بخصوص الدين منذ فلاسفة اليونان، مرورا بالفلسفة الإسلامية، و وصولا للفلسفة المسيحية،  لا تخلو حقبة من التاريخ دون الخوض في البحث الفلسفي ينتهي بخلاصة أطروحات في الدين متناثرة هنا و هناك، أو نقدا لجانب معين في الدين، لكن هذه النقاشات و الأفكار لا ترقى لنسق منظم، أو مبحثا مستقل يطلق عليه مصطلح  “فلسفة دين” إلا في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر  حين ظهرت كنوع من الفلسفة تعتمد التعقل في المعتقدات و الظواهر الدينية في المقدسات. في محاولة لشرحها و تفسيرها لما ينجم عن الدين من تأثر في النفس و الروح.

فلسفة الدين تداولت في الأوساط الفكرية الغربية، يحاول فيها أصحابها الخروج بتحليل منطقي معزز بحجج وجود الإله عن طريق النقاش و الجدال. في القرون الوسطى كما هو معلوم كانت فلسفة الدين جزء لما بعد الطبيعة سواء عند فلاسفة المسلمين أو المسيحيين و اليهود ، عند البعض كانت تنزع للتحريض على الأديان و معاداتها،  و عند البعض كنت تحظى بتأييد العقائد، بل و تدعم تلقينها و التشبث بها، لكن التغيير الذي طرأ على المجتمع الغربي في تاريخه وأفكاره منذ ثورة مارتن لوثر و كالفن في القرن الخامس عشر ، و بعصر التنوير في القرن الثامن عشر،  هو ما أطلق العنان للتفكير العقلاني في جميع مناحي الحياة و المعارف و الفنون . بلا شك  هذا التأثير مس بشكل واضح اللاهوت الكنسي. لكن ظهور هذا الاختصاص الجديد المسمى بفلسفة الدين يحتاج إلى تبرير يوضح سبب بروزه على طاولة النقاش و بشكل مستقل بذاته.
من الضروري أن نقول أن اللاهوتيين الجدد سعوا إلى تغيير في أنماط التفكير المسيحي؛ نظرا لما كانت تعرف به الوسائط الدينية المتحكمة في الشعوب من سلطة قهرية، و غلو في العقيدة، و ثراء فاحش أدى إلى نشوب الحروب، و تفشي الفقر و تهميش الإنسان هذه من جهة، و من جهة مقابلة انكباب الفلاسفة بالاهتمام بالحقل الديني الذي جاء نتيجة المناخ الثقافي الذي هيمن في القرن السابع عشر،  و الذي نص على  إعمال العقل و تفعيل الشك في كل شيء، حسب وصية أبو الحداثة رينيه ديكارت. جاءت فلسفة الدين “عقلنة الدين” و وضع الإنسان في محور الوجود كونه مفصولا عن الطبيعة.
يقول كانط في كتابه ” الدين في حدود العقل” ( في مقابل اللاهوت الخاص بالكتاب المقدس يوجد لاهوت فلسفي داخل حدود العقل بمجرده، حيث يستخدم في قضايا التاريخ،  و اللغات، و كتب الشعوب جميعها حتى الكتاب المقدس، فاللاهوت الكتابي، يصبح لاهوت فلسفي عندما ينظر إلى موضوعاته بنور العقل وحده) . هذه دعوة صريحة للبحث الفلسفي في صلب الدين.

