منير الحردول
كاتب من المغرب
لعل توهم الإنسان، على أنه بلغ ذروة العبقرية والدهاء، يعد حتما من البديهيات، لقد جاءت قوى الطبيعة لتذكره بضعفه. فالكوارث الكبرى كانت، وما زالت، المحدد الرئيسي لمسار البشرية منذ القدم، من الطوفان إلى الأعاصير والزلازل والفيضانات والأوبئة.
إن مسيرة الإنسان التافه، ليست سوى سلسلة من محاولات التكيف مع هذه التحولات المستمرة والدائمة، وهي سنة كونية لا تخضع لإرادة البشر ولا لتصوراتهم عن الاحتباس الحراري أو غيره من التفسيرات التي يتمادة منظروها في التعقيدات.
مهما بلغ جبروت الكائن البشري وقوة أدواته وآلياته، فإن ضعفه يظهر أكثر في لحظات المآسي، حين يواجه غضب الطبيعة. في تلك اللحظات، تتكشف هشاشة الحضارة، وتنكشف حقيقة مرة. حقيقة أن الإنسان كائن ميال للضعف كلما اشتدت عليه حبل العظمة الزائفة للمزيفة .
ومن الملاحظ أن القلوب تميل إلى الرحمة والتعاطف في زمن الكوارث، حيث تتراجع الحسابات الضيقة والأحقاد، ويظهر التضامن الإنساني في أبهى صوره. لكن ما إن تنقضي تلك العوارض حتى يعود البشر إلى أنانيتهم وصراعاتهم، بل قد تتحول المآسي نفسها إلى مادة للاتهامات والحروب. وكأن الرحمة التي تولد في قلب الأزمة لا تجد مسارا ولا سبيلا للبقاء بعد انقضائها.
لقد تحدثت كتب التراث عن هذه المآسي منذ أقدم العصور، بدءا بالطوفان الذي أغرق الأرض، مرورا بالجوائح والأعاصير، وصولا إلى الأوبئة التي غيّرت وجه التاريخ. كلها شواهد على أن الطبيعة هي القوة العليا التي تضع الإنسان في حجمه الحقيقي، مسار محكوم بالضعف مهما بلغ من قوة.
إن الدروس العميقة الذي تمنحها الكوارث ليس في حجم الدمار الذي تخلفها وكفى، بل في كشفها عن طبيعة الإنسان نفسه: ضعيف أمام جبروت الطبيعة، رحيم في لحظة الخوف، أناني حين يزول الخطر. وبين هذه المفارقات يتأرجح تاريخ البشرية، وكأنها مدفوعة دوما وأبدا بهشاشة أمام كون لامتناهي ابدا.
إذن، الويل لغباء وطغيان جنس الإنسان!



















