2 ـ منهج فلسفة الدين:
للمزيد من التوضيح في هذا الشأن، تعد الفلسفة بمعناها العام هو تمثل النظر النقدي اتجاه كل مناحي الحياة الإنسانية من أنشطة و علوم و معارف، و ذلك من أجل التوصل لمفاهيم نظرية تقويمية لكل هذه المجالات. من بين هذه الغايات، تظهر الفلسفة في تناول العقائد الدينية بالكشف و التحليل فيما يخص منطق العلاقة بينها و بين العلوم الأخرى من اتصال و انفصال، و من السلوكات المتعلقة بالعقل و الإيمان و التجارب الدينية، حيث يتم النقد فيها بعيدا عن كل تحيز و انتماء لمذهب معين.
و فلسفة الدين كونها تتصل بالدين، فهي تعيد صياغة العقائد بالبحث في المعاني الحقيقية المضمرة وراء شكليات و إشكالات  النص المقدس، و الفلسفة هنا تطرح أسئلة بشأن الدين و ما يدور في فلكه، ما يفتح باب النقاش و ظهور جنس فلسفي آخر وهو فلسفة الدين(كدين) لا ينتمي لأي دين بعينه، و على الفيلسوف أن يكون مطلعا على كل العلوم المرتبطة بالدين لتحديد مسعاه و حدوده. 
بذلك تكون مهمة فلسفة الدين هي طرح الموضوعات الدينية بشكل عقلاني حر متزن دقيق يتغلغل في طبيعة الدين من حيث منظومته في الشرائع المقدسة، و كذلك من جهة تفسير و تحديد العلاقة بين الفكر الديني عبر الحقب الزمنية قصد الوصول لتفسير شامل يكشف عن ترابط في العقل و النفس و الطبيعة. و فلسفة الدين تستعين بما أنجزته مجموعة من العلوم:  (علم الإجتماع الديني، أنثروبولوجيا الدين، علم فينومينولوجي الدين، و علم تاريخ الدين، و علم الأديان المقارن) و قبل استعمالها تفحص مدى تماسكها، و تضيف إليها  نتائج العلوم الطبيعية المثبتة و ذلك لتصحيح ما التبس و خرج عن منطق العقل و المقبولية في العقائد الدينية المتعلقة بطبيعة الإنسان و العالم.
نستطيع القول من خلال ما رأيناه؛ أن فلسفة الدين تعتمد في منهجها على المنهج العقلاني النقدي13 في اقتحامها عالم اللغة الدينية المعقدة، و النصوص الملغزة في المفردات. 

(14) نجوان نجاح الجدة. فلسفة الدين. مركز عين للدراسات و البحوث المعاصرة. ط 1 ، 2016 . ص 31

3 ـ الجدال الكلاسيكي بين الفلسفة و الدين:
تقول أمهات الكتب الفلسفية، أنه لم تستطع أي فلسفة أن تهزم الدين كيفما كان نوعه و منطقه، و لا يمكنها إسقاط دين مهما تجاوز حد المعقول فيه من الخرافة، لكنتا نرى في المقابل  أن الدين لا يضرب في عمقه  إلا بفعل دين آخر، و أقرب مثال في ذلك هو  الحملات التبشيرية التي كانت تشنها المسيحية على المسلمين خوفا على سقوطها،  و استقطاب أكبر عدد من معتنقيها،  أو الغزوات الإسلامية التي وسعت الرقعة الجغرافية للمسلمين شرقا و غربا، تحركت وفق مخطط سياسي محكم،  يهدف لنشر الإسلام و إخضاع الناس للدخول في الدين.

 و لا زالت حروب طاحنة بين المعتقدات المتطرفة،  كل يدعي أن منطقه القوي والغالب.وكان الكندي و ابن سينا و الفارابي خير دليل للتعايش الفلسفي والدين في حقبة ذهبية لم يشبها أي صدام إيديولوجي سوى من قلة قليلة من الفقهاء، ومن بعدهم جاء الشارح الأكبر لفلسفة أرسطو، ابن رشد ويخلد نظريته القائلة بتوفيق الفلسفة و الدين في كتابه “فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من اتصال” وهو مطلب الدين الإسلامي في إعمال العقل و التأمل في الوجود كما تفعل الفلسفة.

و الفلسفة منذ سقراط، كانت تقترب من الدين لرفع اللبس عن مفاهيمه الأخلاقية، و تفكيك رموزه، و تأويل مقاصده، كذلك لبسط نفوذ منطقها العقلاني على مصطلحاته، كانت الدراسات في أصل الوجود أو التأمل في العقول الفعالة تسمى بالفلسفة الأولى، كما ورد في العديد من النصوص الفلسفية الإسلامية كانت تسمى بالإلهيات، خصوصا في علم الكلام بين (المعتزلة و الأشاعرة و من عاصروهم من الفرق الأخرى) فهم ينطلقون في تأويلهم من النص الديني (القرآن) إلى البرهنة عليها بالاستدلال العقلي عند المتكلمين حين أدرجوا المنطق الأرسطي و الفلسفة في تأسيس عقائدهم.
أما بالنسبة للاهوت الطبيعي المسيحي؛ فنجد القديس طوما الإكويني1225 ـ 1274م  يؤكد على استدلالات العقل على كافة المعتقدات الدينية من دون الحاجة للاستعانة بالكتاب المقدس، فالدين و الفلسفة لا يتعارضان، مع شرط علو مرتبة الوحي و أن الفلسفة في النهاية ما هي إلا خادمة للدين.

 في مجملها، كانت الأديان الإبراهيمية بالتحديد، تكره التدخل الفلسفي في شؤونها المقدسة الغير قابلة للنقاش و الجدال. لنجد كل تجديد أو اجتهاد يعد هرطقة، خصوصا في المتن المسيحي.

المحور الثالث

1 ـ صراع الدين و العلم:

كما سلف الذكر، فإن فلسفة الدين لا تحاول الدفاع عن أي معتقد أو مذهب، بل تفسيرها يكون بعيدا عن لغة الدفاع، كذلك فهي لا ترتبط بإيمان فيلسوف و لا تلزمه شروط الإيمان، لكنها تفرض عليه الموضوعية و الحيادية لأجل دراسة لغة الدين و محاولة فك ألغازها.
لا زال التراث الفكري مؤسس على التعارض بين العقل و الوحي حاضرا بقوة. و يؤسس منطقا خاصا به، لنجد “معقولية فكرة الوحي في تزايد15” و لا يزال هناك من يصم آذانه عن سماعها، و هناك من يذهب إلى أن الدين أمر يرتبط بالإيمان، و لا يخضع لاعتبارات و ضوابط عقلية.
و الدين ليس “تشه عاطفي”، بل موقف و إلزام الإنسان، و هذا الإلزام لا يتأتى إلا بحكم العقل، و الوحي ليس مجرد من مفاهيم مفصولة عن الواقع، أو خالية من المعنى و الرؤية.

من المتواضع عليه، أن العلم و الدين وجهان لا يفترقان من وجوه الحياة الاجتماعية، و الصراع بينهما قديم قدم الوعي الإنساني؛ فالدين أشد تعقيدا من العلم، قد نقول أن “العقائد” هي السبب الجوهري في الصراع المحتدم بينهما. ورجال الكنيسة يخافون الثورات العلمية، و قد تفقدهم مراكزهم السلطوية.
و العلم في المسيحية المبكرة في لم يكن ضروري، و ما يحتاجه الإنسان من معرفة يمكنه استنباطه من الكتاب المقدس، و هذا الإنسان غير معني بالحقيقة؛ لأنه محكوم باتباع التعاليم الدينية و التحلي بالإيمان قبل إعمال العقل في الشؤون الدينية “أومن ثم أعقل” هكذا كان الأمر سائدا في العلاقة بين الدين و العلم. أظهرت الكنيسة في صراعها ضد العلم من قبل علماء اللاهوت، حراس الكتاب المقدس،و مسلمات العقيدة، و تعاليم أرسطو، التي كانت مرجعيتها من مرجعية الكتاب المقدس أمرا لا يقبل الشك و تجديد أي فكر في أركانها.

2 ـ لمحة سريعة عن الفيلولوجيا الكلاسيكية:
أ ـ في التراث المسيحي : سنشير إلى علم  الفيلولوجيا أو علم دراسة النصوص القديمة لغة و كتابة، نقدا و بحثا، وصفا و مقارنة، و هو علم تتداخل فيه لغة اللسانيات و تاريخ الأدب و علوم أخرى. و قد تطور هذا العلم ليكون دراسة تطور اللغات، و علاقتها ببعضها البعض. 

أول المشتغلين في هذا الحقل بعد (يهود الكابالا) كان الأب غريغوريو الكبير 540- 604 م الذي وضع منهجا لتفسير الاختلافات بين العهد القديم و الجديد. ومن قبله أظهر القديس أوغسطين 354 ـ 430 نقدا لاذعا للأناجيل( المنسوبة و المنحولة، الضائعة و الغير القانونية) و بالتالي كان هذا العلم ضعيفا و سرعان ما اضمحل و تقلص16.

(15) المرجع نفسه، ص 155

(16) خزعل الماجدي.علم الأديان (تاريخه، مكوناته، مناهجه، أعلامهن حاضره، مستقبله) ط1. الناشر: مؤمنون بلا حدود، ص 72

ب ـ في التراث العربي الإسلامي : نجد الفيلولوجيا بدأت فعليا مع نشأة علم الدين الوسيط، حيث  بدأ يشتد و يقوى مع علماء المسلمين و المفكرين و الأدباء و الفلاسفة الذي أنشئوا علما سموه ( بالملل و النحل) و مقارنة الأديان، و أظهروا تميزا و إبداعا في(علم الأديان الوسيط الإسلامي) و تفوقوا بذلك على اليهود و المسيحيين17، برزت أسماء لامعة في هذا العلم، يشكلون كوكبة من فطاحلة علماء العصر ، اشتهروا بالفصاحة و الدقة و رجاحة العقل و غزارة العلم، بصورة مثالية تنم عن جدية و حنكة و خبرة مراسية في مشاتل العلوم. نذكر منهم بعض الأعلام وبعض ما كتبوا:
ـ  الأشعري 324(الإبانة في أصول الديانة)
ـ البغدادي 429 (الفصل للوصل في مدرج النقل)
– ابن حزم الأندلسي 456 (الفصل في الملل و الأهواء في المحل)
ـ الشهرستاني 548 ( الملل و النحل)
نرى أن الوعي الإسلامي أبان عن جهد كبير في تحويل الصراع السياسي الفكري، إلى صيغة علوم دينية تاريخية. كانت الحرية الفكرية دعما سياسيا و اجتماعيا و عقديا في المحيط العلمي، عكس ما كانت عليه الدول الأوروبية في عصور الظلام  تئن تحت وطأة التعسف الكنسي و تحريم أي علم يبحث في المقدسات، بالتالي كان العلم مجبورا على الخضوع للمتن الأرسطي لقرون عديدة
في عصر النهضة تمردت الفنون و تخلصت الفلسفة من قيودها نوعا ما، جاءت الثورة العلمية الأولى على يد العالم البولندي كوبرنيكوس 1473 ـ 1543 حين صرح بمركزية الشمس، و كان هذا بمثابة ضربة قاسية تسببت في انهيار أسطورة النظام الأرسطي، و أماطت اللثام عن أكاذيب الكنيسة و جبروتها، و هشاشة علومها. في القرن السادس عشر، مع بداية حركة الترجمة للعلوم الإسلامية و اليونانية،  بدأت  الضربات تتوالى في تحطيم الجدار بين الإنسان الغربي و بين العلوم، مع العالم الإنجليزي فرانسين بيكون 1561 ـ 1626 الذي دعا للمنهج الاستقرائي ( الأرجانون الجديد) بدل النظر في الكليات المسئولة عن تأخير منهج العلوم و ترك منهج الاستنباط الأرسطي القديم.

 (17)  المرجع نفسه، ص74

تشكل عداء شديد بين العلم و الدين، حيال حرق العالم الفلكي جيوردانو برونو 1600 القائل بتعدد الأكوان، لكن صوت العلم لم يخفت مع عالم الفيزياء والفلك الإيطالي جاليلي جاليلو ، ليستكمل ما بدأه كوبرنيكوس، و يقول بأن القمر عبارة عن كوكب يشبه الأرض، و في الفيزياء جاء بقانون تساقط الأجسام، و أنها تسقط بشكل متساو ، ما جعل نظرياته مرفوضة الكنيسة تصب عليه غضبها، و تحكم عليه بالإقامة الجبرية مدى الحياة.

الخاتمة:

نتمنى أن نكون قد أحطنا ببعض الخيوط المتشابكة بين علم و الدين، و فلسفة الدين، و النظر في تقاطع هاذين المبحثين في معرفة أهداف و غايات الدين الحقيقية.
كما رأينا أن الدراسات العلمية تعتمد على معطيات تاريخية، و ثقافية، و أثرية، في إعادة تمثل المشهد الديني في أزمنته، و سياقه و تفسير ارتباطه بالأحداث، و مقارنة  تكرار الأساطير بين الأديان لتبيان مصادرها و منابع أفكار أصحابها و منشأ ظهورها،  للحد من تأثيرها على حرية الإنسان و عقلية المجتمعات، للخروج بنظرية عقلانية تضع كل دين في مكانه الصحيح بعيدا عن العشوائية.
كذلك تتبعنا في فلسفة الدين، و هي تضع على طاولة النقاش النصوص الدينية لفحصها و تسهيل ما استعصى فهمه و استيعابه بالتأويل و النقد، و مقاربة المصطلحات في صياغة اللغة التي خطت بها و إعادة تبسيط تعبيرها.
إن علة التفكير  الإنساني هي الاختلاف و التطور الذي يغيره حسب الحقب(اجتماعيا، و سياسيا ، و ثقافيا، و اقتصاديا، و عقائديا) ما يمكننا من قول، أن النقل ويمثل الدين، كان و لا زال محط جدال عويص، مع العقل الذي يمثل الإنسان، والمعنى أن الدين دائما يسعى لترويض هذا الكائن المتمرد، على تعاليمه الأخلاقية، و الحد من حريته، بسلطة العقاب في عالم ما بعد الموت. لكننا نجد هذا العقل، سواء في مختبر العلم أو في حكمة الفلسفة، يطالب الدين  ببراهين تثبت حججه و الأدلة القاطعة على  الإقناع و تبديد الشكوك من حوله.
أصبح من الجلي الآن من خلال ما جمعناه من معلومات لا بأس بها في هذا العرض المقتضب، أن هذين المبحثين تصدرا الفكر الإسلامي الوسيط قبل أن يولدا “ولادة قيصرية” من جديد في نهاية القرن الثامن العشر، و المعنى أن العرب المسلمين استطاعوا بحنكة الباحثين، و جرأة العلماء، و حكمة الفلاسفة، أن يكونوا سباقين في تدبر أحكام الدين، و بتفكر واجتهاد فيه و العناية به، فاحتفظ النص القرآني بثوابته بفضل وقاره و جليل نصه و سلطانه، لكنهم رغم أخلاقهم العالية في تناوله استجوبوه، كما استجوبوا الأديان و النصوص في  عمق  مقاصدها. و فتح لهم باب التأويل على مصراعيه، لينهلوا من حكمة القدماء، و رزانة الفقهاء منهم، ما أغنى الخزانة الإسلامية الكلاسيكية من درر و تحف معرفية و علمية في جو من الحرية الفكرية، و الاحترام الكبير الذين كانوا يحظون به سواء من قبل الساسة أو ذووا الشأن في المجالس العلمية.

 لا جرم في أن الكثير من المخطوطات العلمية الإسلامية سرقت من المكتبات حيال حركة الترجمة في العواصم الأوروبية، و نسبت إلى علماء و فلاسفة غربيين، و إلى أن يثبت العكس، يظل البحث مستمرا و التأويل منصبا على إخراج ما تضمره الكتب في بواطن نصوصها، و جواهر أفكار أصحابها. و الدين سيظل بين سندان العلم و مطرقة الفلسفة طالما هناك فكر متقد و إدراك للوجود لا يهدأ له عقل و لا وجدان.

تستمر اجتهادات العلماء و الفلاسفة في وضع الدين من بين أولويات أبحاثهم، سواء في الشرق أو الغرب.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com